هموم ثقافية

البطل الوهم

أكتبُ سيناريو عن البطل الكاذب الذي يعشعش في رأس الوهم العربي.. البطل الذي لا وجود له على أرض الواقع، فقط في رأس العربي الشوفيني، أو العربي المهزو..

فلليني العبقري السينمائي الإيطالي، أخرج فيلمًا عن كازانوفا، وَهم الذكورة الأوروبي، كان الرجل الأوروبي قبل الفيلم يتفاخر إذا وصفه أحدٌ بكازانوفا/ زير النساء.. بعد الفيلم، وعندما عرّى فليني هذا البطل الوهمي الذي يعيش بشكل يومي في أذهان الرجال والنساء معًا. أصبحت شتيمة أن تقول للأوروبي “كازانوفا”..

يجب البحث عن مصير البطل الوهم في المخيال الأدبي والفني والسياسي الشعاراتي، البطل/ الوهم في أعمالنا الفنية وبخاصة أعمالنا الدرامية. البطل الوهم وواقع الإنسان العربي الحقيقي المكسور المصاب بالشيزوفرينيا.. البطل المنتصر في الوهم، المهزوم في الواقع، المنتصر في المخيال، المهزوم على السرير أمام المرأة، وقبالة حبيبته، وورودها، وفي حقله الجاف.

ليس مفيدًا استعراض بناء البطل أو كيف تم تقدميه في السينما العربية، وفي الدراما بشكل عام، فهو لا يختلف عن البطل في كتب التاريخ أو المؤلفات الأدبية، فهو ذو هيبة وسمعة، أنموذج ذهني أخلاقي لا أكثر.

البطل الذهني ومن ثم الفني أنتجه فكر الهزيمة وفكر الرغبة في الانتصار، يحضرني هنا الكرم العربي والقصص المروية عنه في تاريخنا العربي، الكرم الذي أنتجه العوز، والفقر، والبخل ذاته، لذلك في ذهنيتنا، أن العرب الأوائل كرماء، لكن الحقيقة ليست كذلك تمامًا، الكرم لا ينتجه تاريخ الغزو، ليس عندنا فحسب، بل عند معظم الشعوب، قبل ألف، وربما مئة عام، ذلك ينطبق على صورة البطل الشجاع والبطل الأخلاقي على العموم.

تراوحت شخصية البطل في الأعمال الإبداعية، بين البطل السلبي والبطل الإيجابي، البطل الشرير والبطل الطيب، البطل الظالم والبطل المظلوم، لعبة الأسود والأبيض، اللعبة الثنائية في الميثولوجيا، البطل الأول ووحدانيته، والبطل الثاني، صاحب الرسالة.!

جلجامش وأنكيدو، الإله وأحد أنبيائه، الملك ووزيره، المتنبي وسيف الدولة، لينين وماركس، الأب البطريركي والأم، هكذا هي المرجعيات القابعة في ذهن المبدع، ومن ثم في ذهن الجمهور/ المجتمع.

كيف يمكن أن نبني البطل الاجتماعي؟ البطل الذي من لحم ودم، البطل صاحب الخطيئة البطل الطيب الوغد، البطل الانتهازي، البطل المعاصر.

البطل المعاصر وهو يمشي في الشارع متقلبًا، أو يعيش مع أسرته أو صاحب عمله، أو حزبه، هو ليس نموذجًا أخلاقيًا، كما في الذهن الجمعي، ولا يمكن أن يُحتذى، لكنه قابل للتعقيد الدرامي، والنبش الجمالي، الذي يخص الإبداع والفن على العموم.

في رواية (اللجنة)، لصنع الله إبراهيم، أدهشني البطل الذي أكل نفسه في خاتمة الرواية، جلس بطل الرواية في زاوية غرفته الشاحبة وبدأ يأكل نفسه، فعل الهزيمة بامتياز، البطل قيمة جمعية/ اجتماعية، وكثير مَن أكل نفسه، أفرادًا وجماعات، إنسانًا وأفكارًا.

يقوم المؤلف الفرد بكتابة موسيقاه على ورق، ويأتي العازفون/ الجمع، بعزفها، ويقودهم الفرد، مَن البطل؟ البداية أم النهاية، أم صيرورة الفعل الفني؟ من هو البطل؟

حتى مفاهيم علم النفس القديمة، عن البطل ما زالت في ذهنية المبدع والمتلقين، على الرغم من أن العلم الحديث قد تجاوزها، لكننا ما زلنا نعيش بحضن فرويد على كل أهميته، والبناء النفسي، عند بطل دوستويفسكي، وغيرهما من التراث الفني الكلاسيكي، إن صح التعبير..

شخصية البطل هي في الأساس الشخصية الثورية (فنيًا) في العمل الإبداعي، على المبدع أن يواكب التغييرات الثورية في الحياة، بمتغيراتها العلمية والاجتماعية، حركة التغيير أصبحت أسرع بآلاف المرات من التغيير في الأدب والفن؛ فانتقل الفن من طليعي استكشافي إلى سلفي متخلف، كما الأشياء كلها عندنا.

في الأحداث الإنسانية المعاصرة، يغيب البطل الفرد، البطل الرمز، لكن الذهنية الإبداعية لم تتخل عنه، فبقي خالد بن الوليد، وبقي صلاح الدين وبقي عبد الناصر… بقاؤهم بأشكال مختلفة، إنه الولاء الغيبي للبطل/ الوهم.

يرتبك المشهد الإبداعي في تخليه عن البطل الوهم، ويعجز عن تشكيل البطل الفني المنحوت من معاصرة البطل الذي يستجد يوميًا، على شكل مختلف، العقل الإبداعي ربما لا يعرف بعد البطل الفكرة، الفكرة الخلاقة التي ستقود الكون، كما يقود “الوندز” كل عمليات الكمبيوتر الديناميكية.

ينتقل العالم الإبداعي في السينما العالمية، إلى استكشافات علمية، يحققها البطل الخلاق، البطل المتنبئ، البطل الفكرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق