أدب وفنون

أيمن باي: القضية السورية الراهنة تسكن في الشاعر السوري وفي قصيدته

“بدا الأمر وكأن خصامًا حادًا بين قصيدة النثر -كشكل شعري حُسم أمر مشروعيته- والنقد الأكاديمي الذي بقي معتصمًا في كهفه. وظلّت الجامعة متأخرة نصف قرن على الأقل عن تطورات القصيدة العربية، واكتفت بـ (الروّاد) وغضت الطرف عن تجارب أساسية تشق مسارات القصيدة العربية الآن. ومن هذا المنظور؛ تبدو محاولة أيمن باي مع تجربة نوري الجرّاح الشعرية تحليقًا خارج السرب، وإن كان متأخرًا”. بهذه الكلمات قدّم ناشر كتاب (النزوع الدرامي في شعر نوري الجرّاح) الصادر عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر”، بيروت – عمّان 2018، (218 صفحة من القطع المتوسط)، لمؤلفه الناقد الأكاديمي التونسي أيمن باي.

(جيرون) التقت المؤلف للوقوف معه على أهم ما جاء في دراسته النقدية الصادرة في كتاب، في آذار/ مارس الماضي، فكان هذا الحوار:

– صدر لك مؤخرًا كتاب (النزوع الدرامي في شعر نوري الجرّاح). حدثنا عن بداية تبلور فكرة هذه الدراسة؟ ولماذا الشاعر نوري الجرّاح تحديدًا؟

= لا شيء يغري الباحث أكثر من فكرة بحث طريفة ترتاد آفاقًا بكرًا في النقد الأدبي، وتحفر في أرض المعرفة في مكان لم يحفر فيه ولم يكتشف ما في أغوارها من سحر وجمال.

لقد كان شغفي بدراسة حداثة النص الشعري الحديث، ومن ضمنها دراسة الشعر الدرامي الحديث واستقصاء تطور حضوره من قصيدة إلى أخرى ومن شاعر إلى آخر، تطورًا بلغ بنا اليوم مرحلة دراسة الدرامي في قصائد النثر، وهو أمر حداثي لم يكن مطروحًا من قبل. أول دافع يحثني على إنجاز دراسة أكاديمية حول هذا الموضوع.

أما عن سبب اختياري الشاعر نوري الجرّاح دون غيره شاعرًا أبحث في مدونته، وتحديدًا مطولته (الأيام السبعة للوقت) فذلك يعود إلى الصدفة التي أخذتني بغتة إلى عالم نوري الجرّاح الشعري، عندما وقع بين يدي ديوانه (يوم قابيل)، وظللت أسير تلك الشعرية المتوهجة والمغايرة للسائد وإلى كثافة العناصر الدرامية في (الأيام السبعة للوقت) رغم أنها قصيدة نثر، فتبادرت في ذهني شرارة أولى، كيف يحضر الدرامي، بما يشمله من خصائص مثل الطول في قصيدة نثر التي تقوم على الإيجاز من حيث الكم، والمجانية من حيث المضمون؟ وتلك الإشكالية على غرار وعينا بأهمية تجربة نوري الجرّاح الشعرية، ورغبتنا في قراءة ما لم يقرأ فيها كانت السبب في اختيارنا له شاعرًا نبحث في نموذج من شعره.

– ماذا عن المصاعب والتحديات التي واجهتك أثناء إنجاز الدراسة؟

= تتمثل المصاعب والتحديات التي واجهتني، أثناء إنجاز الدراسة، في قلة الدراسات الجادة في شأن النزوع الدرامي في الشعر العربي الحديث، إلى جانب قلة الدراسات التي تعنى بتجربة نوري الجرّاح الشعرية. إضافة إلى إشكالية التعامل مع مقومات الدراما ومضمونها في قصيدة مكثفة تعنى باللغة قبل أي شيء آخر، وتذهب بضروب التخييل إلى أقصاه حتى يغيب المعنى أحيانًا في متاهات القراءة والتأويل ويصعب استنطاق القصيدة والبحث في المشاهد الدرامية في ظل الكثافة والغموض، وهذا خلافًا لأغلب القصائد الدرامية التي تنزع إلى التقريرية والوضوح، ولعل الصعوبة الكبرى التي واجهتنا هي كيفية التقيد البنيوي بالنص الشعري، من دون الانزلاق في متاهات الأيديولوجيا وإطلاق أحكام سياسية قد يجرني إليها موضوع (الأيام السبعة للوقت) الذي يتعلق بالحرب السورية، فرهان الباحث أن يكون موضوعيًا قدر الإمكان.

– تحتوي قصيدة نوري الجرّاح (الأيام السبعة للوقت) على جملة من العناصر الدرامية التي أصبحت اليوم، بفضل تراكم التجربة الشعرية، عناصر درامية ضرورية في كل قصيدة تنزع إلى الدرامي. وقد سعيت في دراستك للوقوف على العناصر الدرامية المهيمنة في هذه القصيدة وهي: المشهد الدرامي، القناع، الحوار الداخلي، تعدد الأصوات، التقنيات السينمائية، والصراع، الذي اعتبرته أهم هذه العناصر؛ فهل لك أن تضيء على هذه الفكرة؟

= يقول (ت. س. إليوت): “إن النموذج الشعري والنموذج الدرامي لا بدّ أن يظلا معًا نتاجين متكاملين لعمل خيالي واحد”. وهو الأمر الذي كان نوري الجرّاح على وعي به؛ فعمد إلى إثراء مطولته (الأيام السبعة للوقت) بعناصر درامية مختلفة، ساهمت، جميعها، في التعبير عن المضمون الدرامي للقصيدة (الحرب السورية)، وفي تشكيل البنية الحداثية لها التي أبرزت أن قصائد النثر قادرة على احتواء البناء الدرامي، وباستطاعتها أن تفيض عن إيجازها وتغمر العالم دون أن تتخلى عن توهجها، وهو الرهان الذي نجح الشاعر في تحقيقه.

– توقفتَ في الدراسة عند التضاد (الطباق)، أو تلك الثنائيات التي يبني بها الشاعر مشاهده. سؤالي: إلى أي مدى أولى نوري الجرّاح اهتمامًا كبيرًا في بناء قصيدته؟

= يمثل التضاد آلية فنية أساسية يبني بها الشاعر الدرامي مشاهده، فيشحنها بالحركة التي تستوعب في صلبها مفارقات الحياة، فالنص الذي يتنامى من خلال ما يحمله من تناقضات هو النص القادر على بلوغ مرحلة الأداء الدرامي، وقد كان نوري الجرّاح واعيًا بذلك؛ فأكثرَ من الثنائيات التي تعبر في سياقات قولها على “التقابل بين طريقين متنافرين متجاذبين في تجربة الشاعر، يقسمان وجوده النفسي والفكري إلى شطرين متباعدين”، على حد قول الدكتور علوي الهاشمي. ولذلك فإن الاهتمام الذي أولاه نوري الجرّاح بالتضاد هو حرص على رسم صور الصراع والتنافر والتناحر في المشاهد الدرامية للمطولة.

– حدّثنا عن أهم استخلاصات دراستك هذه؟

= استطعتُ أن أتوصل، في أثناء إنجاز الدراسة وبعد الانتهاء منها، إلى جملة من النتائج التي تمثل لبنة أولى في مجال حضور الدرامي في الشعر العربي الحديث وفي قصائد النثر على وجه التحديد. آمل أن تتعمق وتتأكد بمزيد من الدراسات الجادة في هذا المجال، ولعل أهم ما توصلت إليه هو أن مفهوم الدراما مفهوم مركب ومتطور، وهي الخصائص التي جعلت من إمكانية عودته إلى الشعري ممكنة، بعد هيمنة الغنائية على الشعر خاصة مع الرومنطيقيين. ورأيت أن حضور الدرامي في الشعر عاد بعد تطور الممارسة الشعرية وتغير القضايا التي أصبحت تشد الشاعر أكثر من أي وقت مضى إلى الهم الجماعي، وتبعده عن سلطة الأنا وهيمنة الذات على القصيدة، وهو حضور يجيء في إطار الأجناس الوسطى المتفرعة عن التصنيف الأجناسي التقليدي (درامي، ملحمي، غنائي) الذي لم يعد قادرًا على احتواء الممارسات الشعرية المتطورة باستمرار التي أخذت تتوالد من رحم التجريب على نحو لافت، لم يستطع معه النظام الأجناسي مواصلة التصنيف تحت لوائه. ولعل الأهم من كل ذلك أنني أبرزت أن قصيدة النثر قد تطورت في الشعرية العربية المعاصرة، واستطاعت أن تتخلص من مجانيتها وانغلاقها على كونها الشعري الداخلي، وأن تغوص أكثر في قضايا المرجع الذي تنتمي إليه من دون أن تتخلى عن رهانها الجمالي، الأمر الذي نجح نوري الجرّاح في تحقيقه.

– الكلام على إشكالية الأدب الملتزم يحيلنا بالضرورة إلى الكلام على إشكالية السياسي والثقافي. برأيك؛ إلى أي مدى هيمن الخطاب السياسي على الشعر السوري في السنوات السبع الأخيرة عامة، وعلى قصائد نوري الجرّاح على وجه الخصوص؟

= يعرّف الشاعر الألماني فريدريش هولدرلين الشعرَ بأنه “تحويل العالم إلى كلمات”، فهو مرآة للواقع، بكل ما يحمله من هموم وشواغل، ولذلك لا يستطيع الشاعر أن يولي ظهره لقضايا مجتمعه، ويظل أسير ذاته لا يخرج عنها في القصيدة أو يحيد، لقد أصبحت القضية السورية الراهنة تسكن في الشاعر السوري وفي قصيدته التي أصبحت مخضبة بالدم والعار؛ لذلك من الطبيعي أن تصبح المأساة السورية بؤرة دلالية، عند جلّ شعراء سورية، ومن بينهم نوري الجرّاح الذي حافظ في السنوات السبع الأخيرة، منذ ديوانه (يوم قابيل) إلى ديوانيه الأخيرين: (قارب إلى ليسبوس) و (نهر على صليب)، على القضية السورية من دون أن ينزلق في الخطاب التقريري المباشر، بل عمد إلى أن يجدد في كل مرة، في أدواته الفنية، وفي تشكيل الصورة بطريقة تترك للشعر توهجه وبريقه، على هيبة الموضوع وخطورته.

– هناك من النقاد والكتّاب مَن يرى أن الكتابة (نثرًا وشعرًا) عن السنوات السورية العجاف الماضية تحتاج إلى بعض الوقت لتنضج عن صفتها الانفعالية. ما رأيك؟

= لا أعتقد ذلك، الكاتب كائن انفعالي يحركه الواقع فيتفاعل معه بكل وجدانه معبرًا عما يختلج في ذاته من مشاعر ومواقف، وهو بهذه الصفة يحوّل كل لحظة راهنة إلى موضوع آني للكتابة يعبّر عنه بما فيه من عفوية وجنون ويظل مسكونًا به، يعيد صياغته في كل مرة مواكبًا تغير الوضع واتضاحه، فهو يعيش اللحظة منذ ولادتها بكل انفعالية، ثم يكبر معها وينضج موقفه وتتزن رؤيته، بما في ذلك الكتابة عن السنوات السورية الماضية.

– كيف تقوّم مسار الشعر السوري اليوم من خلال قراءتك الخاصة؟

أستطيع أن أقول، دون أدنى تحفظ: إن الشعر السوري يحظى بمكانة أثيرة في الشعرية العربية، فإذا وقفنا عند نزار قباني، أدونيس، محمد الماغوط، نوري الجرّاح وغيرهم كثير من الشعراء؛ فسنجد أنهم من رواد الحداثة والتجديد إبداعًا وفكرًا، وتحت ظل هذه القامات السامقة سار كثير من المبدعين الجدد ليس في سورية فحسب بل في كل الوطن العربي؛ فاللافت أن الشعر السوري مرّ عبر مساره الطويل بتحولات كبيرة في الشكل والمضمون، وقاد الحداثة الشعرية العربية إلى اليوم، القصيدة السورية هي القصيدة الرائدة هاجسها التجديد والتطور.

– من منظورك، ما هو المطلوب من النقد الأكاديمي، وما هي ضرورته أصلًا للشاعر؟

كثيرًا ما يُطرح هذا السؤال بشكل إشكالية جوهرية: علاقة النقد بالشعر، وليس من الصعب أن نبين أنهما يمثلان، معًا، كونًا إبداعيًا متجانسًا؛ فالنقد ضروري لقراءة الشعر والوقوف على مظاهر الجمال والتجديد فيه، وهو بذلك مطالَب بأن يواكب حركة التجريب الشعري التي لا تكف عن التطور، حتى لا تظل هناك مسافة ثقافية بين النقد والإبداع، ويجب على حركة النقد أن تنبثق من بيئة الشاعر ومن طبيعة القصيدة، حتى لا تكون قراءتها غريبة، ولعل من إشكالات قصيدة النثر العربية اليوم أن الإطار النظري سابق لها ومستلهم، جله، من الإطار النظري لقصيدة النثر الفرنسية، فجاءت قصيدة مقلدة غريبة عن أصلها، فظل القارئ العربي بعيدًا عنها، يهجرها، لأنه وجد نفسه غريبًا فيها، ولذلك يجب على النقد الأكاديمي أن ينتج جهازه الإجرائي بعد تراكم تجربة شعرية معينة، فيقرأها في بيئتها ولا يفرض عليها شيئًا. ومن جهة أخرى، يظل الشاعر دائمًا في حاجة إلى النقد فهو يسلط الضوء على شعره ويقربه للقارئ.

– في ختام حوارنا، ما هو المشروع الذي تعمل على تحقيقه حاليًا؟

في الحقيقة، لي أكثر من مشروع أعمل عليه الآن، بدأت منذ فترة بدراسة التحوّلات الإيقاعية في شعر نوري الجرّاح منذ ديوان (يوم قابيل) إلى ديوان (نهر على صليب). وأعمل أيضًا على دراسة “الاتجاه السريالي في الشعر العربي الحديث”، وهي دراسة تأصيلية عميقة تقف على ظاهرة فنية لافتة للنظر في الشعرية العربية، تعتبر عند كثير من النقاد أولى حركات الحداثة الشعرية.

يشار إلى أن الناقد والباحث الأكاديمي التونسي أيمن باي من مواليد مدينة “منزل تميم” بمحافظة نابل في تونس، في 29 تمّوز/ يوليو 1989. وهو أستاذ وباحث في الأدب العربي الحديث، مهتمّ بتحليل الخطاب الأدبي. تحصل على الإجازة في اللغة والآداب والحضارة العربية من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة تونس عام 2011. كما تحصل على شهادة الماجستير في الأدب العربي من نفس الكلية عام 2017.  وهو عضو في “الجمعية التونسية للأدب المقارن”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق