أدب وفنون

محمد ملص.. فنان يصور بالقلم ويكتب بالكاميرا

حين أخبرتُه: إني بصدد كتابة مقال عنك، وأريد أن تكتب لي كلمات تريد أن تقولها للناس في هذه المرحلة، ما رأيك؟ أجاب صديقي محمد ملص:

(سلامات يا صديقي. أشكرك على رسالتك اللطيفة. أرجو أن يكون لدي الوقت والمزاج لأكتب لك سواء لتنشره أو لك…. سأحاول حين يتوفر لدي المزاج الروحي. لك السلامة). المزاج الروحي؟ نادرًا ما سمعت مثل هذا التعبير، ولعله يترجم حال محمد الآن، حيث لا يتوفر لديه المزاج الروحي، لكن ذلك المزاج توفر مرات عديدة خلال سني عمره التي تجاوزت الثلاث والسبعين، ومنحه القوة والصبر لينتج خلالها أعمالًا سينمائية تسجيلية وروائية مختلفة ومتميزة، جعلته يحظى بذلك الوصف المعبر عن تقدير بالغ لإنتاجه السينمائي، من إدارة المهرجان الدولي لسينمات آسيا في فيزول (شرق فرنسا) التي منحته جائزة (سيكلو) الذهبية، لكونه -حسب وصفها- رأس حربة المخرجين المؤلّفين في السينما السورية، منذ مطلع سبعينيات القرن الـعشرين. تلك شهادة طازجة منحت له هذا العام في شهر شباط الماضي. وهي واحدة فقط من عشرات الشهادات التي استحقها المؤلف والمخرج السينمائي محمد ملص. ولكن ماذا تعني عبارة: سينما المؤلف التي ارتبطت دائمًا بأعماله السينمائية؟ قال محمد: (سينما المؤلف لا تقوم على أن يكتب المخرج! سينما المؤلف هي محاولة في الكتابة بالكاميرا. والكتابة بالكاميرا تعني الكتابة بالعين وبالروح وبالوجدان. قد يشاركك أحد ما في كتابة مشروعك، ولكن حين يعبّر المشروع عن الواقع وعن إحساسك ورؤيتك أنت لما تريد التعبير عنه، يكون ذلك هو سينما المؤلف. بالنسبة إلي فإن حبّي الشديد للأدب، وانتمائي أولًا وأخيرًا للأدب، باعتباري أكتب كثيرًا ولديّ كتب منشورة، فقد وضعت لنفسي مهمّة محدّدة في علاقتي بالسينما وعلاقتي بالأدب. لقد أردت للسينما التي أنجزها أن تكون ذات مذاق أدبي، وهذا يعني أنّ جوهر القضية في مشروعي الفني هو أن أخلق سينما ذات مذاق أدبي، وأدبًا ذا مذاق بصري).

ارتبطت جميع أعمال محمد ملص بخيط واحد وهو: البحث عن المفقود، والمفقود هو الحرية، وعن ذلك قال: (كان هناك، في كل ما اشتغلت عليه من أفلام وكل ما حققت، وكل ما أطمح إلى تحقيقه، خيط وحيد يربط هذا المشروع السينمائي هو المفقود، الشيء المفقود هو الذي يجعلني أحتاج إلى التعبير عن الألم من غياب المفقود. من يقرأ الأفلام التي أنجزتها فسيكتشف ما هو المفقود. مثلًا في فيلم (أحلام المدينة) عدت إلى خمسينيات القرن العشرين من حياة سورية، لأني كنت أريد أن أبيّن تطوّر الوعي لديّ منذ الطفولة التي عشتها في القنيطرة، ثم في دمشق. كنت أشعر أنّ الشيء المفقود هو الحرية، ولذلك، عدت إلى تلك المرحلة المهمة جدًا من تاريخ سورية، التي عاشت فيها لحظة ديمقراطية حقيقيّة دفعتها إلى خيار الانتماء إلى الوحدة مع مصر).

أتذكر بصفاء احتفاء السوريين بذلك الفيلم، وبخاصة النخبة المثقفة. كنا نتابع حركة الكاميرا وهي تروي قصة مدينة دمشق في تلك الفترة. كانت تتحرك برويةٍ أحيانًا وأحيانًا بسرعة لتحاكي نبضات القلب. (أحلام المدينة) هو الفيلم الطويل الأشهر بين أفلامه، وقد حققه عام 1984 وحصل على التانيت الذهبي في أيام قرطاج السينمائية، فضلًا عن إحدى عشرة جائزة أخرى في مهرجانات سينمائية عربية وإقليمية دولية. وقد أحدث هذا الفيلم منعطفًا في السينما السورية وقتذاك. ثم كان فيلم (الليل) سنة 1992 الذي لقي نفس النجاح وحصل على الكثير من الجوائز، على الرغم من أنه مُنع من العرض في سورية لمدة أربع سنوات. وقد وصفته صحيفة (الغارديان) البريطانية بأنه من أفضل عشرة أفلام عربية. وبالإضافة إلى ذلك أنجز محمد ملص عدة أفلام طويلة وقصيرة ووثائقية، منها (كل شيء على ما يرام سيدي الضابط)، و(حلم مدينة صغيرة)، و(فوق الرمل تحت الشمس)، و(المنام) الذي يعالج فيه أوضاع اللاجئين الفلسطينيين، و(باب المقام)، و(حلب مقامات المسرة) لنصل إلى فيلمه الأخير (سلم إلى دمشق) الذي يستحضر الوضع في دمشق الآن، وهو الذي عرض على هامش الدورة الأخيرة لأيام قرطاج السينمائية، حيث شارك محمد ملص كعضو لجنة تحكيم في مسابقة الأفلام الطويلة. إن مقالًا مثل هذا محكوم بسطور محدودة لا يمكنه اختصار سيرة مخرج سينمائي وأديب، بحجم محمد ملص، بل يحتاج مثل ذلك الاختصار إلى كتاب اسمه: سينما محمد ملص. ولحسن الحظ فقد صدر كتاب تحت هذا المسمى في أميركا العام الماضي، ليكون مرجعًا عن تاريخ السينما السورية التي كان لملص الدور الأساس في صناعتها وتسويقها محليًا وعربيًا وعالميًا. ولقد أرسل إلي محمد ثلاث مرفقات، ثم أتبعها بخمس، قضيت أيامًا في قراءتها ومشاهدتها، وبالطبع لن أستطيع اختصارها، فهي بحجم كتاب أيضًا، لكني سأكتفي باختصار سيرته الذاتية التي أرسلها لي وببعض ملصقات أفلامه. وسأكتب الآن إجابته على سؤال مهم، وجّهه له كاتب تونسي نشر في مجلة الجديد الثقافية اللندنية. السؤال: هل أنت مع هذه الثورة؟ محمد ملص: ليس هناك سينمائي ضد الثورة وضد التغيير. كل السينمائيين والمثقفين يعملون من أجل المستقبل ومن أجل التغيير. وحسب رأيي، لا يصبح المثقف مثقفًا إذا لم ينحز إلى التغيير والتطوّر والتقدّم والثورة، وبالتأكيد فإن الشعب في سورية أراد أن ينهض ويتمرد ويثور، من أجل أن يُحدث تغييرًا في مجتمعه وتغييرًا في نظامه السياسي، وهذا حقه التاريخي والطبيعي، وهذا -طبعًا- يختلف عن المؤامرة التي نتعرض لها اليوم.

وُلد محمد ملص في مدينة القنيطرة، عام 1945، درس الفلسفة في جامعة دمشق. أنهى دراسة السينما في الـ V. G. I. K. موسكو 1974. حقـق خـلال دراسته ثلاثة أفلام روائـية قصيرة هي: “حلم مدينة صغيرة”، “اليوم السابع” “الكل في مكانـه وكل شيء على ما يرام سيدي الضابط”. بعد عودته من الدراسة، حقـق للتلفزيون السوري الأفلام التالية: “قنيطرة 74″، “الـذاكرة”، “فــرات”، كما حقق الأفلام التالية من إنتاج المؤسسة العامة للسينما: “أحـلام المدينة”، “الليل”، “المــنام”، “نـور وظـلال”، تحقيق مشترك مع عمر آميرالاي وأسامه محمد.

ومن أفلامه التلفزيونية “تيلي فيلم” عن الرائد السينمائي السوري نزيـه الشـهبندر، بمناسبة المئويـة الأولى للسـينما، تحقيق مشترك مع عمر آميرالاي وأسامه محمد. وتيلي فيلم عن رائد الرسم والتشكيل السوري فـاتح المـدرس، و”حلــب مـقـامـات المــسّرة” وفيلم “فـوق الـرمـل، تـحت الشمس”، تحقيق مشترك مع هالة العبد الله، عن سجناء الرأي، في الذكرى الخمسين للإعلان العالمي لـحقوق الإنسان، (وهو أول فيلم سوري يتناول المعتقلات). كما حقق أفلام: “البحث عن عـائـدة”. “باب المقام”، “المهد”، “محارم!”، “سلم إلى دمشق”.

نشر روايته الأولى بعنوان (إعلانات عن مدينة كانت تعيش قبل الحرب)، ونشر كتابًا أدبيًا بعنوان “المنام… مفكرة فيلم”، وسيناريو أدبي بعنوان “الليل”، ومفكرة فيلم “الكل في مكانه وكل شيء على ما يرام سيدي الضابط”، وكتاب “مذاق البلح” و “وحشة الأبيض والأسود” يوميات العمل السينمائي في التلفزيون 1974– 1980.

في عام 2016، صدرت الترجمة الإنكليزية لكتاب “المنام مفكرة فيلم. في عام 2017 صدر في نيويورك كتاب (سينما محمد ملص)، وهو الكتاب الأول في سلسلة دراسات عن السينما العربية عن دار باليغراف. كما شارك في لجان التحكيم لعدد من المهرجانات السينمائية الدولية والإقليمية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق