سلايدرقضايا المجتمع

الأيكونوغرافيا.. أحد (فنون) الثورة المعبِّرة عن التمرد ضد النظام السوري

نال الناشطون من شخصية بشار الأسد عبر إخضاع صوره لجميع أنواع التحولات المهينة

ظهرت في بداية الثورة بعض الأحداث التي أدت إلى أعمال متمردة، ضد كافة أشكال تأليه رأس النظام التي تطورت بشكل خاص إبّان حكم نظام حافظ الأسد، واتخذت أشكالًا أخرى مع وصول ابنه إلى السلطة عام 2000.

وفي نسخة أكثر حداثة، قام الناشطون بإخفاء الصور، أو بإضافات إليها، في صور كاريكاتورية، ليظهر التدهور المادي للشخصيات الرمزية للنظام الحاكم بالقوة، عبر تحطيم تماثيل حافظ الأسد، الحاكم بالحديد والنار (تمزيق صور الرئيس والتبول عليها ودوسها)، أو النظر في العديد من أشرطة الفيديو والصور التي لاقت رواجًا واسعًا في الإنترنت، ووسائل الإعلام الدولي، في إزالة رمزية لاثنين من الشخصيات المحورية في النظام، ولمحو كل ما يمثلهما بشكل واضح في الأماكن العامة، وفي التاريخ. وقد أسفرت أيضًا عن إنتاج الأيكونوغرافيا الرقمية الأصلية موجهة تحديدًا ضد بشار الأسد، إذ استخدم الناشطون صورته، ونالوا من شخصيته، عبر إخضاع صوره لجميع أنواع التحولات المهينة؛ ما أتاح إمكانية الوصول إلى برمجيات إنشاء الصور والتصوير الفوتوغرافي، وتشويهها، أو إخفائها، أو تفكيكها، بفضل التقنيات المختلفة، إضافة إلى عملية التحرير، وإضافة المؤثرات الخاصة في بعض الصور، ليختفي الرمز الرئاسي، ويحل محله الأبطال المجهولون في الثورة. ويستند هذا العنف الرمزي بوساطة الأداة الرقمية إلى التقنيات التقليدية للكاريكاتير، التي تركز على التشوهات، كما أنها تخترع أساليب جديدة؛ ما يسمح بتجاذب وتشتيت المعنى غير المنشور وغير المتوقع، ليحل محلها أبطال المجهول القادمون من الثورة.

يتداخل الجسم الأيكونوغرافي الذي يستهدف الرمز الرئاسي، فيلاحظ المراقب، إذا ما قاس ما يجري بناءً على تحليل إرنست كانتوروفيتش، عملية التفكيك بين الجسم البشري والأرضي للرئيس، ولجسمه السياسي الخالد، إلى أن يستحيل على الرجل المجرد من مختلف أشكال التمثيل الرسمي له، بل على العكس من ذلك تتم إزالة بشار الأسد من مجد جسده الذي يجسد وظيفة سياسية، إلى أن تُعاد الصِبغة الجسدية للفرد المسؤول عن الجرائم التي ارتكبت ضد المتظاهرين (راجع الصورة 1). وليتم التعبير عن هذه الإدانة العارية بمعارضة عامة وخاصة، ولتقلب الطاولة على رمزيته رأسًا على عقب، ويصبح مظهرًا مجردًا حقيقة الجسد المكون من اللحم والمعروض والمتسخ (بالدم أو الطين). كما يتم وضعه في أماكن مثيرة للاشمئزاز، كما هو الحال في المونتاج الفوتوغرافي الذي يظهر بشار الأسد في المجاري، والجزء العلوي من الجسم والوجه الملطخ بالقذارة.

كما يمكن للتقنيات المستخدمة إعادة تشكيل هذه الهيئة الجسدية هنا مرة أخرى، ليظهر البعد العادي الذي يتم إدراكه في فرديته الصورية، باستخدام هذه الطريقة التعبوية لسجله البشع، حيث يتصف بوحشية، ولتشوه صورته وكأنه مسخ بشري، فيتم “إلغاء حدود الجسد”، وتقريع الرئيس وتأنيبه وتأليب الشعب ضد ممارساته القمعية، من خلال المبني على التشابه الجسدي، أو النفسي، الذي يظهر كعنصر متكرر من خلال الاستعارات الحيوانية، كتشويه الأسد الرمزي المرتبط باسم الأسد الحيوان، الذي كثيرًا ما يُستَخدم هذا التعبير في كلام الموالين للنظام أيكونوغرافيًا، مثل تعبير (نظرة الأسود)، وما إلى ذلك عن (ملك الغابة). في المقابل، قام الناشطون بترديد بعض الشعارات، أو الكتابات على الجدران، مطلقين عليه صفة الحمار، أو البطة. وبعض الصور تشكل مخلوقات حديقة حيوانات بتطعيم جزء من جسمه بهذه الحيوانات، وبعضها الآخر يقارنه ويصفه بالزرافة بسبب عنقه الطويل، مما يبرز هذا الفراغ في أعقاب ملاحظة فيليب كاينل التي تذكر أن (الوحش) هو “ما يظهر في ذاته”، يمكن أن نقول إن (ظاهرة الوحش) هي دليل على عدم شرعية الرئيس وخطبه الكاذبة.

الصورة 1

هاجمت البصريات أيضًا الجسم الرئيس للرئيس السياسي وتمثيله الرسمي، من خلال تجسيد جسده الخالي من الإنسانية، ففي بعض الصور يتفتت وجهه مثل قناع ينفجر ويتفكك. حيث أعاد تفسير الشكل من قبل توماس هوبز في كتابه الفلسفي السياسي (الطاغوت)،الذي شارك في إعادة بناء صورة يبتسم فيها الرئيس وهو يلوح للجمهور، مع كلمة (القاتل) الواردة في أحجام مختلفة (راجع الصورة 2)، وسلسلة أخرى من الصور تخرب صور البهجة التي يحاول نقلها زوجان (الأسد بشار وأسماء) في الصحافة المحلية والدولية. ويبدو أنه لا يراعي تمامًا المجازر التي ترتكب ضد السكان المدنيين، التي تم تحميله المسؤولية عنها، في صورة تعبر عنهما كأنهما جزء لا يتجزأ من مشهد الحياة الأسرية السعيدة، حيث نرى أسماء الأسد تبدو بحالة من الوداعة والمودة في الجزء الخلفي من صورتها مع زوجها وأبنائهما على شاشة أجهزتهم المحمولة، في تأثير متصاعد من الناحية الداخلية الفاخرة للصورة المزينة بالعديد من اللوحات الفنية، وتجاهلهم لكافة أطراف النزاع، أو لما يحدث على الأرض بطريقة لا يمكن استيعابها، عند التأمل في مدى سعادتهم.

الصورة 2

وأضاف الناشطون صور الشهداء من الأطفال في صورة الرئيس المتمثلة في الحميمية ضمن دائرة الأسرة، مع استغراب تصرفاته في مواجهته واقعًا هو السبب فيه، ورفضه مواجهته بنفسه. كل هذه العملية لإضفاء الطابع المادي على شخصية السلطة تؤدي إلى اختفائه واستبداله بأبطال عاديين، وبإسقاط ذلك على أحد الملصقات التي تمّ إنتاجها خلال حملة رسمية تم إطلاقها في عام 2005 لصورة رمزية كتبت أنها تمثل الوجه المبتسم للرئيس محاطًا بالعلم الوطني ومدموغةً على خريطة سورية مع نقش “منحبك”[1]. كُتِبت باللهجة السورية العامية “منحبك”، وليس باللغة العربية الأدبية الفصحى، للتأكيد على الطابع الشعبي للبيان. تم عكس ألوان العلم لتظهر أرقام للثورة، أو تاريخها، بدلًا من وجه بشار الأسد، ولتحمل صورة الطفل حمزة الخطيب، الذي اختطف وعمره 13 سنة، وقُتِل على يد قوات الأمن في درعا. وعبد الباسط الساروت الذي تحول من حارس مرمى فريق لكرة القدم الوطني إلى قائد للأحداث، ثم قاتَلَ في حمص مع (الجيش الحر)، كما تم وضع صورة المستشارة الألمانية ميركل تعبيرًا عن شكر الناشطين لاستقبالها السوريين بأعداد هائلة (الصورة رقم 3).

الصورة 3

وتعرض “طوابع الثورة” على صفحة (فيسبوك) لصلاحيات الدولة، لتوليد رموز وطنية جديدة من المتظاهرين المجهولين وضحايا الثورة والمعارضين السوريين المشهورين والمدن أو الأحداث الرمزية للثورة.

هذه النظرة العامة لقواعد اللغة الأيكونوغرافية للثورة غير مكتملة بالضرورة، هي في حاجة إلى بحث أوسع وأشمل. مع ذلك، تكشف هذه اللمحة الموجزة في بحثنا عن أشكالها المتعددة ووفرتها، وهي مشبعة بالعديد من الأنماط والدعامات والسجلات. ويشهد هذا البحث على الدور المحوري للاتصال البصري في هذا السياق الفريد، الذي تفاقم من خلال الربط بين ثلاثة عوامل:

  • الحظر الإعلامي المفروض من قبل النظام.
  • الإفراج عن كلمة تم تكميمها لأكثر من أربعين سنة.
  • إمكانية الوصول إلى التقنيات الحاسوبية والرقمية.

مثلت الأيكونوغرافيا في الشارع، كما هي الحال في الفضاء الافتراضي، دعمًا للتعبير السياسي، وساهمت في تنسيق أعمال الاحتجاجات، فضلًا عن مدى وضوحها، تمامًا كما قدمت رؤية خيالية سياسية في عملية توليد ذاتها على غرار الحاضر، من خلال النفي، وإلغاء ما سبقها، وعدم الإشارة إلى برنامج سياسي معين لا تزال أسسه بعيدة عن كونها ثابتة، فإن الإنتاج الأيكونوغرافي توقف عند أفق معنى الثورة، فنقل شعاراتها، وأبرز بعض شخصياتها بشكل فردي أو جماعي، وأبرزتها كمعالم للثورة، كموضوعات وقضايا ثورية أساسية، فأحسنت اختيار التقنيات، ووسائل الإعلام، وكشفت عن تنوع ممثليها.

تشير هذه الانتقائية أيضًا إلى المساحات المتعددة التي تمّ فيها هذا الإنتاج الأيكونوغرافي، على الرغم من تجزئة الأراضي بسبب القمع، مما صعّب تنسيق الحركة في الميدان. ونلاحظ استقرارًا في الأشكال الأيكونوغرافية، وكذلك تكرارًا للمواضيع. وعلى الرغم من اختلاف الأنماط، ساهمت تقنيات الصور الجديدة في عملية التثبيت هذه، من حيث إنها سمحت بإعادة تدويرها، وتداول النتاج الأيكونوغرافي، وإطلاق العنان لمخيلة الناشطين والثوار. كما قاموا أيضًا بتوثيق النتاج الأيكونوغرافي والتجربة، وأداء الاحتجاج، وذلك بفضل الفيديو.

علاوة على ذلك، فإن مساحة الانتشار، وخلق الصورة الرقمية، تجعل من الممكن التحايل على القمع. فمن ناحية، حافظت على المادية، وذاكرة الإنتاج الأيكونوغرافي الواضح في الشارع، ومن ناحية أخرى شكلت مساحة بديلة للإبداع والتداول، وتجاوزت الرقابة على وسائل الإعلام. وقامت الأيكونوغرافيا بوساطة التقنيات الرقمية بتعبئة الشارع برؤية مختلفة، تحركت ذهابًا وإيابًا بين المساحات المادية والافتراضية بين المقاييس المحلية والوطنية والعالمية.

ومن ثم، فإن النقاط المتعددة للانتشار بين الاستخدامات المختلفة للأيكونوغرافيا في التعبئة الجماعية، والأشكال المختلفة للنشاط على الإنترنت، من خلال الفيديو، ظهرت على نطاق أوسع.

ودعمت القواعد الأيكونوغرافية للثورة في سورية أساليب التفكير في الطرق التي تمّ فيها تجديد الأيكونوغرافيا الاحتجاجية، واستخدامها في التواصل الرقمي في مادتها المادية، وكذلك في فضاءات التصنيع والانتشار، حيث أصبحت وطنية، ومن ثم عالمية.

هامش:

[1] – اطلق شعار “منحبك” بعد أن تم نبذ النظام على الساحة الدولية المشتبه في تورطه في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. أدى هذا الحدث إلى نشوء استعراض وطني نظمته شركات اتصالات خاصة متصلة بالنظام: الملصقات، واللافتات، والأعلام السورية، والهتافات لتمجيد الرئيس. بعد ذلك، احتلت الفضاء العام للعاصمة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق