أبحاث وتحليل سياسات

48 عامًا على غياب عبد الناصر: تشبيه وتشويه

لم يكن نظام عبد الناصر، بممارساته السياسية الداخلية، وببرامجه الاجتماعية والاقتصادية، تجسيدًا فعليًا للحلم الطوباوي الذي داعب أفكاره وألهب مشاعره، حيث تمحور الحلم على إعادة بناء الدولة الحديثة في مصر، وقيامها بدور مركزي في تحقيق النهضة العربية الحديثة، التي بدأها محمد علي ولم يستطع إنجازها.

في ذكرى رحيله، لن نتوقف عند أسباب فشل نهضة مصر والعرب في العهد الناصري، كما لن نعرض ثغرات ونواقص التجربة، وكذلك إيجابياتها وإنجازاتها.

زاوية أخرى نتوقف حيالها، حيث تستفزنا كثيرًا محاولات الطغاة المستبدين ارتداء ثوب عبد الناصر بعد رحيله، وادعاءهم أنهم استمرار لما بدأه، وراحت مؤسساتهم الدعوية والإعلامية، تُقدّمهم بلباس الزي الناصري، في خدعة تضليلية هدفها استثمار الرصيد الشعبي لعبد الناصر، في صفوف الشعوب العربية، وهو رصيد كبير، والأخطر أن يستخدموا التشبيه مع عبد الناصر، لتوظيف ذلك في الدفاع عن ممارساتهم (الفساد، والقمع، واحتكار الحياة السياسية والوحشية الدموية في سحق الشعب، وتركيز كافة السلطات بيد الطاغية). زد على ذلك ادعاءاتهم الكاذبة في (الوحدة العربية وتحرير فلسطين)، على اعتبار أن عبد الناصر ترسخ في وعي الشارع العربي، كقائد يسعى لتحقيق الوحدة ولبناء مصر القوية لمواجهة الخطر الإسرائيلي والاستعماري.

من يقومون بترويج هذا التشبيه ينحدرون من مواقع ثلاثة: صحفيون وكتاب مصريون “ناصريون”، راحوا يبحثون عن مكانة لهم في فضاءات الوضع السياسي العربي، فلاذوا بأسوأ نماذج الدكتاتورية في العراق وسورية، وشرعوا في توصيف صدام حسين وحافظ أسد ثم بشار الوريث، على أنهم من طينة عبد الناصر، وسيجسدون ما لم يستطع عبد الناصر تحقيقه قبل رحيله. ومعهم طواقم من “كتّاب ومثقفي وإعلاميي” الطغاة الساعين لتحقيق المكاسب الذاتية في بلاط المستبدين. أما النموذج الثالث فلقد عبر عنه ولا يزال، مع الأسف، عدد كبير من “اليساريين العرب”، وهم يعلنون مناهضة الاستبداد والدولة القمعية الأمنية، حين طرحوا فكرة: أن عبد الناصر هو الذي أسس لمسيرة الدكتاتوريين العرب، الذين قاموا بأبشع الممارسات السياسية في بلادهم، ضد معارضيهم وبمواجهة “إرادة الشعوب”. وأسوأ ما في هذا المذهب أن تتردد مقولات أصحابه، اليوم، وتحديدًا خلال تناول وحشية ودموية سلطة آل الأسد في سورية، في عهد الوريث بشار الأسد.

لا يكفي أن نظام عبد الناصر جاء من داخل المؤسسة العسكرية، لتكون سلطة حافظ الأسد نموذجًا مطابقًا ومماثلًا لسلطة عبد الناصر، ولا لشخصيته. وإذا كان عبد الناصر قد حكم مصر اعتمادًا على ركيزتي العسكر والأجهزة الأمنية، وهو أسوأ ما مثلته السلطة الناصرية، فإنه لم يقم بتدمير نسيج المجتمع المصري، وتفتيته عشائريًا وقبليًا أو طائفيًا، ليتمكن من القبض على الحياة السياسية في مصر. فالمشروع الذي كان يحلم به عبد الناصر، والذي ثبت فشله، هو بناء دولة تكون السلطة فيها بيد الطبقة الوسطى، (البيروقراط ورأس المال في الريف والبرجوازية المحلية)، وانكشف وهم المحاولة تلك في مآلات وضع مصر بعد رحيله، إذ استقرت السلطة السياسية للطفيلية البرجوازية المتحالفة مع البيرقراطية العسكرية، والتحقت مصر بالحظيرة الرأسمالية العالمية، مع انتقال السلطة لنائبه أنور السادات، وهدرت كل المكتسبات التي حققتها الناصرية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي في الخمسينيات والستينيات.

مفاده أن عبد الناصر لم يُدمّر نسيج مصر الاجتماعي ليحافظ على سلطته الفردية، ولم يعمل على توريث أحد من سلالته، إنما كان يحمل مشروعًا سياسيًا واقتصاديًا، تخلخل وتخبط في سيرورة التجربة، التي غابت عنها أدوات إنجاز ذلك المشروع، والفضاءات التي يمكن أن ينمو ويتطور فيها هدفه “نهضة مصر” وتقدم العرب وتحررهم. وبهذا المعنى، لم تكن السلطة هدفه وبأي ثمن. والعبرة في ذلك إقدامه على الاستقالة بعد هزيمة حزيران/ يونيو 1967، وكان جادًا في ذلك، وأعلن الاستعداد لتحمله المسؤولية عن الهزيمة. ومع رضوخه للبقاء، تحت تأثير أجنحة السلطة، وبفعل الرفض الشعبي للاستقالة، حاول إحداث تغييرات في الجهاز السياسي “الاتحاد الاشتراكي”، وأعلن عن تشكيل ما عرف بالتنظيم الطليعي داخل الاتحاد الاشتراكي (آذار/ مارس 1968)، وشرع في التحضير لما أطلق عليه: “إزالة آثار العدوان الإسرائيلي”.

ثلاثة عِبر أخرى تُبيّن تهافت فكرة التماثل بين عبد الناصر وحافظ وبشار الأسد: الأولى أن عبد الناصر لم يُخطط لجعل سلطة مصر للعائلة أو السلالة أو الطائفة والعشيرة التي انحدر منها، وتبين ذلك جليًا في اليوم الأول لرحيله، عندما انتقلت السلطة لأنور السادات باعتباره نائبًا للرئيس، ولم يقف المصريون في حالة رعب من غموض ما يمكن أن يحدث بعد وفاته، فكان الدستور، أيًا كانت سلبياته، هو الحكم والأساس في شغل منصب الرئيس بعد موته، وهذه عبرة ثانية لا يريد فهمها أو احترامها عند من يقيمون التماثل والتشابه بين عبد الناصر والأسد الأب ثم الابن، فتم وضع عبد الحليم خدام “نائب حافظ الأسد” في مستودع الممتلكات الخاصة ببيت الأسد، ليكون نائبًا للوريث مرة أخرى، ويكشف ذلك أن الدستور والتسميات في عهد الأسد هي لغو فارغ لا قيمة لها في الواقع.

عبرة ثالثة تكشف أيضًا بؤس المقارنة وإقامة التماثل بين عبد الناصر وحافظ الأسد وابنه الوريث، تتصل بالقضية الفلسطينية، التي يتغنى بها الموالون للطاغية الحاكم في سورية، ويرفعون رايتها، لتشفع لسادتهم اقترافاتهم وجرائمهم، داخل سورية وخارجها.

لم يكن عبد الناصر يتحدث كثيرًا عن تحرير فلسطين، ومضى في طريق بناء مصر، باعتباره ركيزة لمواجهة “إسرائيل”. وقال في إحدى المناسبات، في خطاب على الملأ: “لن أكذب عليكم، فليس لدي خطة لتحرير فلسطين”، لكنه سعى لتأسيس الكيان الفلسطيني في سنة 1964، وكانت منظمة التحرير الفلسطينية. ولم يُحاول القبض على “الورقة الفلسطينية” لتمرير مآربه الخاصة، ولم يكن ثأريًا حاقدًا في ردة فعله على الرفض الفلسطيني لمشروع روجرز 1970، وسعى لحقن الدماء في الحرب التي اندلعت في أيلول من نفس العام في الأردن، بالرغم من اتهام المنظمات الفلسطينية له بالخيانة.

على الجانب الآخر، ارتكب حافظ أسد وبعده بشار، كل انواع التآمر والجرائم ضد الحركة الوطنية الفلسطينية منذ ولادتها 1965، وضد الشعب الفلسطيني في مخيمات لبنان وسورية. والجرائم التي أقدم عليها بشار ضد مخيمات الفلسطينيين في سورية، لأن سلطته فشلت في استدراجهم للوقوف معها ضد ثورة الحرية، جاءت استكمالًا لتاريخ أبيه ضد مخيمات لبنان في السبعينيات والثمانينات، فأين يجد أبواق الطاغية المتوحش تماثلًا بين سلطة الأسد ونظام عبد الناصر. وأما اليساريون المناهضون للطاغية المنحازون لثورة الحرية في سورية، فأرجو منهم أن يمارسوا النقد بلا هوادة لتجربة عبد الناصر، لكن أتمنى عليهم أن يدققوا في ادعائهم أن “الأسد استكمال لعبد الناصر أو مثله”. لأن تشبيهًا كهذا فيه الكثير من التشويه الذي يستفيد منه الطاغية القاتل للسوريين.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق