سلايدرقضايا المجتمع

القيصر بوتين يجنِّد الأطفال السوريين

من المفارقات الغريبة لسلوك الدكتاتور الروسي فلاديمير بوتين، ذلك الإجراء التعسفي الذي اتخذه ضد تبنّي الأطفال الروس يتامى الوالدين، مخالفًا الدستورَ الروسي نفسه، فضلًا عن شرعة حقوق الإنسان، ذلك الإجراء الذي منع بموجبه تبنيهم من قبل الأجانب، وبخاصة من العائلات الأميركية، وكان قد وصل عددهم إلى خمسين ألف طفل، مُبررًا ذلك بأنه لن يسمح بتحول هؤلاء في المستقبل إلى أعداء لبلدهم، أو جواسيس عليها لصالح أميركا.

المفارقة أن روسيا، بعد سنوات من ذلك القرار، وتحديدًا مع بداية هذا العام، وقّعت أمرًا يقضي بتبني أطفال سوريين أيتام، من قبل الجيش الروسي (وليس من عائلات روسية)، وتدريبهم على فنون القيادة واستخدام أنواع السلاح، ليكونوا قادة في جيش سورية المستقبل، كما صرّح أولغا كوفيتيدي، رئيس اللجنة الفرعية لمجلس الدوما الروسي، بقوله: “إن إعداد ضباط عسكريين من الأطفال السوريين في الجيش الروسي هو استثمار كبير في مستقبل سورية”.

هكذا بدأت المجموعة الأولى من الأطفال السوريين السنة الدراسية الجديدة، في معهد قوات السكك الحديدية والاتصالات العسكرية، وهي مجموعة مكونة من ثمانية أطفال بصف التعاون الدولي الذي تم تشكيله في المعهد، بموجب اتفاق بين روسيا والنظام السوري. وخلال زيارة نائب وزير الدفاع الروسي دميتري بولغاكوف للمعهد، قال: “إن هذه الخطوة هي التجربة الأولى من نوعها، وتأتي تنفيذًا لقرار وزير الدفاع سيرغي شويغو، للبدء بتدريس الطلاب السوريين، في كل المؤسسات التعليمية العسكرية الروسية، ومن ضمنها تلك التي تتخصص في إعداد الضباط القادة.

ونقلت وكالة (تاس) الروسية، عن الوثيقة التي وقّعها رئيس الوزراء الروسي ديمتري مدفيديف، أنها نصّت على ضرورة الموافقة على مشروع الاتفاقية التي قدمتها وزارة الدفاع الروسية، وتم تنسيقها مع وزارة الخارجية الروسية ومع الجانب السوري، حول دراسة السوريين القاصرين في المؤسسات التعليمية التابعة لوزارة الدفاع الروسية التي تنفذ البرامج التعليمية والمهنية الهادفة إلى إعداد الطلاب للخدمة العسكرية، وفق البرامج التعليمية للطلاب الروس في تلك المؤسسات، مجانًا وباللغة الروسية، كما يتحمل الجانب الروسي كل تكاليف الدراسة.

وإذا أضفنا إلى ذلك ما كشفت عنه ريما القادري، وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل التابعة للنظام، من أنه تم افتتاح أول فرع لـ (الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية) في دمشق، التي تبنّت بناء مدرسة روسية، في مجمع ضاحية قدسيا لتعليم اللغة الروسية، وإلى جانب ذلك، قامت روسيا بإنشاء العديد من المدارس والمركز الثقافية المرتبطة بالكنيسة الأرثوذكسية، ومنها افتتاح مركز ثقافي روسي، في منطقة حي الجورة بمدينة دير الزور، يعتمد على كادر تدريسي روسي مهمته تعليم الطلاب اللغة الروسية قي المدارس السورية، ويتكفل المركز بدفع مرتبات للمدرسين، ولا يتقاضى أجرًا من ذوي الأطفال، وذلك لإغرائهم بدفع أبنائهم إلى تعلم اللغة الروسية، بما يعزز السيطرة الروسية على المنطقة.

كما هو واضح للشعب السوري وللغرب، فإن بوتين لا يهدر أي دقيقة لفرض هيمنته التامة على مفاصل القوة في النظام العائلي السوري، وإلى حد كبير على أركان المعارضة السورية، بكل الوسائل الخبيثة التي يجيدها، وهو يتلاعب قدر ما يستطيع بسياسة الدول الأوروبية، بما له من خبرة في الجاسوسية والتآمر، تعلمها ومارسها أثناء عمله كضابط أمني مسؤول عن زعزعة النظم الغربية، عندما كان يعمل في سفارة الاتحاد السوفياتي في برلين الشرقية.

بالتأكيد، لا أحد من قادة الغرب لا يعرف تاريخ رئيس جمهورية روسيا الاتحادية فلاديمير بوتين، وهم الذين تركوه يُدمّر القوقاز ويبيد الملايين من مواطني الشيشان، بمجازر تفوق مجازر هتلر وستالين وإيفان الرهيب، تحت ذريعة مكافحة الإرهاب الإسلامي، وهم يعلمون بالطبع أنه خريج أعتى منظومة مخابراتية في العالم، وهي الـ (كي جي بي) السوفياتية التي خدم فيها إلى أن تقاعد برتبة مقدم، ليعود رئيسًا لها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، تحت مسمى جديد هو (الأمن الفدرالي)، لمدة سنة واحدة، كلفه بعدها الرئيس الروسي الضعيف بوريس يلتسين بتشكيل الحكومة الروسية الرابعة، بعد سقوط الحكم الشيوعي، ثم ليصبح نائبًا للرئيس، فرئيسًا بالنيابة، ليستلم بعد انتخابات ملتبسة رئاسة البلد الأكبر مساحة في العالم، وليتحول إلى دكتاتور لا صوت يعلو فوق صوته، بعدما كتم صوت الصحافة والمعارضة، متخذًا قرارات جائرة بحقهم وصلت إلى حد التغييب القسري والقتل أحيانًا، بل إنه تمادى في تحدي الغرب، عندما احتل جزيرة القرم مقتطعًا إياها من جمهورية أوكرانيا، ومهددًا الأخيرة بالقوة لزعزعة نظامها الديمقراطي، وإعادتها إلى الحظيرة الروسية، لولا ضغط الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين بالمقاطعة التجارية التي أضعفت الروبل الروسي، وأوصلت اقتصاد روسيا إلى وضع مزر لم يبلغه من قبل.

لكن بوتين لم يستسلم، فقد وصل -كما خطط- إلى مياه البحر الأسود في جزيرة القرم، كما وصل إلى المياه الدافئة على شاطئ البحر المتوسط في سورية بالقوة الماحقة، مستخدمًا كل وسائل التدمير والإبادة الجماعية بحق الشعب السوري الأعزل، وتحت نفس الذريعة التي دمر فيها الشيشان والتي يتماهى فيها مع الدول الغربية، وهي القضاء على الإرهاب الإسلامي، ولم يتورع عن إفشال أي مسعى أممي يهدف إلى إزاحة دكتاتور سورية ونظامه القاتل، وتحقيق مطالب الشعب السوري العادلة في الحرية والكرامة وتبادل السلطة، في نفس الوقت الذي يسعى فيه بلا كلل لتعويم ذلك النظام الهش الذي فقد مقومات وجوده كسلطة تحكم دولة، وبات ذيلًا هزيلًا يجره خلفه.

بالعودة إلى قضية تجنيد الأطفال السوريين القصّر في مختلف قطعات الجيش الروسي، وفرض اللغة الروسية في تعليمهم، وكذلك استخدام الكنائس الأرثوذكسية القائمة، وبناء المزيد منها كمظلة ينشئ تحتها المدارس الروسية التي تُعلّم الأطفال السوريين المناهج الروسية باللغة الروسية؛ فإن كل ذلك يؤسس لطموحه في استعمار سورية -عسكريًا وثقافيًا- إلى مدى طويل يريده إلى الأبد، متناسيًا أن شعب سورية الذي صمد ثماني سنوات ضد همجية النظام ومواليه، من الإيرانيين والأحزاب والمنظمات الطائفية التي استقدمها من الخارج، ثم في وجه الجيش الروسي، سوف يستمر في نضاله من دون كلل، حتى تحقيق طموحه في نيل حريته واسترداد وطنه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق