أدب وفنون

عندما أحببتُ والمختار المعلمةَ نفسها

لا أنفي أبدًا سذاجتي في فهم الناس؛ فمنذ طفولتي كنت أعتقد أن “لكل مقام مقال”، ومن غير المستحسن أن نعتقد أن المدرّس يفكر مثل التلميذ، فعندما تضغط علية الحاجة للذهاب إلى المرحاض، فحاجة الأستاذ تختلف “نوعًا” عن حاجة التلميذ. وحاجة الكبير (الأب، العم، الخال) للنوم، وشكل النوم، تختلف بدورها عن حاجة الصغير (الابن، ابن العم، ابن الخال)، فنحن، أعني الصغار، كنا ننام كيفما تيسر، بينما الكبار كانوا في وقت محدد يأمرون الجميع بالذهاب إلى النوم، وإذا تأخرنا في تنفيذ أمرهم، لسببٍ ما، كانت كلماتهم تخرج أكثر قسوة وأكثر خشونة من المعتاد، حتى تقارب أحيانًا خشونة الكف الفلاحي، أو كف عامل الباطون.

في بعض الحالات، كان يحلو لي أن أتخلى عن “سذاجتي”، على الرغم من الخوف من ارتكاب المعصية، وأن “أبصبص” من تحت اللحاف الصوفي على أبي، وهو يهمّ بالذهاب إلى الفراش الذي تنام عليه أمي، بعد أن يتخفف من ثيابه، وأستغرب لماذا يقترب كثيرًا منها قاطعًا نَفَسَه، مع أنه لم يكن يتحمّل أحدًا منا عندما يلتصق به، فيدفعه بعيدًا. وكنت، عندما أعجز عن العثور على تفسير، أريح نفسي وأردد القول الذي كان يكرره أبي دائمًا: “لكل مقام مقال”، وليس من السهولة فهم مقامات الناس!

حدث أحد الأيام أن كبرت، على الرغم من توقعات أهلي بموتي المبكر، حسب ما قالت لي امرأة عمي، وأصبحت شابًا في بداية العشرين من العمر، وكان هذا العمر سببًا كافيًا بحد ذاته، مع تحدي الموت، كي أرى العالم كله من منظور جديد، طوع يميني، فكيف إذا أضفنا إليه “لقب” مدير مدرسة، لأنني المعلم الوحيد الأصيل فيها!!

في ذلك العام، كنت أحبو بين هضاب وجبال عفرين، محاولًا أن أشق طريقي دون الاصطدام مع “العناد الكردي”، وقد نجحت نسبيًا، إلى أن وقع ما لم يكن بالحسبان، كاسرًا المقولة الذهبية التي ورثتها عن أبي: “لكل مقام مقال”.

ففي أحد الأمسيات الريفية، حاولت أن أعبّر بشكل ملتو عن حبي لمعلمة البنات الحلبية، التي كانت مع زميلة لها، عماد مدرسة البنات، فالاختلاط في القرية ممنوع في المدرسة فقط، لذلك كان لا بد من مدرستين؛ واحدة للبنات وأخرى للبنين، وكان بيت “المختار” الخمسيني، يقع بين المدرستين “كناطور العنب”، يراقب كل من يحاول الصعود شمالًا باتجاه مدرسة البنات، أو الهبوط جنوبًا باتجاه مدرسة البنين، وكان عليّ “قتل الناطور” حتى أستطيع الحصول على “العنب”، ودعوة المعلمتين الى العشاء، وخفت، إنْ أنا فعلت، أن اُتّهم بالإرهاب، على الرغم من أن هذه التهمة، في ذلك الوقت، كانت محصورة فقط بمن يحاول النيل من الإسرائيليين، ولم تكن الحساسية “العربية-الكردية” قد وصلت إلى حد المرض، كما هي الحال الآن، فقررت دعوة المختار إلى العشاء مع المعلمتين العشرينيتين، لقناعتي بأن مقامه وعمره سيجعلانه يتفهم ظروف الشباب، ولن يفهم غزل العيون.

أمضينا سهرة جميلة، كان فيها المختار مهمشًا، بسبب العمر من جهة، ولعدم وجود قواسم مشتركة بيننا من جهة أخرى، وبسبب الألغاز التي استخدمناها في الحوار. في نهاية الأسبوع غادرنا جميعًا إلى حلب، كما هي العادة، وعدنا صباح الاثنين.

قالت المعلمة “المحبوبة”: إن المختار قد زار أهلها خلال أيام الأسبوع، وثاني يوم العشاء تحديدًا، وطلب يدها للزواج، وعندما شاهد الدهشة والاستغراب في عيونهم من الطلب، سارع إلى توضيح نيته، وهي حرصه على ابنتهم، وإنه ما جاء طالبًا يدها، لولا إدراكه أنها تحب ذلك المعلم المسيحي، في مدرسة الصبيان، وقد ينتج عن ذلك، فيما بعد، مشكلة لهم، فهم، والحمد لله، مؤمنون، ولن يقبلوا بهذا الحب المحرم.

قالت المعلمة، التي أصبحت “محبوبة” أكثر من قبل: قدّم أهلي للمختار الضيافة الواجبة، ثم عقب والدها بالقول لها: لم يستطع المختار المسكين حفظ مقاله ومقامه، فانكسرت هيبته، وذهب كلامه مع الريح!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق