مقالات الرأي

نصر مؤجل وهزيمة مُعلنة

منذ أيام تطالعنا بعض المقالات التي تدعونا للاعتراف بهزيمة الثورة، ويذهب الكُتاب بعيدًا لتفنيد الأسباب، وصولًا إلى جلد الذات أو جلد الثورة وأخطائها، والمفارقة أن هذه المقولات تصدر عن أصدقاء منتمين إلى الثورة ويُعتبرون جزءًا منها، وليسوا كُتابًا في صحيفة تشرين أو البعث، وليسوا رماديين!

لا شك أن الهرولة تجاه إعلان الهزيمة تنمّ عن جهل كامل بمعايير النصر والهزيمة، وبالمقاييس التي يأخذ بها كل شخص كي يُطلق حكمه على الثورة، إن كانت فعلًا قد انهزمت أو انتصرت أو بين بين، والقول إن الثورة قد هُزمت هو قول بعيد عن الموضوعية، بل قول ظالم ومجاف للحقيقة.

لنعد إلى أصل الأمر، وننظر من جديد: الشعب السوري بمختلف أطيافه خرج إلى الشارع مناديًا بالحرية والكرامة ضد سلطة طاغية، فاستطاع هذا الشعب منذ الأيام الأولى لخروجه أن يُسقِط هيبة الدكتاتور، ويُحطّم الهالة المقدسة التي كان يحيط نفسه بها، فاستخدمت سلطات الطاغية القوة المفرطة في وجه الشعب الذي اتجه بعضه نحو حمل السلاح للدفاع عن النفس، واستطاع انتزاع 70 بالمئة من الأرض خارج سلطات الطغمة الحاكمة، وحتى ذلك الحين ما زالت الأطراف سورية، بعد ذلك استعان النظام بتنظيمي (داعش) و(النصرة)، لتشويه وجه الثورة ومنع التعاطف معها والغدر بـ (الجيش الحر)، مع كل المآخذ على هذا الجيش.

المحطة التالية التي شكّلت علامة أولى لانتصار الثورة كانت استدعاء النظام لقوات الحرس الثوري الإيراني، بصفتهم قتلة مأجورين، من أجل القضاء على الثورة وحاضنتها، فحضر “فيلق القدس” مصطحبًا معه فرعه اللبناني وفرعه العراقي والأفغاني، وحاول هؤلاء جميعًا حماية ما تبقى تحت سيطرة النظام، وفشلوا.

عام 2015، كانت اللحظة الفارقة، حين طلب النظام السوري من روسيا التدخل لصالحه، متخليًا بالمطلق عن السيادة على البلاد، ووقع معها اتفاقات عسكرية تسمح للطرف الروسي بكل الارتكابات والانتهاكات، مع إعفائها من السؤال والمحاسبة؛ فقام الطيران الروسي بما قام به في الشيشان من قبل، حيث دك المدن على رؤوس السكان، واستهدف المنشآت الحيوية من مشاف وأفران وأسواق شعبيه وملاجئ ومدارس، بشكل جنوني وغير مسبوق. ومن جانب آخر، كانت روسيا بالمرصاد لأي قرار دولي يُحاول إدانة النظام أو حتى توجيه اللوم إليه بسبب ما ارتكبه من مجازر، حتى تلك المجازر الناجمة عن استخدام السلاح الكيميائي، واستخدمت روسيا لهذا الغرض حق النقض (الفيتو) اثنتي عشرة مرة.

يقول المنطق إن النظام السوري قد انهزم، ولو كان منتصرًا، ولولا هزيمته لما كان قد استدعى كل هذه القوات الخارجية لقتل أبناء الشعب السوري، ولاشك في أن الشعب السوري حين ثار كان يعوّل على المجتمع الدولي، ولَم يكن يخطر ببال أي سوري أنه سيواجه القاذفات الروسية والصواريخ القادمة من بحر قزوين ومن البوارج الأميركية؛ لأن ذلك خارج حسابات العقل والمنطق.

أن يُقال إن الثورة قد هُزمت، هذا يعني بالضرورة أن هناك طرفًا منتصرًا، فهل يستطيع عاقل أن يقول إن النظام انتصر! ذلك النظام الذي لم يجد سوى كيان مولود بعملية قيصرية ليخرج من عزلته، فتبادل معه السفراء، حيث أرسل سفيرًا إلى كيان اسمه (جمهورية أوسيتيا) غير معترف به في الأمم المتحدة، ولا يزيد عدد سكانه عن نصف مليون شخص!

هل هناك دولة عربية أو غربية واحدة تستقبل رأس النظام اليوم؟

لقد فقد نظام الأسد شرعيته وسلطته الأخلاقية إلى الأبد، فقد انهزم منذ دخول أول مرتزق للأرض السورية، ووجه سلاحه لصدور السوريين بطلب من هذه السلطة، حتى إن رئيسه ممنوع من زيارة حلب، منذ أن أعادها المحتل الروسي إلى سلطته، كما لا يستطيع زيارة مدينة مثل دوما، إلا بعد طلب الإذن من المنتصر الحقيقي الروسي.

انتصرت روسيا لنفسها، ولَم تنتصر للنظام السوري، فهي من يُقرر اليوم في الشأن السوري دون العودة إلى سلطة الأمر الواقع في دمشق، رغم أن الوجود الروسي يستمد شرعيته من وجود رأس النظام، ولذلك لم تسع روسيا لإزالته حتى اليوم، لأنها إن فعلت تُعرّض وجودها للخطر.

الثورة السورية انتصرت أيضًا، لكن إعلان هذا النصر مؤجل ومنوط بإنجاز تفاهمات دولية حول الكثير من الملفات حول العالم، نعم نصر الثورة مؤجل، أما هزيمة النظام فهي مُعلنة، بانتظار تنفيذ توابعها على الأرض، ولن يكون ذلك بعيدًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق