مقالات الرأي

من الثورات الشعبية إلى الإصلاح الديني

تتعدّد أسباب الثورات الشعبية، غير أنّ جذرها يكمن في السبب الاقتصادي، حيث ساهمت سياسات اللبرلة الجديدة في إفقار الأغلبية، وكفّ يد الدولة عن دعم المفقرين، ووصلت البطالة والوضع الاقتصادي إلى أوضاع كارثية، وفشلت التنمية بالكامل. وبناء على ذلك؛ فإن المحدّد للبدء بالثورات كان العامل الاقتصادي، وإن ما لجم تطوّر الثورات هو الشكل الاستبدادي للنظام السياسي، الذي منع المجتمعَ -عقودًا طويلة- من ممارسة حرياته وحقوقه، وبالتالي لم يعِ الشعب جيدًا أسباب ثورته، وكيفية تطويرها واعتماد برنامج وطني عام للنهوض المجتمعي.

ما لفت انتباهي مؤخرًا هو دعوات عدد من المثقفين إلى الإصلاح الديني، واعتبار أن الثورة الضرورية ليست السياسية/ الشعبية، بل الاجتماعية، أي إحداث تغيير في الوعي، ونقله من الديني والمذهبي والطائفي، إلى العلماني والمدني والحداثي، وحينما يتحقّق ذلك؛ ستُفضي الثورات السياسية إلى الإجهاز على الأنظمة وتأسيس دول حديثة.

هذه الدعوات ذهنية محضة، وربما فيها روح عدمية أيضًا، وهي ليست جديدة، بل إن كافة المنحازين إلى الأنظمة قالوا الأمر عينه: “الشعب ليس مهيَّأً للثورات، ويجب تنويره وتحديثه، ثمّ بعد ذلك يقوم بالثورة”. إذًا القضية هنا لا تكمن في سياسات الأنظمة والنهب والإفقار الشديد، بل في الوعي المتأخر، وبما أن هذا الوعي متأخر؛ فإن الثورات ستفشل بالضرورة.

هذه الدعوات مُخيفة في أبعادها، لو قُرئت جيدًا؛ ذلك أنها تُبعد دور الأنظمة، والسياسات العالمية الليبرالية، وتتجاهل واقع الكولونيالية التبعية القديمة، الذي تشكّلت وفقه مجتمعاتنا، باعتبار أن “تأخر مجتمعاتنا هو من آثار سيطرة الرأسمالية الإمبريالية على العالم”. بتجاهل كل ذلك؛ تصبح مجتمعاتنا متأخرة، ومنقطعة عن العصر، ولم تؤزمها الرأسمالية التابعة، وبالتالي تكمن مهمة الثوار والمثقفين والمتنورين في “التنوير”، لا في إطلاق الثورات! وعلى عكس الرأي المستجد هذا، هناك “أيديولوجية الأنظمة” التي قَمعت الثورات وسببت فشلها، وتقول إن “طبيعة مجتمعاتنا هي طوائف وأديان”. يضاف إلى ذلك رأيٌ آخر، هو رأي “الإسلاميين أو المتأسلمين ومن يدور في فلكهم”، إذ يرون أن التعبير السياسي السليم لمجتمعاتنا وللثورات يتم حينما تتسيّس التشكيلات المتأخرة، ولنقل ما دامت هي مُسيسة فيجب أن تعبّر عن ذاتها، وباعتبارها تتضمن أكثرية وأقليات دينية، فإن الطبيعي والتاريخي والموضوعي أن تتجسد في النظام السياسي وفي كل مؤسسات الدولة. التيار الأخير لا يتقبل النقد الجذري لرؤيته، ولا يرى توافقات رؤيته مع أيديولوجيا الأنظمة، ويرفض التشكيك في صحة أفكاره، ولو جاء النقد من زاوية الحداثة والمواطنة وحقوق الإنسان، ويؤكد أنّه لا يمكن بناء نظام سياسي ودولة حديثة خارج هذه الفهم. نقدنا هنا: إن كل مزاوجة بين الديني والسياسي ستكون لصالح الديني، وتشويه السياسي، وتخريب المجتمع، والمساهمة في حروب أهلية لا تبقي ولا تذر، وتُسهِلُ عودة الدكتاتوريات والاحتلالات وتمكين الحركات الطائفية، ولا سيما السيئة منها، كما نسخة (داعش) و(النصرة) و(جند الأقصى) و(بيت المقدس) وسواها من الجهاديات.

إذًا لا يمكن أن تُعالج مشكلات وأزمات الثورات العربية، بنقل أسباب التأزم من السياسي إلى الثقافي، ومناقشة شكل الوعي وتسييس الهوية، إنما تُعالج بتحديد وتشخيص دقيق لأسباب التأزم، ومن خلال نقد برامج الثورات والمعارضات وسياسات الأنظمة القمعية والتدخل الخارجي، الإقليمي والدولي. هنا حقل نقاش الأزمة السياسية للمعارضة وللثورات، وهنا تجب دراسة آثار الثورات، وقد هشّمت الأنظمةَ بشكل كبير، وإن لم تنتصر؛ حيث أصبحت حوامل النظام في سورية، روسية وإيرانية وتركية وأميركية، وفي اليمن هناك صراع إقليمي، وكذلك في ليبيا وسواها.

هناك فصل كلي، وجذري، بين أسباب الثورات، وبين شكل الوعي السائد ومسألة الإصلاح الديني. لن أناقش بدقة أسباب الثورات في هذا المقال، ولكن يجب رفض اعتبار الإصلاح الديني شرطًا لنجاح الثورات، وتأخير الأخيرة، وكأنّ الأمر كلّه ذهني وإرادي وليس تاريخيًا! الثورات تحدث لأسباب متفاقمة، تفجر طاقات الشعب، وبالتالي لا يمكن القول لأهل سورية أو العراق أو ليبيا أو تونس أو مصر: اصمتوا الآن، وخذوا دروسًا في التنوير والإصلاح الديني، حتى تصيروا علمانيين وحداثيين، وبعد ذلك انخرطوا في ثورات تغييرية للأنظمة ولكلية المجتمع.

إن ضرورة هذا الفصل لا تعني رفض ضرورة الإصلاح الديني، فالأخير مسألة ضرورية بشكل مستمر، وهو عمل المثقفين والإصلاحيين الدينيين بشكل دائم. أي تبيئة النص والسنة والأديان عامة مع الواقع الكوني الجديد، بما يتوافق مع منظومة حقوق الإنسان، وطيّ كل ما يتناقض معها، واعتماد حقوق المواطنة وإلغاء كل ما يناقضها؛ وفضلًا عن كل ذلك، يجب إحداث فصل كامل بين شؤون الدين وشؤون الدنيا، وتنزيه الدين ليكون أداة الأفراد للعلاقة مع الله والإيمان.

هل ما قلته آنفًا يُنكِرُ على السياسي، أن يكون مؤمنًا إذا شاء، أو يُحدث قطيعة بينه وبين الدين؟ العلاقة مع الدين -كما ذكرت- تخص المجال الروحي ومسألة علاقة الفرد بالله أو الجماعة بالله، ولكنها لا تخص -في أي حال- قضية السياسة والدولة، فالأخيرة مسألة حداثية بامتياز، ويجب أن تُخاض وفقًا لعلم السياسة الحديثة وتحقيق الديمقراطية، والأكثرية والأقلية السياسية، وليس بالمعنى الديني، بل بالمعنى السياسي الحداثي.

الخلط الشائع بين السياسي والثقافي، و”التأكيد على الإصلاح الديني مؤخرًا”، يتصاعدان عالميًا، وهناك تقدم كبير للقوى السياسية وفقًا للهويات الدينية، وهذا يتزامن مع أزمة الرأسمالية العالمية، التي لم تنطوِ بعد، وقد بدأت في 2008 مع أزمة الرهن العقاري، وبالعموم مع سياسات الليبرالية الجديدة، وارتفاع حدّة التفارق الطبقي عالميًا؛ وفي أوروبا، تتم الاستفادة من موضوع الهجرة واللاجئين، وتزداد شعبية اليمين “الديني والقومي”. وهذا يعني أن اللعب بالدين لم يعد قضية عربية، وبالتالي من الخطأ نقاش القضية من زاوية الهوية والماضي والدين، بل يجب مناقشتها من زاوية سياسات الأنظمة المتعددة.

لا شك أن للثورات أسبابها، وربما منها المظالم الدينية والطائفية، ولكن جذرها الأساس يكمن في السياسات الليبرالية أولًا، وفي الاستبداد ثانيًا؛ وبمضاعفة التدخل الإقليمي والدولي والاحتلالات، فإن للثورات أسبابًا محلية وعالمية، وهذا ما يجب مناقشته، حين تُطرح الأسئلة المتعلقة بكيفية تضمين برنامج الثورات رؤًى وأفكارًا، عن كيفية تغيير الأنظمة وطرد الاحتلالات، وكيفية إنشاء العلاقات السياسة النديّة وغير التبعية مع دول العالم ومنظماته وشعوبه، وذلك من أجل إنجاح الثورات الشعبية والوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق