ترجمات

ثلاثة ملايين شخص لا مكان لهم ليرحلوا إليه

قوات بشار الأسد على وشك مهاجمة إدلب، آخر محافظة يسيطر عليها المتمردون في سورية. والخوف من مجزرة جماعية آخذ في الازدياد.

الصورة: التحضير للأسوأ في مأوى مؤقت في كهف تحت الأرض في إدلب، سورية، في 3 أيلول/ سبتمبر. خليل العشاوي/ رويترز

أول ما أدهشني، عندما رأيت إدلب، المحافظة التي يسيطر عليها المتمردون في شمال غرب سورية، في نيسان/ أبريل من العام الماضي، هو كم كانت البلاد خضراء! أشجار الزيتون والكرز على أطراف الطرق المعبدة من الحدود التركية وصولًا إلى بلدات المحافظة.. دخان متصاعد من بعيد عقب غارة جوية أو قذيفة متفجرة.. آثار ضربات جوية تظهر على المباني في معظم المدن.

سبق أن سافرت إلى إدلب، لكتابة تقرير عن الهجوم الكيمياوي الذي شنّه نظام الأسد على بلدة خان شيخون، وأودى بحياة أكثر من 80 شخصًا. أتذكر أنني رأيت عبد الحميد اليوسف، وهو أب لطفلين، يحمل ابنه وابنته قبل دفنهما، كانوا مسممين من الهواء ذاته الذي تنفساه. وفقًا للجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة، فإن قوات الأسد الجوية هي المسؤولة عن الهجوم بالغاز الكيمياوي، الذي أودى بحياة زوجة السيد يوسف وأطفاله، إضافة إلى العديد من الأقارب الآخرين.

صديق يحاول أن يهدّئ مُصاب السيد يوسف، حكى له قصة عن “الصراط”، وهو جسر يعتقد المسلمون بأن على الناس عبوره في يوم القيامة. يعتقد أن الصراط أرق من شعرةً ويوصل إلى أبواب الجنة. وقال الصديق: “في يوم القيامة، سيجتمع أولئك الذين فقدوا أولادهم وصبروا وتحملوا مصيبتهم، وسيكون لأطفالهم أجنحة، وسوف يطيرون بهم عبر الصراط إلى أبواب الجنة”.

بدا السيد يوسف يستعيد وعيه، وقال: “وأمّهم أيضًا؟ أحمد وآية سيكونان هناك؟ وحمودي وعمورة؟”. أحمد وآية هما أبناؤه، أما حمودي وعمورة، فهما أبناء أخيه.

لا تزال تلك اللحظة تنهش في روحي.

على مدار الأسبوع الماضي، أشارت جميع الأخبار إلى هجوم وشيك، سيشنّه نظام الأسد وأسياده الروس على إدلب، بينما تحذّر وكالات المعونة من كارثة إنسانية، يمكن أن تدفع بموجات جديدة من اللاجئين إلى تركيا المجاورة. الغارات الجوية الروسية قتلت بالفعل 13 شخصًا في إدلب. وقوات الأسد تقصف المنطقة، كما اختار حلفاؤه الإيرانيون والروس لغة غير إنسانية، ووصفوا الناشطين في إدلب بـ “الأخرجة المتقيّحة التي يجب استئصالها”.

تُوصف إدلب بأنها نهاية اللعبة في الحرب التي أودت بحياة أكثر من نصف مليون شخص، ونزوح نصف سكان سورية، ودفعت الملايين إلى البحث عن ملاذ “آمن” في الخارج، وأشعلت انفجارًا شعبويًا عنصريًا في أوروبا وخارجها، كشَف هشاشة وضحالة النظام الليبرالي العالمي المتبجح.

لكن إدلب هي الملاذ الأخير لنحو ثلاثة ملايين شخص. مئات المهجرين الذين يعيشون في المحافظة قد نزحوا بالفعل من منازلهم في أماكن أخرى من سورية، نتيجة الهجوم المستمر لجيش الأسد والميليشيات الطائفية الحليفة، المدعوم بحملة قصفٍ لا ترحم، نفذتها القوات الجوية الروسية.

سيموت العديد منهم، وسيهرب كثيرون منهم، وسيُدفن العديد منهم تحت الأنقاض. ما حدث من قبل سوف يحدث مرة أخرى. نحن نعرف ذلك، نحن متواطئون في معرفتنا، في لامبالاتنا وفي تقاعسنا.

لقد تحولّت إدلب إلى عالم مُصغّر، حيث كان يطالب جميع السماسرة الإقليميين والدوليين بحصة، وتكافح كلّ القوى التي ساهمت في ولادة انتفاضة سورية الصادمة، في معركة كارثية سيدفع ثمنها، كالعادة، المدنيون الأبرياء.

في مخيمات اللاجئين، وفي جلسات الذكريات، وتحت أنقاض المباني المدمرة، يتشارك السوريون قصصهم، ويريدون أن يستمع الناس لهم. في بعض الأحيان يتوقفون عن الحديث خلال محادثاتنا، لأنهم أدركوا عدم جدوى كل الكلام. غالبًا ما أشاركهم خيباتهم، ولكن أستمر في إعداد التقرير من أجل إنشاء حكاية، على أمل ألا يقول أحد إننا لم نعرف.

علمتني سورية أن المعرفة لا تؤدي إلى المساءلة. العائلات التي دُفنت تحت الأنقاض لن تحصل على العدالة.. أولئك الذين اضطروا إلى الترحال والبدء من جديد في أراض غريبة، وتمّ التشهير بهم على أنهم غير قادرين على تربية أطفالهم في أمان، هم أيضًا لن يحصلوا عليها. ولن ينالها أولئك الذين غرقوا في طريقهم إلى الشواطئ الأوروبية، ولا أولئك الذين حوصروا وجوّعوا، في كل لحظة من حياتهم.

الآباء الذين قُتل أطفالهم بغاز السارين ولُفّوا بأكفان بيضاء صغيرة، وتصدرت الصفحات الأولى أخبارهم، كذلك لن ينالوها. وستظل العدالة بعيدة المنال لتلك الأم التي كانت أقدامها تنزف، وهي تتقصى أخبار ابنها في زنازين المخابرات السورية. كثير من السوريين الذين تحدثت معهم كانوا يتساءلون: لماذا لم يفعل العالم شيئًا لمساعدتهم، ولماذا توقف الغرب -وهو مصطلح بديل عن الولايات المتحدة- حتى عن تقديم مجرد كلمات، لماذا لا يثير كل فُعل من أعمال الرعب سوى مجرد غضب أو استعراض في مجلس الأمن.

غالبًا ما يكون لدى الأميركيين القليل من الوعي بمدى تغلغل بلدهم وطريقة حياتهم في الشرق الأوسط. حكى لي أحد الناشطين في الرقة الذين يعيشون تحت حكم الدولة الإسلامية (داعش)، من خلال الإشارة إلى المسلسل التلفزيوني الأميركي (القائمة السوداء)، لشرح كيفية تكيّف البشر مع الإجرام.

لقد تغيرت العديد من الأرواح، أو تمّ إنهاؤها أو تدميرها، من خلال الوصول المباشر أو غير المباشر للولايات المتحدة، سواء أكانت أرواح الإيزيديين الذين أنقذهم تدخل الولايات المتحدة في العراق، أو تلك التي دُفنت تحت الأنقاض، نتيجة الغارات الجوية التي قادتها قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، في الموصل والرقة.

إن الحكاية التي يؤمن بها العديد من الأميركيين وتُروّج حول بلدهم، هي حكايةٌ مقتبسة من روح الحرب الباردة في نشر الليبرالية والحرية، وهي حكاية يتعلق بها أحيانًا الناسُ الذين يعيشون في حالة من اليأس. بعد الهجوم الكيمياوي الذي وقع عام 2013 على يد نظام الأسد في سورية، وأودى بحياة أكثر من ألف مدني، كان العديد من السوريين يأملون في أن تفرض الولايات المتحدة خطّ باراك أوباما الأحمر. حتى في وقت لاحق، في عام 2016، كانت حلب تنتظر عبثًا المساعدة الأميركية التي لم تأتِ بأي شكل.

أدت إطالة أمد الحرب إلى صعود الجماعات المتطرفة التي تقاتلها الولايات المتحدة الآن في سورية. عندما تعرضت الغوطة، إحدى ضواحي دمشق، للحصار هذا العام، لم يعُد السوريون ينتظرون العالم كي يساعدهم.

إن سرد الرواية التحررية في أميركا هو سرد ملائم، لأن الولايات المتحدة لم تقبل فقط سيطرة الدكتاتوريين الاستبداديين في المنطقة وفي أماكن أخرى، بل شجعتهم ودعمتهم في السعي لتحقيق مصالحها. لم أكن أعرف ماذا أقول للسوريين الذين كانوا يكتبون لي كلّ يوم، وهُم تحت الحصار، آملين أن يؤدي تدخل أي قوة خيّرة، إلى وضع حد لمعاناتهم.

تدخلت الولايات المتحدة في سورية لحماية مصالحها “الأمنية القومية”، وليس لحماية المدنيين. تدخلت أميركا وقتلت كثيرًا من المدنيين، في مطاردتها الأحادية للجماعة الإرهابية (داعش)، وهي أحد أعراض مصائب المنطقة، وليس سببها. خُرقت الخطوط الحمراء، وتم إصدار دعوات روتينية لإسقاط الدكتاتور، لكن تمّ إخماد التعطش للغضب الأخلاقي، حيث استمر الناس في الموت.

مات نصف مليون شخص، والعدالة الوحيدة التي يمكنهم أن يأملوا بها هي في الحياة الآخرة، عندما تكون المقاييس، كما يعتقدون، عادلة.

كنت أجد نفسي، مرارًا وتكرارًا، أفكر في المقبرة بالقرب من منزل السيد يوسف في خان شيخون، حيث وقفت بعد أن تحدّثت إليه، وأنا أحدق في قبور زوجته وأطفاله التي لم يجف ترابها، بلونها الآجري. هذه القبور لا تزال شهادةً للمجتمع والقانون الدوليين.

ثمة حكايات عربية تبدأ بـ: “كان يا ما كان”. والأمر يعود لك بأن تصدق أو تكذّب الحكاية.

كان يا ما كان، كان هناك مجتمع دولي.. كان يا ما كان، كان هناك قِيمٌ عن العدل والأخلاق.

اسم المقالة الأصلي 3 Million People With Nowhere to Go
الكاتب كريم شاهين، Kareem Shaheen
مكان النشر وتاريخه نيو يورك تايمز، The New York Times، 8/9
رابط المقالة https://www.nytimes.com/2018/09/08/opinion/sunday/syria-idlib-assad.html
عدد الكلمات 1097
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق