تحقيقات وتقارير سياسية

اللجنة الدستورية والبحث عن شرعية للأسد

أنهت الدول الضامنة لمسار أستانا حول سورية (تركيا وروسيا وإيران)، قبل أيام، اجتماعًا في جنيف، لمناقشة تشكيل لجنة دستورية، تتولى صياغة دستور جديد للسوريين. للوهلة الأولى، يبدو لبعض السذّج أن الخبر عادي، ويحمل تفاؤلًا من نوع أن السوريين ينتظرون فقط شكليات الحوار وترتيب أولوياته، وأن كل شيء يسير سيرًا طبيعيًا، على الأقل هذا ما تُروّج له الدول الضامنة لمسار أستانا، الذي لم يبق منه سوى اسم هذه العاصمة، مع الاستعداد لضرب آخر منطقة مشمولة في ضمان خفض التصعيد، واللافت أن السوريين أصحاب القضية هم الغائبون عن قرار مداولات مناقشة تشكيل اللجنة الدستورية.

من حق أي سوري أن يبدأ النقاش كما يريد، وأن يُناقش ما يريد، ومن الزاوية التي يريد، شرط التقيد بأصول النقاش وعدم إفساده باخفاء وتمويه الحقيقة والأهداف، وموضوع اللجنة الدستورية وشرعيتها يمكن أن يكون أمرًا عاديًا في سياق آخر، وأي مواطن سوري يتمنى -بالتأكيد- أن تتوفر الظروف ليمارس حقه الديمقراطي، ويقول كلمته في مختلف شؤون قضيته وحياته؛ ذلك أن العملية الانتخابية والدستور تعتبران من مظاهر الديمقراطية لأي مجتمع يطمح إلى تخطي واقعه الصعب، وتأسيس واقع جديد يكون أكثر صحة وحيوية.

إلا أن هذه البديهية، لا يمكن التعامل معها بهذه البساطة والعمومية التي تقدمها الدول الضامنة: روسيا وإيران وتركيا، خصوصًا أن دولتين منهما تُمارسان فعل الاحتلال المباشر لأراضي السوريين ومصادرة قرارهم الوطني، إضافة إلى العدوان المباشر، والدمار وإسناد نظام قتَل وشرّد ملايين السوريين. وبناء على ذلك؛ فإن أي عملية سياسية في سورية، لا تكون محكومة في نهاية المطاف بإزاحة وإسقاط الأسد وتقديمه للمحاكم الدولية، سيكتب لها الفشل. لكن ما الذي يجعل الأمم المتحدة، عبر ممثلها دي ميستورا، ترأس اجتماع مناقشة دستور للسوريين عبر المحتلين، وتقديم ذلك على أنه “ذو جدوى وقيمة فعلية”، بينما واقع الحال يدلّ على شكلية مثل هذه الاجتماعات.

يختلف هذا السؤال جذريًا عن السؤال الذي يقول: ما هي الدوافع والأهداف التي تقف خلف توجه الأمم المتحدة عبر دي ميستورا، لتناقش مع دولتي احتلال الدستورَ السوري، وهما تحملان ملفات مثقلة بجرائم الحرب في سورية، الأولى من خلال العدوان المباشر، والثانية عبر ميليشياتها وعصاباتها التي وثّق السوريون آلاف الجرائم المنسوبة إليهم، فالتوجه لمناقشة اللجنة الدستورية والدستور، أو أي عملية سياسية تتعلق بالمجتمع السوري، في ظل استمرار حكم العصابة في دمشق، مع ترويج شعارات خادعة من قبل المجتمع الدولي عبر مظاهر الاجتماعات والنقاش، يعني الضغط لقبول السوريين ببقاء قاتل أبنائهم ومُدمّر حواضرهم بعيدًا من العقاب.

على هذا الأساس، يغدو تحديد الشروط اللازمة، والظروف المحيطة بالعملية السياسية في سورية وباللجنة الدستورية، أكثر من ضروري، أي تحديد المعيار الذي يجب أن يُناقش به السوريون دستورهم دون سقف الأسد وأركانه المحتلين. هذا معيار أول وأساس، يُحدد مدى اقتراب أو ابتعاد المفاوضين من تضحيات السوريين نحو أحد أهدافهم ومصالحهم، وهنا نُسجّل غياب المواقف السياسية، المعارضة القوية والمبدئية، لرفض جلسة حوار الدول الضامنة المتعلقة بالدستور وغيره.

كل ما يُقال ويُشاع، عن مفاوضات ونقاش يقودها وكلاء النظام من قوى الاحتلال المختلفة في سورية، لترتيب المشهد السوري، لا يتخطى حدود اللغو الفارغ، مع أن جزءًا منه أُنجز بتمكين المجرم ببسط سيطرته ومحاولات إخفاء جرائمه. الحديث عن مجتمع مدني تحكمه عصابات الأسد وميليشياته المجرمة وشبيحته وعفيشته، يوازي نقل خبرة إجرام مافيا موسكو وملالي طهران في بسط السيطرة على المجتمع والدولة، لكن بصورة مختلفة لمجرم يُحاول الجميع إيجادَ مخرج لائق لجرائمه، بابتكار أسماء لاجتماعات مثلما جرى ابتكار (داعش) وحركات إجرام أخرى، جرى من خلالها تبديد حقوق السوريين ومحاولة خنق ثورتهم، وهذا هو مقصد اللجنة الدستورية، ومسعى دي ميستورا مع قوى الاحتلال والمجتمع الدولي ككل.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق