هموم ثقافية

المدن كوجبات سياحية

المدن والمناطق والبلدان تتحول إلى معلبات سياحية، تقدّمها مكاتب السياحة إلى السائحين كوجبات سياحية سريعة في فترة إجازتهم السنوية. إذا زرتَ مدينة أفينيون الفرنسية مثلًا؛ فسترى قصر البابوات وجسر أفينيون. وفي مدينة أورانج القريبة، هناك مقصد سياحي لا بدّ من زيارته هو المسرح الروماني. وفي مارسيليا يجب أن تزور المرفأ القديم وكنيسة نوتر دام دو لاغارد، وأن تتذوق أكلة السمك الشعبية المسماة بوليابيس ومشروب الباستيس.. الخ، وكذا في كل بلاد.

يبقى للسائح، على الرغم من كل شيء، موقع خارجي لا فكاك منه، حيال كل ما يرى ويسمع ويتذوق. جدار سميك من الزمن، يعادل عمر الإنسان، يحول بين السائح وحقيقة ما يرى. جدار لا يمكن تخطيه.

يتفرج السائح على الإنجاز المعماري القديم الذي شق طريقه عبر الزمن إلى يومنا، كما يتفرج المرء على ذئب في قفص، كلاهما غريب، كلاهما مقطوع. الأول مقطوع في الزمن، والثاني مقطوع في المكان، وهذه القطيعة تعزل السائح عن حقيقة ما يرى. كلاهما رؤية منزوعة عن بيئتها، كلاهما واقع منقوص المعنى. الذئب في قفص ليس هو الذئب، والمبنى الأثري ليس سوى أثر بارد من تاريخه. وإذا كان السائح يتساوى مع الأهالي أمام الآثار الغريبة زمنيًا عن الجميع؛ فإن الأمر يختلف حيال التقاليد: الطعام والشراب واللباس وطرق العيش التقليدية.. الخ.

ماذا يعني للسائح الطبق التقليدي الذي يحرص على تناوله حيثما يسوح؟ مجرد طعم جديد، غير مستساغ غالبًا، قيمته الوحيدة أنه يسمح للسائح أن يقول إنه تذوق الطبق التقليدي للمنطقة الفلانية، مفترضًا أن هذا يزيد من رصيده السياحي. الطبق التقليدي ليس تقليديًا إلا بالنسبة إلى الأهالي الذين يفتح لهم طعمه نافذة في الذاكرة لارتباطه بطفولتهم ونشأتهم، ولأنه جزء ملتصق بحياتهم، بالنسبة إلى هؤلاء يكون هذا الطبق بابًا ينفتح على عالم غني. أما بالنسبة إلى السائح فهو طبق جديد مقطوع عن التقليد، هو إذن جدار وليس بابًا، أو هو باب لا ينفتح إلا على جدار. الطعم الذي يتذوقه السائح لا يشبه الطعم الذي يتذوقه أهل الطبق التقليدي.

كذا الحال في ما يخص اللباس التقليدي لمنطقة ما، فهو بالنسبة إلى السائح، أو الزائر الخارجي الذي لا صلة له بالمكان، شكلٌ معين من اللباس، بلا عمق، بلا ارتباطات شعورية، بلا ذكريات وبلا جماليات صنعتها العين مع مرور الزمن. اللباس التقليدي بالنسبة إلى الأهالي هو شكل مشبع بالشعور والألفة وانعكاسات الذات. معنى التقليد، سواء في الطعام أو اللباس أو الرقص أو أي نشاط، هو أنه مدخل في الذاكرة إلى عالم مليء بالمعاني والانطباعات والجمال والشعور بالنفس، وحيث لا يوجد هذا الباب عند السائح، فإن التقليد ينتفي وتصبح الأشياء التقليدية غير تقليدية، أي بلا عمق نفسي وبلا جمالية خاصة.

“الإشارب” التقليدي البسيط الذي يوضع على الرأس بطرق مختلفة، لكل طريقة منها انعكاسها الشعوري المختلف، لا يمكن أن يعني للسائح سوى غطاء للرأس، مجرد شكل يرتبط بمنطقة أو جماعة أو ثقافة. بالنسبة إليّ مثلًا، الإشارب المعقود تحت الذقن يعني الرسمية، وحين كانت أمي تستعد للعمل، كانت تمرر طرفي الإشارب إلى الخلف من تحت الشعر وتربطهما على النقرة، وكان يسعدني حين لا تعقد طرفي الإشارب بل تعكسهما من تحت الذقن، وتدس كل طرف تحت الجهة المقابلة بجوار الأذن، عندئذ كان يبدو لي وجهها طفوليًا وأكثر راحة وطمأنينة، أما حين كانت تترك طرفي الإشارب حرين بلا عقد، فقد كان هذا يعني أنها متعبة أو في ضيق. سوف يبقى السائح خارجيًا تمامًا أمام اللباس التقليدي المختلف عن بيئته.

بالقرب من “جسر أفينيون”، وعلى حافة الطريق القريبة من النهر، عثرت فجأة على مجموعة من نباتات العبيتران التي لم أتوقع رؤيتها هناك، وشككت أنها النبتة التي أعرفها حتى شممت رائحتها. أخرجني العبيتران من موقع السائح الخارجي إلى موقع ابن البلد. وجدت ذاتي في العبيتران، كما وجد ذاته بي دون كل السائحين الغافلين عنه، والمعلقة عيونهم على قناطر الجسر. بورقه الناعم ورائحته الودودة الخاصة، أيقظ عالمًا نائمًا في ذاكرتي، رائحة محيط بيتنا البسيط في القرية، صورة النساء اللواتي يرقصن في الأعراس، وهنّ يحملن باقات العبيتران في أيديهن، أو يغرسن فروعها في شعورهن. في ذلك العالم كان أبو جمال يمزمز كأس العرق وهو يتكئ على وسادة سارحًا بنظره، ومن حين لحين، يأخذ فرع العبيتران من فوق أذنه، ويمرغه على أنفه قليلًا، ثم يعيده إلى فوق أذنه من جديد؛ وفيه كان أبو مطيع يمشي عاقدًا يديه خلف ظهره، يتقدمه العبيتران الذي يضعه في جيب قميصه العلوي. ذوت في نفسي عظمة الجسر أمام بساطة تلك النبتة الأهلية والتقليدية، ووجدتني مشدودًا إليها أكثر.

الموقف السياحي يفصل الشيء عن تاريخه ولا يستطيع تناوله إلا كشيء معزول. هو إذن رؤية أخرى، يكون فيها الشيء غير الشيء. رؤية خارجية طارئة عاجزة عن رؤية التقليد في التقليد. الموقف الأهلي موقف داخلي جماعي، مهما تفردت الانطباعات فيه، والموقف السياحي موقف خارجي فردي، مهما كثرت أعداده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق