تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

قمة (الضامنة) تنتهي دون هدنة في إدلب.. وسط تباينات حول مصير المحافظة

دي ميستورا يقترح في مجلس الأمن الدولي.. الغرب يهدد.. وروسيا: "يدافعون عن الإرهابيين"

انتهت قمة زعماء (الضامنة) في طهران، أمس الجمعة، دون تحقيق تقدم ملحوظ وملموس بخصوص ملف إدلب، لا سيما أن تباينات واضحة في الرؤى، بين الجانبين التركي والروسي، ظهرت علانية خلال المؤتمر الصحفي الذي تلا القمة.

تزامن ذلك مع انعقاد جلسة في مجلس الأمن، لبحث ملف إدلب، تضمنت تهديدات أميركية أوروبية واضحة للنظام وداعميه من ارتكاب مجزرة في المحافظة التي تحتضن قرابة سبعين ألف مقاتل، وما يربو على مليونين ونصف مليون مدني.

جاء في البيان الختامي لقمة زعماء الدول الضامنة لمسار (أستانا): الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس الإيراني حسن روحاني، أن القادة “تناولوا الوضع في (منطقة خفض التصعيد في إدلب)، وقرروا معالجته بما يتماشى مع روح التعاون التي ميزت شكل (أستانا)”، مضيفًا أنهم (الزعماء) يؤكدون “عزمهم مواصلة التعاون، من أجل القضاء في نهاية المطاف على تنظيم (داعش) الإرهابي و(جبهة النصرة)، وجميع الأفراد والجماعات والمشروعات والهيئات الأخرى المرتبطة بالقاعدة”.

البيان أضاف أن القمة بحثت أيضًا “الوضع الحالي على الأرض، واستعرضوا التطورات المتعلقة بسورية، واتفقوا على مواصلة التنسيق الثلاثي”، مؤكدًا أن الحضور أكدوا على “التزامهم القوي والمستمر بسيادة واستقلال ووحدة وسلامة أراضي سورية، وبمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة”، وشددوا على أنهم “يلتزمون الوقوف ضد أجندات الانفصال التي تهدف إلى تقويض سيادة سورية وسلامة أراضيها، وكذلك الأمن القومي للدول المجاورة”.

وأشار البيان إلى أن القادة “أكدوا من جديد قناعتهم بأنه لا يمكن أن يكون هنالك حل عسكري للصراع السوري، وأنه لا يمكن أن ينتهي إلا من خلال عملية سياسية متفاوض عليها”، وأنهم سيواصلون “التعاون النشط من أجل دفع العملية السياسية، بالتوافق مع قرارات مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي، وقرار مجلس الأمن رقم 2254”.

على الرغم من مصطلحات (الاتفاق) و(الالتزام) و(الارتياح) الواردة في البيان، فإن تباين الرؤى بين الجانبين التركي من جهة، والروسي والإيراني من جهة أخرى، كان واضحًا في خطاب زعماء البلدين عقب انتهاء القمة؛ إذ قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: “لا نريد أبدًا أن تتحول إدلب إلى بحيرة دماء، وننتظر منكم كأصدقائنا دعم جهودنا في هذا الاتجاه، حتى نتجنب إزهاق الأرواح في المنطقة”، مشيرًا إلى أنه “ينبغي إعطاء رسالة عبر هذه القمة إلى الرأي العام الدولي، بأن الدول الضامنة لن تسمح بحدوث موجة عنف وأزمة إنسانية جديدة بسورية”.

أضاف الرئيس التركي: “هنالك حاجة إلى وسائل مختلفة تتطلب الوقت والصبر، في ما يتعلق بتحقيق مكافحة فعالة ضد الإرهابيين، في مكان يتداخل فيه كل شيء مثل إدلب… يجب علينا إيجاد مخرج معقول لمسألة إدلب، يأخذ بعين الاعتبار هواجسنا المشتركة”. وحثّ على استخدام صيغة المصالحة في إدلب، وقال: “أرى أنه إذا أضيفت صيغة (مصالحة) فإنها ستدعم هذه العملية”.

من جهته، أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى أن اقتراح أردوغان عادل، لكن الأطراف المتحاربة لا تشارك في المفاوضات في طهران، وقال: “أرى أن الرئيس التركي محق بشكل عام، ومن شأن هذا أن يكون جيدًا، إنما لا يمكننا التحدث باسمهم، خصوصًا باسم إرهابيي (جبهة النصرة)، أو (داعش)، فهذان التنظيمان محظوران في روسيا، وعدد من الدول، ولن يكفوا عن إطلاق النار، أو يتوقفوا عن استخدام الطائرات المسيّرة والقنابل”.

وقال بوتين: “بحثنا خلال القمة مسألة إحلال الاستقرار في إدلب على مراحل. أولويتنا تطهير سورية من الإرهابيين تمامًا”، معقبًا أن “حماية الإرهابيين بذريعة حماية المدنيين، وإلحاق الضرر بالحكومة السورية، أمرٌ غير مقبول”.

بدوره، عدّ الرئيس الإيراني حسن روحاني أن “المعركة ضد الإرهاب في إدلب جزء لا يتجزأ من مهمة إعادة السلام والاستقرار إلى سورية، لكن هذه المعركة ينبغي ألا تؤذي المدنيين، وتفضي إلى انتهاج سياسة الأرض المحروقة”.

أردوغان عقّب على البيان بالقول: إن “تضمين البيان عبارة (هدنة) سيضفي عليه قيمة أكبر.. إذا توصلنا إلى إعلان وقف لإطلاق النار هنا؛ فسيشكل ذلك إحدى النتائج الأكثر أهمية لهذه القمة، وسيهدئ إلى حد كبير السكان المدنيين.. في رأيي، هذا الأمر سيعزز المادة الثالثة في البيان”، في دلالة واضحة على سعي تركيا خلال الاجتماع لتحقيق هدنة في المنطقة، لحماية حدودها من تدفق اللاجئين من جهة، ومنع النظام من ارتكاب مجزرة في المحافظة.

إلا أن الرئيس بوتين رفض المقترحَ، بردّ مباشر قال فيه: “لا يوجد أي ممثل عن جبهة النصرة، أو تنظيم الدولة الإسلامية، أو الجيش السوري”، من أجل  التفاوض على هذه (الهدنة). وأضاف: “أعتقد بشكل عام أن الرئيس التركي على صواب. سيكون هذا جيدًا. لكن ليس في وسعي الحديث نيابة عنهم. والأهم من ذلك هو أنني لا يمكنني الحديث نيابة عن إرهابيين من جبهة النصرة، أو داعش، لأقول إنهم سيوقفون إطلاق النار أو استخدام الطائرات المسيرة المزودة بالقنابل”.

الرئيس التركي أكد في وقت لاحق، في تغريدات على حسابه في (تويتر)، أن “الأهمية التي نوليها للقمة الثلاثية التركية الروسية الإيرانية التي انعقدت اليوم تعود إلى اهتمام تركيا بمستقبل أشقائنا وشقيقاتنا السوريين”.

وكرر الرئيس التركي أن بلاده قالت، خلال القمة بكل وضوح: إن الأساليب التي تتجاهل سلامة أرواح المدنيين السوريين لن تكون لها أي فائدة سوى خدمة مصالح الإرهابيين”، مؤكدًا “في حالة تجاهل قتل عشرات الآلاف من الأبرياء، من أجل مصالح النظام (السوري)، لن نكون شركاء ومتفرجين في لعبة كهذي”.

في غضون ذلك، شهدت قاعة مجلس الأمن الدولي، أمس الجمعة، اجتماعًا مطولاً بحث وضع إدلب، بناء على طلب من الولايات المتحدة، تخلله مقترح من قبل المبعوث الأممي إلى سورية ستيفان دي ميستورا، لحل عقدة إدلب، كما تخللته تهديدات غربية واضحة للنظام من التوغل في دماء السوريين في المحافظة بضربها بالسلاح الكيمياوي.

وقال دي ميستورا، عبر دائرة تلفزيونية من جنيف خلال الجلسة: إن معركة إدلب “ستكون دموية” في حال حدثت، وسيتخللها “مستويات جديدة من الرعب”، مؤكدًا أن مدنيي إدلب لن تكون لديهم “إدلب أخرى”، ليفروا إليها.

وأشار إلى أن “أي استخدام للأسلحة الكيمياوية في إدلب سيكون أمرًا غير مقبول أبدًا، ويجب ألا يحدث مرة أخرى في سورية، وهذا هو موقف الأمين العام (للأمم المتحدة) أنطونيو غوتيريس“، وأضاف: “نحن قلقون للغاية بشأن المدنيين الذين يصل عددهم في إدلب إلى 2.9 مليون نسمة، منهم مليون طفل ونحو 1.4 مليونًا اضطروا إلى النزوح من قبل، مرة واحدة على الأقل.. هؤلاء ليسوا إرهابيين، وليسوا طرفًا في الحسابات الجارية”.

وعدّ المسؤول الأممي أن “المعضلة الحقيقية التي نواجهها في إدلب، حاليًا، هي كيفية الفصل بين العناصر الإرهابية المدرجة على قوائم مجلس الأمن، وهم قلة قليلة، وجماعات المعارضة التي يمكن أن نصل معها إلى مقاربات، من جهة، والمدنيين من جهة أخرى”. وعقّب: “أقدم لكم اليوم خطة يمكن أن تغير الأمور على الأرض؛ إن السكان لم يغادروا المحافظة، وعلينا أن نطلب من الإرهابيين أن يغادروا القرى والمدن، ومنحهم هدنة لا تتم خلالها عمليات عسكرية”.

لفت دي ميستورا الانتباه إلى أن “تركيا تشعر بقلق شديد إزاء وقوع كارثة محتملة في إدلب، وأنقرة لديها نفوذ على الأرض”، وأن لدى أردوغان أفكارًا موضوعية حيال إدلب، مشيرًا في الوقت عينه إلى أن “الروس والإيرانيين أشاروا إلى أن الأولوية تتمثل في إلحاق الهزيمة بالإرهابيين”. وطالب “المقاتلين أن يغادروا بعيدًا عن القرى والمدن، خلال فترة زمنية. وفي تلك الأثناء نطلب عدم شن أي عمليات عسكرية”.

من جهتها، قالت ممثلة بريطانيا عند الأمم المتحدة كارين بيرس، خلال اجتماع أمس: “هنالك أطفال رضع في إدلب أكثر من الإرهابيين، وأعتقد أن ذلك يجب أن يعطي سببًا لمن يشاركون في عمل عسكري، للتوقف والتفكير في الأمر”.

وحددت بيرس بالأسماء قادة الجيش السوري ووحداتهم المتمركزة حول محافظة إدلب (مثل الفرقة المدرعة الرابعة، والحرس الجمهوري، وقوات النمر، والفيلقين الثاني والخامس)، محذرة أنه “إضافة إلى النظام السوري سيحاسب المجتمع الدولي هؤلاء القادة وتلك الوحدات”، في حال تم شن هجوم كبير على إدلب سيخلف ذلك قتلى وجرحى بأعداد كبيرة من المدنيين.

بدورها، قالت ممثلة واشنطن عند الأمم المتحدة نيكي هيلي: إن النظام السوري وروسيا يواصلان “مهاجمة الناس في إدلب، ومنع الماء والطعام عنهم، وهذا نموذج للقتل.. يعاقبون المدنيين الذين تحدوا الأسد الذي جعل سورية بلدًا من الركام”. وأضافت أن “على روسيا وإيران منع حدوث كارثة إنسانية في إدلب.. روسيا لا تفعل أي شيء من أجل الحل السياسي الذي تزعم أنها تعمل من أجله”.

وأكدت أن بلادها لن تنظر في “منح مساعدات لإعادة البناء في سورية، حتى يتم اتخاذ خطوات ملموسة ناتجة عن عملية سياسية حقيقية، تنهي الحرب وتحقق الحرية للشعب السوري”، وعدّت أنه “لا يجب لأي طرف آخر فعل ذلك أيضًا. سيكون ذلك غريبًا”.

في السياق، قال ممثل فرنسا عند الأمم المتحدة فرانسوا ديلاتير إن بلاده تدعو “الدول الضامنة لأستانا إلى التحلي بمسؤولياتها واحترام وقف إطلاق النار الذي كانت راعية له”. وأضاف: “ندعو روسيا وإيران لحماية منطقة خفض التصعيد الأخيرة في إدلب.. النظام السوري يُعد لعملية عسكرية وشيكة”. وتابع: “أكرر هنا، بأشد العبارات، أننا نحذر من أي استخدام للأسلحة الكيمياوية”، مشيرًا إلى أن بلاده لن تقف صامتة، في حال حدث ذلك.

كما عدّ ممثل الكويت في الجلسة، نائب وزير الخارجية خالد الجار الله أن “الوضع في إدلب مختلف عما كان عليه في حلب والغوطة الشرقية ودرعا، فإدلب يقطنها ما يقارب 3 ملايين شخص، نصفهم من النازحين داخليًا”، مشيرًا إلى أن عملية عسكرية في إدلب “ستكون كارثية، وستكون تداعياتها الإنسانية وخيمة على سكانها، في حال لم يتم التوصل إلى ترتيبات بهذا الشأن بين الأطراف المعنية”.

في المقابل، زعم ممثل روسيا في الأمم المتحدة فاسيلي نيبيزيا أن العواصم الغربية، وفي المقدمة واشنطن، تسعى إلى “قلب نظام الحكم في سورية”، قائلًا إن “استمرار الوضع الراهن في محافظة إدلب غير مقبول، ولا يمكن أن يستمر. كما أن نصوص اتفاقات خفض التصعيد تشير إلى الطبيعة المؤقتة لتلك الاتفاقات”.

وتابع نيبيزيا: “الإرهابيون في إدلب يسعون حاليًا لحشد العناصر الراديكالية حولهم، كما يرتكبون اعتداءات على المدنيين في المحافظة، واتخاذهم كرهائن.. هنالك إحصاءات تشير إلى وجود ما بين 40 إلى 35 ألف عصابة مسلحة في إدلب، بعدد إجمالي يصل إلى 50 ألف إرهابي، في الوقت الذي يشعر فيه 80 في المئة من سكان المحافظة بإرهاق شديد، من طغيان الإرهاب في المدينة”.

وأضاف: “الهدف الغريب من عقد جلسة مجلس الأمن اليوم، واتهام روسيا والحكومة السورية بالإعداد لشن اعتداءات كيمياوية على إدلب، هو منع سقوط الإرهابيين والدفاع عنهم”، على حد قوله.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق