سلايدرقضايا المجتمع

منع الديمقراطية وجائحة التأميم.. علاقة وطيدة

يستدعي عنوان المقال الإجابة عن سؤال أول: تُرى ما العلاقة بين الديمقراطية والاقتصاد؟

لا شك أن من لا يملك قوتَ يومه لا يملك أمره، فمن لا يملك يقع فريسة تبعية، أو خضوع، لمن يملك. هذا قانون طبيعي يدركه كل البشر بحدسهم الفطري. لذلك يسعى البشر لامتلاك قوت يومهم، حتى لا يكونوا عبيدًا للآخرين، وليضمنوا الحفاظ على حرياتهم وكراماتهم.

يستعيد خبرٌ صحفي، في أيار/ مايو الفائت، عن نية النظام السوري الاستيلاء على أملاك المهاجرين، في حال عدم عودتهم إلى البلاد خلال شهر واحد، وكذلك خبر تأميم قام به النظام طال مؤسسة خاصة قبل أيام، سيرةً مؤلمة قديمة لقانون صدر عن سبق إصرار وترصد، كان القصد منه قتل الاقتصاد السوري، بل اغتيال سورية بعد محاولة امتلاكها من قبل حزب البعث، ولاحقًا من الأسر الحاكمة، في استعادة لفكرة الحكم الملكي الذي يملك البلاد والعباد.

ستكون فضيحة التأميم الذي جرى قبل أيام لمؤسسة خاصة في دمشق مناسبةً لإجراء قراءة مفترضة لهذا القانون، في سياقه السياسي التاريخي، ساعة صدوره سنة 1961، وما كشفت عنه تداعيات تطبيقه العبثي الجائر.

بدايةً، لا بدّ من الاعتراف بأن نظام الجمهورية العربية المتحدة لم يكن نظامًا يعمل لمصلحة الشعب السوري فعليًا، على الرغم من أن الشعب السوري كان في غالبيته قد صوّت لدولة الوحدة تلك، بل كان نظامًا هجينًا ناصريًا بعثيًا ذا طابع فردي زعاماتي أولًا، تابعًا للقاهرة ثانيًا، معاديًا للحريات الاقتصادية والسياسية ثالثًا.

والتأميم، تبعًا لذلك، كان أداة في يد النظام الأمني الحاكم داخل سورية، لمعاقبة الخصوم السياسيين الذين يملكون القوة المالية وأتباعهم المناوئين لهذا النظام، وهو ما بدا واضحًا منذ آذار/ مارس 1963. كما أنه كان وسيلة عبد الناصر لإضعاف سورية المزدهرة اقتصاديًا وسياسيًا، ليسهل التحكم فيها، وفي حكمها دون مقاومة.

لذلك يصبح التأميم (بعبعًا) يخيف المعارضة، ووسيلة متوافرة دائمًا لأي نظام دكتاتوري جديد، يلجأ إليه لمحاربة خصومه السياسيين، وقلعهم من جذورهم، عبر الاستيلاء على شركاتهم وممتلكاتهم؛ هذا ما فعله مثلًا نظام السيسي مؤخرًا باستيلائه وإغلاقه لشركات الصرافة، وسواها من شركات ومؤسسات يملكها موالون للرئيس المسجون محمد مرسي.

وثالثًا، التأميم -كما تجسد واقعًا من خلال غير نظام انقلابي عربي- يقوم على شهوة الامتلاك السريع غير المشروع لأملاك الآخرين، عبر سرقة قانونية لأملاك الآخرين (الخصوم غالبًا) فضلًا عما يقوم عليه هذا الإجراء اللصوصي من استبدال طبقة بطبقة، أو بالأحرى استيلاء الفقراء الذين وصلوا إلى السلطة بالانقلاب العسكري، على أملاك الأغنياء وأبنائهم الذين بنوا مصانعهم بتراكم الجهد وفضل القيمة عبر عقود وأجيال.

وتاليًا، لا بد من القول إن التأميم لم يبدأ في سورية مع تأميم قطاع الصناعة، أو في مصر، مع تأميم قناة السويس، بل بدأ قبل ذلك بنصف قرن تقريبًا في الأرجنتين التي تعتبر أكثر دولة في العالم -إذا ما استثنينا سورية والسودان- جرت فيها عمليات تأميم طالت شركات عديدة، وطالت كذلك بعض القطاعات الاقتصادية والخدمية. وقد تكون “إسرائيل” أقلّ دولة من بين تلك الدول التأميمية طالتها هذه اللوثة، فلم يصدر فيها أي قرار تأميم، باستثناء قرار متأخر صدر في بداية الثمانينيات طال بنكًا واحدًا فقط، ولأسباب اقتصادية بحتة.

وإذا ما عدنا إلى نص المادة التي يستند إليها القاضي والنظام لإجراء عملية حجز ممتلكات الناس؛ فسنجد أن منطقها أقرب إلى العدمية، أو العبثية، أو البدائية المضحكة، فالمادة إياها تنص على أن مصادرة الشركة، أو العقار الفلاني، هو لمصلحة الدولة والشعب.

خطورة التأميم بما يلحقه من إجراءات ونتائج:

كان التأميم خطوة ضرورية لتدمير السياسة والثقافة والطبقة المالكة مع الطبقة العاملة، بواسطة تدمير الصناعة، لحقه بعد ثلاثة عقود تدمير للنقابات التي تحركت ضد فاشية النظام.

لقد كانت الغاية من تأميم الصناعة السورية، على الأغلب، تدمير تلك الصناعة بقرار إقليمي، وتحويل أولئك الصناعيين إلى تابعين للنظام، أو تهجيرهم خارج البلاد مع أموالهم التي تمكنوا من تهريبها، وتحويل الطبقة العاملة الصناعية إلى موظفين في الدولة وعمال خدمات وعساكر ومتطوعين في الأمن والشرطة؛ أي أن التأميم كان إجراءً لصالح الدولة كليًا، وضد مصلحة المجتمع. فمع زيادة الاعتماد على وظائف الدولة، لن يعرف المجتمع استقلالية اقتصادية كانت تؤمنها له الصناعة، وبالتالي ستتدهور السياسة، وهي أصلًا كانت في طريقها إلى التأميم أيضًا، بعد عقد واحد.

قرار انقلاب البعث سنة 1963 غير المسؤول، بتأميم الصناعة السورية، كان المقصود منه تدمير الصناعة السورية، فقد خرجت أكثر من ثمانين في المئة من المصانع المؤممة من الخدمة، وبيعت بعض المصانع كحديد خردة. وهو تأميم يختلف عن تأميم جرى بعد دستور 1950 الذي نصت إحدى مواده على حق الدولة في تأميم منشأت لصالحها، حيث أممت شركات الكهرباء، وفي 1955 تم تأميم الخطوط الحديدية، كما أنه يختلف عن قرارات التأميم في شباط 1961، بتأميم المصارف وشركات التأمين، وقطاعات النسيج والمطاحن والبناء، وفي سنة 1964 تم تأميم شركات النفط، وفي السنة التي تلتها 1965 تمّ تأميم معظم القطاعات الصناعية والتجارية السورية.

هكذا؛ تصبح لدينا خارطة تاريخية واضحة لتطور الحالة السورية، من تدمير الصناعة في الخمسينيات إلى تدمير السياسة في السبعينيات، إلى تدمير النقابات في الثمانينات.

أما بالنسبة إلى العالم العربي، ففي كل قرار تأميم صدر ونفذ كانت هنالك إرادة سياسية أولًا تتقصد إذلال الخصوم، وإفقارهم ثانيًا، وتحاول التضييق على الحريات بغاية خنق الديمقراطية، أو منعها أخيرًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق