سلايدرقضايا المجتمع

ملاحقة مجرمي الحرب في سورية مستمرة رغم العوائق

أربع دول أوروبية فقط تطبق مبدأ الصلاحية القضائية العالمية.. هي ألمانيا والنمسا والسويد والنرويج

المأساة السورية التي يعانيها الشعب السوري، منذ أكثر من سبع سنوات، لم يشهد لها التاريخ مثيلًا، سواء من حيث العدد الهائل لأعداد الضحايا والمهجرين والمختفين قسريًا في سجون الأسد، أو من حيث حجم الدمار الهائل والنهب الواسع الذي طال البشر والحجر… إلخ. إلا أن المجتمع الدولي بقي عاجزًا عن وضع حد لهذه المأساة التي شكل استمرارها وصمة عار على جبين الإنسانية.

وعلى الرغم من محاولات السوريين العديدة لإقناع المجتمع الدولي بضرورة ملاحقة مرتكبي الجرائم المرتكبة في سورية، ومحاكمتهم، سواء من خلال إحالة ملف الجرائم المرتكبة بحق السوريين إلى محكمة الجنايات الدولية، أو إنشاء محكمة خاصة بسورية، على غرار المحكمة الخاصة بيوغسلافيا السابقة، فإن تلك المحاولات اصطدمت بعدم الاستجابة الدولية لها، وعدم قدرة مجلس الأمن، وعجزه عن اتخاذ أي قرار بهذا الشأن، بفعل الفيتو الروسي الجاهز دائمًا على ما يبدو لتعطيل ومنع اتخاذ أي قرار من مجلس الأمن في هذا الصدد. وهذا ما شجع المجرمين على التمادي في إجرامهم بحق السوريين، وأعطى رسالة واضحة أن إمكانية الإفلات من العقاب ما زالت متاحة للمجرمين لمواصلة إجرامهم، وهو ما يتناقض وشرعة حقوق الإنسان، والمواثيق الدولية كافة، التي تدعو إلى ملاحقة المجرمين ومحاسبتهم.

إلا أن السوريين لم يستكينوا، ولم يستسلموا لهذا الصعوبات، بل واصلوا جهودهم في البحث عن أي طريقة ممكنة تفتح ثغرة في هذا الجدار، ثغرة تفتح الطريق أمام إمكانية ملاحقة المجرمين ومحاكمتهم، لاقتناعهم أنه من دون ملاحقة المشتبه في ارتكابهم جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم التعذيب، لن يكون هناك سلام في سورية، وسيبقى المجتمع السوري تحت رحمة الأحقاد والضغائن والتطرف والعنف والانتقام التي انتشرت بشكل واسع بين السوريين، وهذا ما يهدد الروابط المجتمعية التي تربط بين السوريين كشعب واحد، عاش منذ آلاف السنين على هذه الأرض المسماة سورية.

لهذا لجأ السوريون، في مساعيهم لملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في سورية، إلى طرق أبواب الدول، لا سيما الدول الغربية، لفتح أبواب محاكمها الوطنية أمام الضحايا من السوريين لمقاضاة المجرمين الذين قاموا بتعذيبهم، أو قتل أحد أقاربهم تحت التعذيب، استنادًا إلى مبدأ الصلاحية القضائية العالمية (competence universelle)، هذا المبدأ الذي يسمح بملاحقة المشتبه في ارتكابهم مخالفات جسيمة لحقوق الإنسان، بغض النظر عن جنسياتهم ومكان ارتكاب الجريمة المزعومة، وتقديمهم إلى محاكمها، وفقًا لما نصت عليه اتفاقيات جنيف أربعة لعام 1949، والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، إضافة إلى جرائم الحرب الأخرى، مثل تلك المدرجة في المادة الثامنة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998.

وفعلًا، بعد جهود مضنية وشاقة، تمكن فريق من المحامين والناشطين السوريين في المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، والمركز السوري للإعلام وحرية التعبير، ومجموعة ملفات (قيصر)، بالتعاون مع المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان (ECCHR)، من فتح باب الأمل من جديد أمام السوريين، لا سيما اللاجئين منهم في الدول الأوروبية لملاحقة ومقاضاة المسؤولين عن جرائم التعذيب وجرائم ضد الإنسانية في سورية. وقد نجحوا في تقديم أربع قضايا في ألمانيا، وقضية واحدة في النمسا، بحق عدد كبير من المسؤولين الأمنيين والعسكريين في نظام الأسد الذين يشتبه في أنهم مارسوا التعذيب والقتل المنهجي في حق آلاف من المعتقلات والمعتقلين في مراكز الاحتجاز الأمنية.

في 12 أيار/ مايو 2017، قبِل المدعي العام الألماني النظر في أول دعوى جزائية بخصوص التعذيب في سورية، استنادًا إلى مبدأ الاختصاص العالمي، وأصدر قراره فيها بتاريخ 8/ 6/ 2018، قضى فيه بإصدار مذكرة توقيف بحق اللواء جميل حسن، مدير إدارة المخابرات الجوية في سورية، وهو المتهم بإعطاء الأوامر لمرؤوسيه بتعذيب المعتقلين حتى الموت. ولاقت هذه الخطوة ترحيبًا حارًا من ملايين السوريين، لا سيما من عانوا من ويلات المعتقلات وعذاباتها، وعززت الأمل لديهم بتحقيق العدالة.

ووصف المركز الأوروبي لحقوق الإنسان في برلين، وهو الداعم الأساس لجميع الدعاوى التي رُفعت في ألمانيا والنمسا، في بيان له، مذكرة التوقيف بحق اللواء جميل حسن بأنها “تُشكّل نقطة انعطاف وخطوة مهمة لصالح المتضررين من منظومة تعذيب الأسد، ولصالح الناجين وعائلات الضحايا وللمعتقلين الذين ما زالوا قابعين في مراكز اعتقال الحكومة السورية”، وذلك على حد تعبير فولفغانغ كاليك، الأمين العام لمنظمة المركز الأوروبي لحقوق الإنسان الدستورية European Centre for Constitutional and Human Right. كما أن ذلك “يشكل إشارة مُشجعة لـ 24 شخصًا من الناشطين السوريين والناجين من التعذيب، الذين ساهمت شهاداتهم في الوصول إلى مذكرة الاعتقال”.

حاليًا، يُتابع فريق المحامين السوريين جهوده في ملاحقة المجرمين، من خلال حث الدول الأوروبية على تعديل قوانينها، بما يسمح لمحاكمها بملاحقة مرتبكي الانتهاكات الخطيرة وجرائم الحرب المرتكبة في سورية، استنادًا إلى مبدأ الصلاحية العالمية، علمًا أنه توجد فقط أربع دول أوروبية تطبق مبدأ الصلاحية القضائية العالمية، هي ألمانيا والنمسا والسويد والنرويج.

أخيرًا، يعي فريق المحامين السوريين أن العدالة للسوريين لن تتحقق في محاكم أجنبية بعيدًا عن سورية، ولكن في ظل الوضع الحالي المتمثل بعدم إمكانية إحالة ملف الجرائم المرتكبة في سورية إلى محكمة الجنايات الدولية، أو إنشاء محكمة خاصة بسورية، بفعل الفيتو الروسي، فإن استغلال وجود أعداد كبيرة من اللاجئين في الدول الأوروبية لرفع قضايا ضد المجرمين، وإصدار مذكرات توقيف في حقهم، سيساعد في محاصرة المجرمين، من خلال تقليص الملاذات الآمنة التي يفكر المجرمون في اللجوء إليها، كما أنه يعطي إشارة قوية للمجرمين، وغيرهم، بأن لن يكون هناك إفلات من العقاب، مهما طال الزمن، كما يمكن أن تعطي تلك الدعاوى جرعة أمل للضحايا وذويهم بأن لا يفقدوا الأمل في تحقيق العدالة، طالما أن هناك سوريين يواصلون جهودهم في سبيل إبقاء باب العدالة مفتوحًا، لملاحقة المجرمين ومحاكمتهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق