مقالات الرأي

وحدة الصراع في سورية

في الحرب، كما في العمل السياسي، يتوقف نجاح أي قوة اجتماعية منخرطة في النزاع/ الصراع، على ما تمتلكه من قدرة على رسم خارطة تظهر فيها القوى المختلفة المنخرطة فيه، بما تملك من عناصر قوة، ومصادر هذه العناصر، ومدى ديمومتها، ودوافعها أو مصالحها الكامنة وراء انخراطها في عملية الصراع هذه.

هذا هو الطريق الذي يمكن أن يؤدي إلى بلوغ الإجابة عن سؤال المليون: ما العمل؟ إنه السؤال الذي طرحَته، وما زالت تطرحه، قوى “المعارضة” السورية متعددة التوجهات، من دون أن تصل إلى إجابة واضحة عنه إلى اليوم.

في استعراض سريع لأبرز الآراء والتوجهات التي يجري تداولها من قِبل مختلف منصات “المعارضة”، حول الطريق الأفضل لخروج سورية من أزمتها؛ نجد من يزعم بأن الوجود العسكري الروسي والإيراني في سورية مشروع ومبرر، فهما دولتان صديقتان لسورية وللشعب السوري، جاءتا بدعوة من الحكومة الشرعية، لدعمها ومنع سقوطها بيد “قوى المؤامرة الكونية”، وعلينا -كسوريين غيورين على بلدنا ودولتنا- أن نؤيد هذا الوجود.

أوليس هذا هو لسان حال جماعة موسكو الذين أوجدوا لهم مكانًا في وفد لجنة المفاوضات العليا، بمساعدة موسكو إلى جانب بقية المنصات “المعارضة”؟

في حين يزعم رأي آخر “معارض” أيضًا بأن الوجود العسكري والسياسي لروسيا وربما لإيران أيضًا في سورية هو وجود الضرورة، ويُعادل وجود القدَر الذي لا يمكن رده! وعلينا أن نقبل به كقوة حماية أو وصاية، لأنه الوحيد الذي يمتلك أوراق الحل للأزمة، ويمكن، لو أحسنّا الظن به والتعامل معه، أن يساعدنا في التعاطي مع النظام الحاكم في دمشق، بغية إيجاد القواسم المشتركة والاتفاق على إنهاء الأزمة. وهذا ما دعا إليه رئيس تيار بناء الدولة السورية “المعارض”.

على النقيض من هذا وذاك، يرى رياض الترك، في لقاء حديث أجري معه بعد خروجه من سورية، أن سورية باتت دولة محتلة من قبل جيوش أجنبية متعددة، وباتت المهمة الرئيسة اليوم مقاومة هذا الاحتلال وتحرير سورية، وفي المحصلة لن يبقى النظام بعد التحرير. وبحسب ما قال، “لم يعد هناك في سورية شيء اسمه نظام بشار الأسد أو نظام آل الأسد… اليوم عندنا دمية بيد الروس والإيرانيين”… ويتابع: “هناك عصابات مرتبطة بولي نعمة روسي، وعصابات مرتبطة بولي نعمة إيراني، وأخرى مرتبطة بولي نعمة أميركي أو تركي”. لكن يبدو أن الروس في حاجة اليوم إلى أداة أو فزاعة كهذه، اسمها “النظام”، تشرعن احتلالهم… “ليس هناك نظام سوري، بل هناك احتلال مباشر. ليخرج الاحتلال اليوم من سورية، ولن تجد للنظام قائمة تقوم”… “إذًا فالحلقة الأساسية اليوم هي النضال ضد الوجود الأجنبي في سورية في كافة أشكاله ومسمياته، من الروسي إلى الإيراني إلى الأميركي إلى التركي“.

هذا رأي يستحق المناقشة، على خلاف الآراء السابقة. ولكن قبل ذلك أسجل الملاحظة التالية: إن اختلاف الآراء والإجابات بين الأطراف والقوى السورية، حول سؤال “ما العمل”، لا يرجع إلى تباين في القدرات العقلية والتحليلية بين هؤلاء، بقدر ما يرجع إلى اختلافاتهم السياسية والاجتماعية، وبالتالي في أهدافهم، إنه اختلاف حول الصورة التي يريدونها لسورية المستقبل، وبالطبع صورتهم تكمن فيها.

إذن؛ ما هو الرأي في ما ذهب إليه رياض الترك؟ فهو رأي/ رؤية تستحق الاعتبار، تحمل عناصر قوتها في وجاهتها ومراميها وجدية قائلها.

صحيح أن لوحة الصراع قد ازدادت تعقيدًا وخطورة، بعد التدخل العسكري في سورية، وصحيح كذلك أنه تم شطب السوريين -النظام والمعارضة- من قائمة القوى المنخرطة في العملية السياسية الجارية بشأنها، وصحيح أن مهمة التحرر الوطني باتت على رأس أولويات الشعب السوري وقواه الحية، ولكني أرى أنها ليست المهمة الرئيسة الوحيدة، أقول ذلك استنادًا إلى تحليل وظيفة النظام السوري إلى اليوم من جهة، وكذلك إلى حقيقة خفوت نجم الأساس الفكري لمقولة تغليب الصراع الخارجي، وتنحية الصراع الداخلي إلى حين. فهي إحدى المقولات التي ترى العالم في صورة ثنائيات، مقولة ورثناها مع غيرها، نتيجة القراءة التقليدية للمادية الجدلية، عند محاولة تفسيرها لحركة التاريخ.

في المقابل قَدمت لنا نظرية النُظم الناشئة في سياق تطور العلوم الإيكولوجية والنفسية تغييرًا جوهريًا في رؤيتنا للعالم الطبيعي والإنساني، وانتقالًا من فكر الثنائية والخطية إلى فكر التعددية والتفاعلية والسياقية، بعد نجاح تطبيقها على ميادين الاجتماع المختلفة. وبات الكل -بحسب نظرية النظم- أكبر من مجموع أجزائه، ولا يمكن الاكتفاء بالنظر إلى أجزاء الكل لفهم هذا الكل، والمهم عدم ترجيح/ تغليب بعض تلك الأجزاء على المكونات/ الأجزاء الأخرى، بغض النظر عن حجم هذا المكون أو ذاك، لأن أهميته لا تكمن في حجمه ودرجة تعقيده، بل في الوظيفة التي يؤديها بالتفاعل مع باقي المكونات، في السياق الملائم.

كيف يمكن إدراج هذا الفهم في عملية التحليل السياسي للوضع السوري؟

لقد شكّل النظام السوري سياقه الملائم على مدى عقود عمره، بما نسجه من علاقات وارتباطات مع قوى محلية وإقليمية ودولية، فضلًا عن امتلاكه لعناصر قوته المادية والمعنوية: البشرية والثقافية والاقتصادية والعسكرية والسياسية المتفاعلة فيما بينها وظيفيًا، تؤدي وظائفها في السياق المناسب له.

النظام السوري، بقواه وسياقه، على الرغم من ضآلة قوته المادية والمعنوية وتآكلها خلال سنوات الصراع، ما زال مهمًا في لوحة الصراع الجاري، لأنه ما زال يمتلك عناصر قوته وسياقه المعادي للشعب السوري وقواه الحيّة. نظام مُهمٌ في لوحة الصراع الدائر، لأنه لم يستنفد وظائفه بعد، لناحية قدرته على منح الشرعية للوجود/ الاحتلال الروسي والإيراني، وتسهيل استدامة وجودهما، من خلال الاتفاقات التي يعقدها معهما والتي سوف يصعب التحرر منها بسهولة مستقبلًا. ولناحية تبرير عمليات حلفائه العسكرية الجارية على الأرض السورية، بذريعة حق الدولة السورية في بسط سلطتها على كامل التراب السوري. هذا فضلًا عن دوره في استمرار قمع ما تبقى من قوى شعبية معارضة له ولحلفائه في الداخل السوري. وفي وظيفته الأقذر المتمثلة في خطف واعتقال وقتل سجناء الرأي، فضلًا عن منع عودة آمنة للسوريين اللاجئين. إذن؛ لا بد من وضعه بكل رموزه، إلى جانب قوى الاحتلال، على قائمة أعداء سورية والسوريين.

لقد تعقدت المسألة السورية، ولم يعد هدف إسقاط النظام ممكنًا، من دون العمل على تحرير البلاد من كل أشكال الاحتلال وقواه، فطبيعة المرحلة تقتضي العمل الوطني – الديمقراطي بآن معًا، ولا يمكن تحقيق النصر في أيّ من البعدين بمعزل عن البعد الآخر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق