مقالات الرأي

التسليح والتعليم

بهذه العبارة القصيرة، اختصر الزعيم الماليزي مهاتير محمد، سرّ نجاح ماليزيا ونهوضها ووثوبها إلى قائمة الدول المتقدمة.

الإنفاق على التسلح لا يعني فقط الفواتير التي تُدفع لتجّار السلاح، إنه أكثر من ذلك بكثير.. إنه إشعال نار الكراهية لإعداد جيل مُقاتل محارب يجترّ الحقد ويكرر البغضاء.. إنه مناهج تعليم تُكرَّس من أجل إرعاب المجتمع واختراع الأعداء للأمة، من الشمال والجنوب والشرق والغرب والداخل وكل مكان.

إنه الفشل في صناعة الدبلوماسية والصداقات مع الأمم، والتحول بدلًا من ذلك إلى حفر الخنادق للمواجهة المقدسة. وهو كذلك التجنيد الإجباري الذي يقتل طموح الشباب وأعمارهم، ويُدخلهم في حروب لا تنتهي. إنه روح البسطار الباطش الهازئ بكل الأنبياء العزل والفلاسفة الحمقى! إنه تغوّل الأمن والمخابرات وتصرفهم في مصاير العباد وأرزاقهم وحرياتهم، تحت عنوان دولة المواجهة. إنه وقف التنمية ومنع الانفتاح وخنق الحريات، لأننا “دولة مواجهة”. إنه الرأسمال الوطني الهارب تحت ضغط القيود الأمنية والحربية. إنه خوف الاستثمار الأجنبي من بلد تقودها مزاجات العسكر ولا يحكمها القانون. إنه الطاقات الوطنية الطافشة والباحثة عن بلاد لا مواجهة فيها، يحكمها القانون ولا تعيش رعاب المؤامرة.

لا أحتاج إلى البرهان على أن هذه المحددات هي أكثر من ثمانين بالمئة من طاقة الأمة، وأنها لا تزيد عن طاقات معطلة أو مؤجلة أو مرحّلة، في غياب دولة القانون والإنسان. حين نبني الثقة بين الناس والدولة؛ نوفر كل هذه النفقات، ونُطلق كل هذه الطاقات.

لقد قام هتلر بحشد كل طاقات ألمانيا العظيمة، من أجل المواجهة مع الأعداء في الداخل والخارج، وأقنعَ الناس بخطبه النارية بأن الشرق والغرب والشمال والجنوب والداخل والخارج يتآمرون على ألمانيا، ويمنعون عودتها إمبراطورية جرمانية مقدسة، ولأجل هذا المجد التليد، يجب أن تنهض ألمانيا وتستعيد مجدها المسلوب، وهي أمام مسؤولية تاريخية لمواجهة العدو المتراكم، في كل دول أوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط ضد الشعب الألماني العظيم.

لكن العدو ليس العدو الخارجي فقط، بل إن الداخل يغلي أيضًا بالأعداء، وألمانيا العظيمة تشوهت وقام الملايين من أبنائها ببيع أنفسهم للشيطان، ولا بد من هولوكوست وتطهير، وفي توضيح رسالته قال: “إذا كان لديك عشر رصاصات؛ فأطلق رصاصة على عدوك، وتسع رصاصات على الخائن من أبناء وطنك”!

في المواجهة مع العدو، أعلن هتلر أن لن تنفعنا المواعظ الباردة ولا التمنيات والأماني، بل ينفعنا جيشٌ أوله في برلين وآخره في روما، وطائرات وفرقاطات ومدمرات ودبابات، فالعدو لا تردعه الاتفاقات والمواثيق وإنما يردعه الرصاص. ألمانيا بحاجة إلى أن تتوقف عن كل نهضة، نهضتها هي السلاح! فما جدوى هذه الجامعات والمعاهد ومراكز البحوث، إذا لم تكن لها أنياب وأظفار!

لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وكل نفقة حرام إلا نفقة في “كسر خشم” العدو، وكل تنمية عبث إلا تنمية قدرات الجيش العقائدي… هكذا تعسكر المجتمع، وتحولت ألمانيا إلى ثكنة عسكرية طاحنة، لم تُبق من تراث فلاسفتها وحكمائها وأنبيائها إلا شعار “اقتل أو تُقتل”، وإن لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب!

لم يقبل هتلر يومًا أن يَسأل أو يُسأل: هل العدو هو الذي تآمر؟ أم هي السياسة الخاطئة التي دفع إليها الاستبداد، وكرستها الأنانية؟! هل العالَم هو المتآمر؟ والشعب هو الخائن؟ أم هي سياستك في صناعة الأعداء التي مارسها العقل النازي، تربويًا واجتماعيًا وسياسيًا، حتى الثمالة، وبات من المؤكد ان لا حلّ مع هذا “العالم المتآمر” إلا بجيش نازي عرمرم، يدمّر كل أوهام السلام البائس، ويعيد من لهيب الحرب بناء ألمانيا القوية الجبارة!

كان أدنى قدر من الإيمان يجعلك تدرك أن هذا التوحش، الذي جعلته النازية ضرورة وطنية لحماية الأوطان، ما هو إلا كفر بالله والإنسان معًا، فالإنسان بنيان الله وملعون من هدم بنيان الله، والكون قائم على تدافع الإنسان، والحضارة لن تبلغ غايتها في استئصال المخالف، وإنما في صنع وسائط بصيرة تلتقي فيها الطاقات المتفجرة، حيث تتم فيها صناعة الاختراع والإبداع، وتحويل طاقاتها الملتهبة إلى حياة ودفء ونور.

لقد كان العدو وهمًا اخترعته النازية، لتبرير الاستبداد، وأشعلت في سبيل ذلك الوهم حربًا كونية هائجة على العالم كله، مع أن أعداءها لم يكونوا أشباحًا ولا ظلالًا، لقد كانوا أيضًا جيوشًا وحتوفًا وفيالق وقنابل، إنهم كانوا يسكنون الرعاب نفسه، ويعيشون الجنون نفسه، وحين زُلزلت الأرض زلزالها، وتعسكرت، وظن أهلها أنهم قادرون عليها، وحكم البطش ونطق الرصاص؛ انزوت الطبيعة جانبًا، وتركت الإنسان يرتكب حماقاته إلى النهاية، حيث تم لجم لسان الحكمة وأطلق بغي الإنسان.

كانت النازية كل يوم تؤكد للشعب المسحوق الحاجة إلى مزيد من التسلح، ووجوب تأجيل التنمية والبناء إلى ما بعد المواجهة، أما دعاة الحريات والكرامة الإنسانية، فقد اعتُبروا ضفادع مزعجين أغبياء، لا يدركون حجم المؤامرة، وأنهم يشوشون على بسطار الجيش النازي الباسل، في مواجهته المؤامرة الكونية، وحين كرروا حماقاتهم في الحرية والكرامة والانفتاح؛ تم زجهم في عنابر الغوستابو المظلمة، فهذا التفيهق العابث الذي يوهن نفسية الأمة، وينشر حماقة الفلاسفة في ساعة الحرب، لا حلّ له إلا في عنابر الظلام، وحين نحقق الانتصار على كل الأعداء؛ سيكون للفضوليين وقليلي الأشغال الفرصة للقاء هؤلاء الفلاسفة الأغبياء، والاستماع لأفكارهم وأوهامهم البليدة.

حتى قبل موت هتلر بخمس دقائق، كان الإعلام الألماني يبث المزيد من الملاحم الوطنية، ويدعو الشعب إلى مزيد من الصبر والنضال والكفاح، لمواجهة التآمر الدولي والداخلي الذي يتزايد كل ساعة. وكانت الماكينة الإعلامية تُقدّم ألف دليل على أن ألمانيا لا مجد لها إلا بعد الانتصار العظيم، وأن كل قرش ينفق في غير المعركة هو حرام، ولا خيار إلا المقاومة والصمود، وإنما النصر صبر ساعة، وخسرنا معركة ولم نخسر الحرب، وأن المجد كله للبسطار الألماني العظيم، وأن العالم كله سينهار أمام صمود ألمانيا، ودفاعها عن حقها وتاريخها الجبار!!

حين انتحر هتلر؛ انتهى كل شيء، وماتت أوهام المواجهة، ولم يستطع الحيش الألماني أن يقدم للناس إلا مطاحن الموت، أما جنرالاته النمور فلم يجدوا مكانًا يشرحون فيه وطنيتهم وكفاحهم وعمق رؤيتهم إلا في نورمبورغ، وقام من تحت الدمار جيلٌ لا يؤمن بالحرب، وعلى أنقاض بلاده المحطمة كفَر بعقدة التفوق الألماني، وآمن أنه أمة بين الأمم وليس أمة فوق الأمم، وكفر بمبدأ ألمانيا فوق الجميع، وآمن أن ألمانيا مثل الجميع، واستأنف رسالة ألمانيا وأعادها، خلال عقدين، إلى مكانها رابع قوة اقتصادية في العالم!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق