سلايدرقضايا المجتمع

مذبحة المدن السورية (تطهير المدن) أو الـ “Urbicide”

الموصل، بنوم بنه، سراييفو، حلب، حماة، حمص..

بعد الإبادة الجماعية (الجينوسايد)، يتحدث المختصون عن مدن خاوية ومذبوحة (مذابح المدن الأوربيسايد)، ولكن هل يمكننا القول إن المدينة أيضًا يمكن أن تُذبح وتموت؟!

في 11 تموز/ يوليو 2016، أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي رسميًا أن الجيش العراقي استولى على مدينة الموصل من (داعش)؛ ما يرمز إلى علامة فارقة في الكفاح ضد الإسلاموية. ومع ذلك، فإن العديد من الأسئلة ما تزال بلا إجابة عما يسميه الخبراء “ما بعد الصراع”. لقد دُمرت الموصل، وتم تدمير البنية التحتية والمنازل، والسكان ذبحوا!

البعض يتحدث عن إبادة جماعية على أسس طائفية، والبعض الآخر عن حوادث القتل الفردي. ومع ذلك، فإن مصطلح “ذبح المدينة أوربيسايد” ما يزال معقدًا، وغامضًا، فهل يتعلق بمذابح مرتكبة ضد السكان؟ أم يتعلق بتدمير البنية التحتية للموصل؟ أم  بالاثنين معًا؟

أولاً – مصطلح مذبحة المدن

هل  يوجد ما يمكن تسميته (تطهير عمراني) أو مذابح مدن (أوربيسايد)؟

يحدث التطهير العمراني، عندما تكون هناك إرادة متعمدة لمهاجمة السكان وبيئتهم، لأسباب سياسية ودينية واجتماعية وثقافية واقتصادية.

بعض الأمثلة على الأوربيسايد أو التطهير العمراني

قبل كل شيء، يجب الحرص على عدم الوقوع في الفخاخ الدلالية. على سبيل المثال، “الخمير الحمر”، حيث تكمن جذور التدمير الحقيقية الوحيدة المعروفة لدينا، في إجلاء سكان (بنوم بنه) في السبعينيات، وكانت هناك رغبة في تدمير المدينة والسكان على حد سواء. كرهَ الخمير الحمر اقتصاد السوق والرأسمالية. ثم جاءت الحرب ضد المدينة؛ لأن المدينة كانت مكان القوة والاقتصاد والثقافة. ثم، تدريجيًا، مع الحروب الأخيرة ضد المدينة، كانت هناك رغبة في محو المدينة الرمز وماضيها. فمن الضروري تدمير المدينة، ولو أدى ذلك إلى مهاجمة السكان، بطريقة مرغوب فيها أم لا. هذا ما رأيناه في مدينة تدمر السورية، على سبيل المثال. فمع وصول (داعش)، أصبحت المدن رهائن. عن طريق أخذها كورقة رابحة بيدها لرمزيتها، كما يمكن رؤية مدن أخرى ومناطق كاملة بقيت على حالها، مع أن (داعش) كانت تسيطر عليها، لكن هذه المناطق كانت شبه فارغة أو خاوية. فيما لم تتمكن من بسط سيطرتها على الصحراء التي لم تسيطر عليها لا (داعش) ولا الآخرون.

متى ظهر مفهوم “الأزمة في المدن”؟

بدأ في عام 1981 في بنوم بنه (كمبوديا)، بعد أن أُفرغت من الخمير الحمر. حيث عمِلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي سرعان ما أدركت أنها بحاجة إلى تطوير برامج إنسانية، في مدن مثل سراييفو البوسنية أو هوامبو في أنغولا أو غروزني الشيشانية. لقد كان ذلك العمل تحديًا جديدًا، لأن الأزمات كانت في معظمها ريفية خلال الحرب الباردة، مع رجال حرب العصابات على سبيل المثال، ولكن في نهاية التسعينيات، طُرح سؤال وهو ما تأثير الأزمات على المدن؟

ثانيًا – كيف نحلل هذه الأزمات في المدينة، على وجه التحديد؟

يمكننا تمييز ثلاثة أبعاد، أو ثلاثة هالات أو دوائر. الأولى هي الحرب داخل المدينة مثل كابول في أفغانستان و هوامبو في أنغولا، وهي مدينة محاطة بحرب العصابات. الهالة الثانية: المدينة التي تحيط بها الأزمة، مثل مدن شمال مالي وكولومبيا، التي تمحورت حول أزمة اللاجئين. الهالة الثالثة هي المدينة على الجانب الآخر من الحدود حيث توجد الحرب، مثل بيشاور في باكستان التي تقع على الجانب الآخر من أفغانستان، ومدن غينيا الاستوائية وحربي ليبيريا وسيراليون.

ثالثًا – لماذا نعتمد على هذه “الهالات” الثلاثة؟

لأن الديناميكيات متغيرة جدًا اعتمادًا على الحرب، أهي في المدينة أم خارجها. فكان من الضروري العثور على أفكار منتظمة حول هذه المشكلة. وتدريجيًا، يتم العمل على اتجاهين رئيسيين: فمن ناحية، علاقة المدن بالكوارث الطبيعية، ومن ناحية أخرى، المدينة التي استهدفتها الحرب، مع دراسات عن مقديشو وحلب..

كانت هناك عدة تغييرات منذ ستالينجراد. وهي تستند إلى عدم توازن القوى بين الجيش الكلاسيكي والمقاومة الحضرية. لنُدرك أنه منذ فترة طويلة، كانت الجيوش الكلاسيكية تقصف وتُدّمر، كما حدث في لبنان عام 2006. وكانت المقاومة تتم على شكل بناء الأنفاق داخل مناطق حضرية حقيقية. فيما الجيش الإسرائيلي، على سبيل المثال، قرر أن يضع كل المدن اللبنانية هدفًا له فتم سحقها، وتم ذلك عن بعد بالطائرات والمدافع.

أقامت العصابات المسلحة، في العديد من النزاعات، ثلاث وسائل ذات صلة هي:

  • الأنفاق.
  • أسلوب الاستهداف، مما يجعل اختراق العدو صعبًا قدر الإمكان.
  • أسلوب القنص.

تعرضت دريسدن الواقعة في ألمانيا للتدمير بالطائرات، ولم تكن هناك أي مواجهة بين الجيشين السوفييتي والألماني أو الأميركي والألماني في الحرب العالمية. بينما في غروزني، كانت المعارك متنقلة من بيت إلى بيت، من خلال الأقبية والأنفاق تحت الأرض. كما لعبت وسائل الإعلام أيضًا دورًا رئيسيًا في تطور الحروب، مع مسألة مصير المدنيين على وجه الخصوص. وأخيرًا فإن القانون الدولي يجعل من حماية فئات سكانية معينة وتشكيل تحالفات أمرًا ممكنًا.

رابعًا – التقنيات العسكرية المشاركة في عملية الأوربيسايد (تطهير المدينة)

التكنولوجيا الجديدة مثل الصواريخ البعيدة مبدؤها بسيط؛ إذ تفترض أن هناك رجلًا يسير على الأرض، ويشير إلى الهدف (رجل آخر) من بعيد، ليتم إطلاق النار عليه كهدف. وهناك حاجة حقيقية للحصول على معلومات دقيقة من على الأرض. الطائرات بدون طيار أكثر تشويقًا في جمع المعلومات وإرسالها عن بعد، هناك طائرات بدون طيار مجهزة بالصواريخ ولها دور جديد. إنهم لا يرسلون الرجال على الأرض، وإنما تأخذ دور القناص، وبالتالي فهي دقيقة إلى حد ما. تكمن المشكلة في أن أي أداة لها حدودها، وعندما يختبئ الناس، أو يرتدون لباس المدنيين، لا تعود الطائرة بدون طيار حينئذ تمتلك ذكاء إنسان، يمكنه افتراض “سلوك الشخص المستهدف”. فالطائرة بدون طيار لا يمكنها تحليل ضوضاء شبح.

خامسًا – التدمير الحقيقي للبنية التحتية (الطبية – المنظمات غير الحكومية).

إذا أخذنا حالة سورية، فقد دُمّرت المستشفيات، كما في حلب ومدن الغوطة؛ وهو ما يجعل من الصعب للغاية معالجة المرضى أو المصابين على سبيل المثال. كانت هناك هجمات تستهدف المستشفيات في اليمن أيضًا، وهناك أوقات تكون فيها الإصابات مميتة. فأدنى إصابة هي مميتة بسبب غياب المستشفيات والمنظومات الإسعافية، كما تعمل إدارات المدن على توفير الموارد (المياه، الطاقة، الاقتصاد)، وهي الأشياء التي يصعب على العاملين في المجال الإنساني فهمها أو توفيرها.

وأحد أساليب الحرب الحديثة هو قطع هذه الموارد، وقطع خطوط الإمداد، وهي تمثل عودة إلى أساليب الحصار القديمة، والحروب القديمة، مثل تلك التي كانت تروى.

سادسًا – كيف نعيد بناء المدن المدمرة؟

ستكون هذه المدن المدمرة موحشة وخاوية من كل شيء، والمباني شبه المدمرة تعادل المباني المدمرة بالكامل. وبمجرد وجود هشاشة هيكلية، فإنه لا يمكن إصلاحها. هذه مناطق كاملة يجب ترحيلها وإزالتها، مع وجود خطر مروع يتمثل في الذخائر غير المتفجرة التي تُترك داخل المباني. كما أن هناك تحديًا تكنولوجيًا حقيقيًا لتجنب المخاطر قدر الإمكان.

سياسيًا، ستكون هناك أموال ضخمة لإعادة إعمار العراق، على سبيل المثال:

تعتبر الموصل رمزًا مهمًا للغاية؛ لأنها مكان فرّ منه الجيش العراقي لأول مرة، وترك المجال مفتوحًا أمام (داعش) لنقل جميع أموال البنوك والذخيرة. ويُعد ذلك -بالنسبة إلى العراقيين- انتقامًا رمزيًا، ومع ذلك هناك الكثير من الموارد في هذه البلدان، لذلك ستكون هناك استثمارات ضخمة على شكل قروض، والمجتمع الدولي سيتدخل أيضًا. وأخيرًا، ستكافح الشركات الكبرى التي بنت شبكات نقل الماء أو الكهرباء لاستعادة ما تستحقه من الدولة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق