مقالات الرأي

حروب ارتدادية

مثلما كان من الصعب التنبؤ بمدى اتساع نطاق الحرب في سورية، عندما نزل المحتجّون إلى الشوارع، من الصعب أيضًا التنبؤ بما ستؤول إليه الحال، على الرغم من إشاعة نهاية الحرب والانتصارات العسكرية التي حققها النظام وحلفاؤه.

ما يبدو واضحًا أن الحرب السورية، بعد ثماني سنوات من الموت والتشريد، دخلت مرحلتها الأخيرة؛ فالقتال توقف على أغلب الجبهات، غير أن الكثير من الأسئلة تطرح نفسها عن مرحلة ما بعد نهاية الحرب، خصوصًا أن التدخلات الدولية التي ساهمت في سياسة احتواء الثورة، لعلمها أن الشعب هو القوة الأخطر في أي دولة، عبر الإخضاع غير المباشر لتوجيه الصراع وإدارته، والسيطرة التدريجية على القواعد الشعبية، أو بالاحتلال العسكري المباشر وإخضاع الدولة وادعاءات السيطرة على الأزمة وعلى السوريين، جعلت سورية دولة متهالكة، وتحوّلت الأرض السورية إلى مشاع لقوات وقواعد عسكرية، تحمل الاستراتيجيات والثوابت الخاصة بتلك الدول المتورطة في الحرب، التي تتقاطع مصالحها حينًا وتفترق حينًا آخر. أي أن ما ترسمه من استقرار مفترض وتصورات لنهاية الحرب لم يتخذ شكله النهائي، في ترتيب ضروراتها، وكل ما هو قائم يعتمد على هشاشة الحلول التي تؤمّن لها الضمانات اللازمة لاستدامة تحقيق مصالحها، ولا ترافقها تصورات تخص سورية الدولة، في مرحلة ما بعد هذه الحرب.

هدأت الحرب في سورية، ولكنها لم تنتهِ، فإحلال السلام وعودة الاستقرار إلى سورية، الذي تحوّل إلى شعارٍ دولي، ما تزال معطياته ضعيفة لكونها لا ترتبط كليًا بالميدان والعمليات العسكرية، أو بإعلانات النصر من قِبل النظام ومن قَبلِه إيران وروسيا؛ إذ يمكن لجيش عسكري قوي أن يحقق انتصارات في الاجتياحات والتدمير، ولكن الصعوبة تكمن في ضبط المناطق، وتحويل الانتصار من عسكري إلى سياسي. وهذا ما أخفقت فيه كثير من الدول، وآخرها الإخفاق الأميركي في العراق الذي بدلًا من يكون نموذجًا لنظام “ديمقراطي”، صار دولة فاشلة.

سورية -بوضعها الحالي- تتقاسمها دولتان (إيران وروسيا) تختلفان في الرؤية لما بعد “انتصارهما”؛ فروسيا التي أخذت فرصتها الذهبية، في العودة إلى المنطقة وإلى الساحة الدولية، تؤمن بالإبقاء على “الدولة”، لضمان مصالحها والحفاظ على قواعدها العسكرية مع امتيازات خاصة اقتصاديًا وعسكريًا، وإيران تريد بقاء النظام لربط نقاط نفوذها من طهران إلى لبنان، وتثبيت مستحقاتها من الغنيمة السورية، على إثر تعالي أصوات تطالب بطردها من سورية، وتعويض خسائرها المادية والبشرية، عبر الاستثمارات الاقتصادية وأخذ الأفضلية في إعادة بناء القوات السورية المسلّحة التي نالتها مؤخرًا لشرعنة وجودها. وكلاهما يبحث عن امتيازات أكثر، وينتصر على سورية وليس لسورية.

الانتفاضة الشعبية التي تحوّلت إلى صراعٍ دولي وإقليمي، خلّفت مجموعة كبيرة من التداعيات المزعزعة للاستقرار، لا يمكن نكرانها من قبل النظام ببثّه لخطاب رسمي مفعم بالتفاؤل والإيحاء بأن الحياة عادت إلى طبيعتها، عبر عودة المهرجانات في حلب وغيرها، وعودة الانتخابات للمجالس المحلية التي توقفت منذ 2011 والمقررة في 16 الشهر الجاري، وهي تبدو خطوة في اتجاه إعادة السيطرة على المناصب الإدارية من قبل حزب البعث. فالسوريون شهود على الحرب وعلى استخدام العنف بكافة أشكاله، ويدركون حجم آثاره، حيث أتت الحرب على كافة مقدرات الدولة التنظيمية من الناحية الاجتماعية، وبخاصة علاقة المجتمع بالدولة، ويتضح ذلك في ضعف سلطة الدولة في العديد المناطق، حيث لا يكفي لاستعادتها التفاوض مع قوى سياسية محلية، مثل الأكراد، وتقديم بعض التنازلات لضمان استقرار الحكم، أو قيام المصالحات بين التنظيمات المسلحة والنظام، وإقرار هُدَن مشروطة مع بعض الميليشيات والقبائل، فهذه كي تؤتي ثمارها يجب على الحكومة السورية قبول حتمية الإصلاحات، وتنفيذ تدابير بناء الثقة، وإلا فلا يمكنها التعويل عليها، فالمصالحة بين كل السوريين، والعفو عمّا حدث خلال هذه الحرب من عداوات لإعادة الأمان والاستقرار، لها شروطها في تحقيق العدالة الاجتماعية.

كما أن اعتماد النظام على أنه حامي الأقليات لا يمثل قاعدة شعبية واسعة له، فهذه الأقليات التي تمثل نسبة 30 بالمئة من مجموع السكان ليست كلها رديفًا له، وقد تقلّصت نسبتها بسبب الموت على جبهات القتال أو الهجرة هربًا من الحرب، وحتى لو أضفنا إليها نسبة من الأكثرية الإسلامية، بشقيها “السني والشيعي”، فإن الانقسام الداخلي الطائفي والمذهبي، الذي ازداد حضورًا نتيجة التغلغل الإيراني وأبعاده المستقبلية، سيهدد أمن واستقرار البلاد في أي لحظة، ويُنتج سلسلة من الحروب تفصل بينها فترات من التهدئة لا تدوم طويلًا (لبنان مثالًا)، هذا فضلًا عن الشروخات الحادة بين المجتمع والدولة، في المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام. مجتمع قدّم الكثير من التضحيات دعمًا للنظام، ولم يجد ما يقابل هذه التضحيات، وحالة الرفض للكثير من مقررات الحكومة وتوجّهاتها التي تزيد من شحن الشارع السوري وعدم قبوله لما يفرض عليه من قوانين وقرارات وتوجّهات، لا تصبّ في مصلحته كالقانون (10) الذي يعمل على شرعنة مصادرة عقارات السوريين، ناهيك عما خلّفته الحرب من ملايين شُوهوا وشُردوا، وملايين الأطفال بلا تعليم يتسولون بالشوارع، وغيرها من آثار الانهيار الاجتماعي، والوضع المعاشي المتردي للمواطنين الذي لن يجد حلولًا قريبة. فوعود إعادة الإعمار لا يملك النظام لا المال ولا القوة البشرية لتنفيذها، والاتحاد الأوروبي -بالرغم من اللعب الروسي على ورقة عودة اللاجئين- مازال يتمسّك حتى الآن بعدم موافقته على تقديم أموال لإعادة الإعمار؛ ما دام الرئيس الأسد لا يسمح للمعارضة بالاشتراك في السلطة. بالنتيجة إن اعتماد النظام على مدى إرهاق الشعب السوري، وعلى فاعلية الجهاز الأمني الداخلي للنظام، لن يُؤمّن استقرارًا دائمًا، وستبقى بعض المناطق مثيرة للمتاعب.

قد تكون الحرب شارفت على الانتهاء، لكن الحروب الارتدادية بين الدول المتورطة في الأزمة السورية متوقعة، وما فعلته هذه الحرب، بتحويل السوريين ككل إلى رهائن بيد دول متحكّمة وحاكمة عبثت بدمائهم وتعبث بمستقبلهم، لن يدوم إلى الأبد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق