هموم ثقافية

أسئلة الإبداع السحرية

سؤال الفن ومنتجه الجمالي سؤال سحري.. يربك الفكر الفني والنقدي والمبدع نفسه.

كيف ينبثق العمل الفني؟ وكيف تحدث اللحظة الحاسمة في ولادة المنتج الفني؟

ما هي القوى الخفية التي تجعل الشيء فنيًا، وكيف تحدث صيرورة الإبداع من الـ لا شيء، إلى الشيء الفني الساحر؟

كمية صغيرة من “بويا” الألوان منفردة، تمزجها فرشاة وعقل، وتسكب على لوحة خام، فتخلق لوحةً فنية لا تقدر بثمن، وربما لا يحدها جمال..

أصوات تحدث من قرع شيء على شيء، أو ملامسة وتر مصنوع من ذنب فرس، تُحدِث هزات للروح وأنغام خالدة، شريط من السيليلوز عليه نترات الفضة يلتقط الطبيعة الخام والأفعال المقترحة وتؤبد روح جمالية اسمها السينما..

حجر خام وإزميل، ينتجان منحوتة تكاد أن تنطق، لكنها تصرخ بكل جمال وحيوية الكائن.

ما الفعل الكيفي، والانسياب الكيميائي الخفي اللذان يخلقان معجزة فنية لا تموت؟

أسئلة تندمج في معمعان فوضوي في الرأس، ثم يحدث ترتيب متناغم، بشكل ما، وبلحظة ما، ويتكون ناتج إبداعي يصعب ضبط ولادته وصراخه، وأثره.

حيرة وجودية وفيض من أسئلة لا تنتهي عن انبثاق الناتج الفني من العدم إلى الوجود، من الفكرة التي لا تُمسك ولا تُحاط إلى منتوج فيزيائي حي، أو منتوج فكري له جسد لا يُمسك أيضًا، كالقصيدة أو الرواية أو الفيلم أو الموسيقى…

سؤال صيرورة الفن هو السؤال الفلسفي الأول قبل ولادة المنتج الفني.

“الأفكار على قارعة الطريق” صحيح، والموضوعات تملأ رؤوس الناس، صحيح، لكن المبدع ليس قناص فكرة وحسب، بل هو البنّاء المعماري لكل مدماك فني لهذه الفكرة أو تلك، لهذا الموضوع أو ذاك، هو صاحب النول الذي ينسج السجادة المُحكمة المزخرفة الأنيقة، من فوضى الشَعر البدائي والخيط الخام والصبغات المعصورة من كيمياء الطبيعة.

هي سحر الخلّاق من عدم الأشياء وفوضاها إن وجدت، من عشوائية عبثها إلى كينونة لم يسبقه إليها أحد..

لعبة الكيف هي لعبة المبدع.

مواضيع كثيرة وأفكار كثيرة أيضًا، يمكن أن يستقيها المبدع من الآخرين، لكن ليس غيره مَن يجعلها فنًا مكتملًا بهذه الصورة الناتجة.

رائعة الكاتب الروسي نيكولاي غوغول (الأنفس الميتة)، التي أسماها غوغول بالقصيدة، رغم أنها رواية بامتياز، وقد لخصت روح روسيا في القرن الثامن عشر إلى يومنا هذا، هي موضوع وفكرة أعطاها بوشكين لغوغول المعماري، ليصوغها في عمل روائي، وهذا ما حصل، وربما أطلق عليها غوغول صفة القصيدة تيمنًا وعرفانًا بخلّاق الفكرة الأولى الشاعر بوشكين الذي قال غوغول على قبره كلمات بسيطة بقيت خالدة لليوم: ” أي شمعة انطفأت وأي ظلام سيسود”.

أدرك بوشكين أن الفكرة العظيمة تحتاج إلى موضوع عميق، وإلى معماري محترف مبدع، يدرك لعبة النسيج الفني السحري للإبداع. وأدرك أيضًا أن الموضوع يبقى خامًا والفكرة تبقى طائشة، إن لم يعد نسيجها كيميائي الكيف، معماري البناء، حائك السجادة السحرية.

وثمة عمل شهير آخر (المفتش العام)، هو أيضًا موضوع وفكرة لبوشكين: أبدعه كنص مسرحي، العبقري نيكولاي غوغول..

يتفرغ المبدع أشهرًا أو سنة ليعصر خبرة عمر وتجربة تفاعلت مع حياة معقدة، لتنتج عملًا، في روحه عسل كيمياء الإبداع، وبدوره ينتج هذه العصارة الإبداعية التي لا يشبهها إبداع آخر.

كثافة تتمدد بذات الكثافة، وتجربة تستحيل إلى شيء جديد تمامًا، اسمه الإبداع.

الفن والإبداع -عمومًا- لا يحتاجان فقط إلى حركة نقدية تحليلية للعمل الإبداعي، بل الاحتياج يكمن في وجوب حركة تنظيرية فلسفية جمالية، تواكب وتساهم في إدراك اللحظة الفنية، واللحظة التاريخية، لمنتجات الإبداع، تحتاج إلى فكر تنظيري موسوعي، يشمل تكنيك الإبداع، ولحظات الإبداع، وصيرورته، بالتأكيد هناك من التعقيد، والنظريات المختلفة، التي ساهم فيها كثير من المفكرين والفلاسفة في العالم، لكن الثقافة العربية المعاصرة -وللحقيقة- فقيرة وشبه فارغة من أي حراك تنظيري يرصد صيرورة الفعل الإبداعي.. فقر مدقع في إدراك ضرورة التنظير، لانبثاق اللحظة الجمالية.. مع أننا كنا سباقين تاريخيًا في هذا المجال، وكان الجرجاني واحدًا من المفكرين في التحليل والتنظير الإبداعي.

إن لعبة الكيف في إنتاج العمل الإبداع، هي تموضع المحتوى في الشكل، والشكل الفني هو البناء الجمالي للموضوع والأفكار، وساحرية الجمال ومتعته في التلقي، كل ذلك لا يجعل الموضوع والمحتوى هامشيًا في المنتج الإبداعي، إن جدلية الإبداع وخلقه ضمن أدوات مرئية وأدوات خفية، هي السؤال المحيّر للمتلقي والمبدع معًا، وهي تحتاج إلى تفكيك جمالي وفلسفي، ضمن منظومة الخيال والمتخيل، الذي يمتاز فيها الوعي الإنساني، من المخلوقات.

غائية الفن، هي التي تخرجه من عشوائية الفوضى، إلى تناغم الإدراك، وإعطاء الهوية الإبداعية للفن الناتج في لعبة كيمياء المعرفة والإبداع.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق