اقتصادسلايدر

روسيا وخدعة إعادة إعمار سورية

في بلد تمَّ فيه قتل أكثر من مليون ونصف مليون إنسان وتشريد أكثر من نصف سكانه

لا تزال عند موسكو والطاغية وطهران أهدافٌ يجب تحقيقها بمزيد من التدمير وتعميم الدمار. أما (إعادة الإعمار) فهي ورقة لتشريع الدمار وتأهيل من قام به، ولاستكمال ما تبقى من مهمات إجرامية ضد سورية والسوريين.

وقد أقرّت موسكو، على لسان وزير خارجيتها، وعدد من قادتها العسكرين، بأنها بتدخلها العسكري السافر في 2015، أنقذت سلطة بشار من السقوط. ثم واظبت بجهودها كافة، لتمكّن الطاغية من بسط سيطرته على مناطق واسعة من سورية، مستخدمة آلتها العسكرية الضخمة، إلى جانب مناوراتها السياسية لتحييد مؤتمرات جنيف، ونقل ملف حل الأزمة السورية من الأمم المتحدة إلى حقائب موظفي دبلوماسيتها، من خلال توضيب صيغتي (أستانا)، و(سوتشي). وحيث فشلت في إقناع دول العالم بتوجهاتها تلك، واظبت بقوتها الطاغية على حربها على الشعب السوري، خلف ستار مخادع عنوانه: “مكافحة الإرهاب”.

لم تترك الدبلوماسية الروسية وسيلة، سياسية أو عسكرية، لتمكين سلطة بشار من استعادة “أهليتها” إلا جربتها. حاولت ذلك أولًا باسم “المصالحات”، بين المدن والبلدات الخارجة عن سيطرة النظام وبين السلطة، ثم تبين أن الهدف من ذلك التكتيك هو إضعاف الثورة وخلخلة الإرادة الشعبية، وصولًا إلى تسليم مناطق المصالحات لأجهزة السلطة المستبدة. وبالتكامل مع هذا التكتيك، ابتكرت موسكو، عبر أستانا، مشروع (مناطق خفض التصعيد) الذي تبين أن الهدف منه الفصل بين المناطق المحررة من سلطة الطغيان، ثم الانقضاض عليها واحدة تلو الأخرى.

لقد كان دور روسيا، في استخدام (الفيتو) في مجلس الأمن، تتويجًا لاحتضانها لسلطة المافيا، وتحييد الإرادة الدولية عن اتخاذ القرارات التي يمكن أن تضع حدًا للجرائم المرتكبة، في طول الأراضي السورية وعرضها. وتحديدًا، استطاعت موسكو منع الإرادة الدولية من وضع حد لاستمرار الجرائم الكيمياوية ضد المدنيين العزل. وتمكنت، منذ البداية، بعد جريمة الكيمياوي الأولى في الغوطة الشرقية، في عهد أوباما، من خداع العالم بأن بشار قام بالتخلص من المخزون الكيمياوي لديه. وتبين أنها تكذب، بل تساهم في إمداده، هي وطهران، بكل المستلزمات لتوضيب تلك الأسلحة، وهو ما شهده العالم في السنوات الأربعة الأخيرة.

وإمعانًا منها في إعادة تأهيل (عميلها) بشار الأسد، ابتدعت موسكو الأكاذيب، ومنها كذبة “إعادة الإعمار” في سورية، وأعدّت نفسها لقبض ثمن الجرائم كمكافآت دولية تقدمها الدول الكبرى تحت عنوان: (إعادة إعمار سورية). وفي سبيل ذلك، تحرك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لإقناع رؤساء أوروبا، ودول العالم الأخرى، بتوفير الأموال اللازمة، وهي تصل إلى 800 مليار دولار. لكنه فشل مع ميركل وماكرون، ورفضت واشنطن فكرة إعادة الإعمار، قبل إنجاز الحل السياسي وإنهاء الحرب.

اللافت في مداولات ملف إعادة الإعمار، أن موسكو اختزلت فكرتها هذه، بالمال المطلوب والإسمنت والحديد، متجاهلة عن قصد، أن ما تم تدميره في حرب السنوات السبع، أكبر بكثير من الأموال والمعدات والمواد الأولية. ففي بلدٍ تم قتل أكثر من مليون ونصف مليون إنسان من أبنائه، وتشريد أكثر من نصف سكانه عن مدنهم وبلداتهم، وتغييب مئات الآلاف من السوريين في المعتقلات، يكون الحديث عن إعادة الإعمار وهمًا وخداعًا ولا مجال لإنجازه في الواقع.

أسئلة كثيرة مطروحة بخصوص خدعة إعادة الإعمار، أولها: كيف سيتم إعادة إعمار النفوس التي وقع عليها بطش الحرب وجرائمها، وللروس اليد الطولى في تلك الجرائم. وثانيها: من هي القوى العاملة التي ستنجز الإعمار حتى لو توفر المال اللازم؟ فإذا كان نصف عدد سكان سورية وأكثر، أصبح خارج المكان الذي سيتم فيه الإعمار، فمن أين ستوفر موسكو وأداتها سلطة بشار، اليدَ العاملة التي ستنجز بناء ما تم تدميره بآلة حرب موسكو والسلطة والإيرانيين وميليشياتهم. فالطاقة البشرية التي دخلت سورية للدفاع عن السلطة (إيرانيون وروس وعصابات طائفية) هي قوى جاءت للتدمير والقتل واكتساب الغنائم، ولا يمكن تحويلها إلى ميدان البناء، وكذلك الطاقة البشرية التي جندها بشار للدفاع عن سلطته، فهي لن تترك وظيفتها في القتل، ولن يتخلى عنها الأسد، لأنه سيتابع القتل والتدمير بتلك الأدوات. ولا يجدي نفعًا استجلاب أيدٍ عاملة من الخارج، فلا أحد يأتي إلى بلد غارق في الدماء، وتتزايد فيه الأخطار، ليندمج في العمل والإعمار، إلا بمغريات مالية هائلة لا يمكن أن توفرها كل المساعدات والتوظيفات، هذا إذا افترضنا أن دولًا ستقدم تلك المساعدات، وهو أمرٌ ليس واردًا في ظروف سورية اليوم، طالما أن السلطة التي دمرت البلد ما تزال ممسكة بالحكم.

من المؤكد أن موسكو وخبراءها يعلمون استحالة قبول دول العالم القادرة على تقديم الأموال، الدخول في لعبة خاسرة سياسيًا، حيث لا رهان على بقاء سلطة بشار، وغير مثمرة اقتصاديًا، في ظل مافيات إيرانية وروسية، ومعهما مافيات النظام، هم من سيديرون عملية توظيف الأموال باسم الإعمار، فستذهب تلك الأموال إلى الوسطاء المافيويين، ولن يتحقق أي إعمار حقيقي، بل ستذهب الأموال إلى خزائنهم، كمكافآت على جرائمهم التي هي السبب في تدمير حواضر سورية، وإزهاق أرواح شعبها.

على ذلك؛ نستطيع القول: إن الهدف من استدراج موسكو لدول العالم إلى طاولة (إعادة الإعمار)، هو توضيب المسرح السياسي العالمي لشرعنة سلطة الطاغية. فالراية المعلنة التي رفعتها موسكو، وهي (تستكلب) للحصول على قبول العالم للبدء في إعادة الإعمار، هي أن لا علاقة بين الحل السياسي للأزمة في سورية وبين إعادة الإعمار، أي القفز عن الحل السياسي المقرر دوليًا في جنيف، وتحويل مبدأ إعادة الإعمار، إن قبلت به الدول الكبرى، إلى تكريس للسلطة العميلة، وشرعنة بقائها، وإعادة تأهيلها لحكم سورية عقودًا أخرى، إن أتيح لها ذلك.

لقد كان لافتًا، بعد رفض كل الدول الغنية المساهمة في تمويل إعادة الإعمار، عودة روسيا إلى استكمال الدمار، فأعادت طرح موضوع إدلب ومصيرها، وأصدرت التهديدات بسحق إدلب، وأعلنت أن صبرها سينفد، إذا لم تقم دول العالم بمساعدة بشار في بسط سيطرته على إدلب.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق