تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

“نبوءة” روسيا في إدلب.. إعلان مسبق عن استخدام النظام للسلاح الكيمياوي

ضربة كبيرة قد تساعد في حسم المعركة لصالح نظام الأسد والروس بسرعة أكبر

نرجو أن تكون توقعاتنا غير دقيقة، لكن يبدو أن النظام السوري، وحليفه الروسي، يُعدّان لهجوم كيمياوي قد يستهدف جسر الشغور، أو مناطق من ريف اللاذقية الخاضع لسيطرة المعارضة.

الحديث الروسي المكثف، في الساعات الأخيرة، عن هجوم كيمياوي مزعوم تعِدّ له (هيئة تحرير الشام)، بالتنسيق مع (الخوذ البيضاء)، يؤكد وجود نيّة روسية – أسدية مبيتة لاستخدام الكيمياوي، خلال المعركة المرتقبة، التي قد تكون واحدة من أصعب المعارك التي خاضها نظام الأسد وحليفه الروسي.

ما يدعم هذا التوقع الإنذار الغربي الأخير، من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا، بأن الثلاثي المذكور سيرد بشدة على أي استخدام للكيمياوي من جانب نظام الأسد، في المعركة المرتقبة في إدلب.

يتّبع الروس، هذه المرة، استراتيجية سياسية – إعلامية استباقية، للإيحاء للعالم بأن الهجوم الكيمياوي الذي سيحدث كان معلومًا مسبقًا من جانب موسكو، التي حذّرت من أن المعارضة بصدد تنفيذه. ويراهن الروس على ضآلة ردة الفعل الغربية، والأميركية تحديدًا.

لكن، لماذا يعتزم الروس ونظام الأسد استخدام الكيمياوي في المعركة المرتقبة؟

تشير كل التسريبات والتصريحات المتواترة مؤخرًا، إلى أن المعركة القادمة ستركز على ما بقي من ريف اللاذقية في قبضة المعارضة، وصولًا إلى مدينة جسر الشغور، التي تمثل صلة الوصل بين إدلب والساحل السوري.

وتلك المنطقة، التي تنشط فيها (هيئة تحرير الشام) تُعدّ صعبة جغرافيًا، لكونها سلسلة من التلال الجبلية والوديان؛ الأمر الذي يجعل هامش المناورة، في حرب العصابات التي سيتبعها مقاتلو (تحرير الشام)، وفصائل أخرى إلى جانبها، هامشًا واسعًا، يساعد في التخفيف من وطأة الضربات الجوية للطيران الروسي. وفي هذه الحالة، فإن صدمة من قبيل ضربة كيمياوية كبيرة قد تساعد في حسم المعركة لصالح نظام الأسد والروس بسرعة أكبر، بدلًا من التورط مدة طويلة في قتال الجبال مع جماعات (جهادية) لا خيارات كثيرة أمامها، إلى جانب خيار القتال حتى الموت.

بطبيعة الحال، يقدّم الإعلام الروسي والموالي لنظام الأسد قراءة مختلفة، لنبوءة الهجوم الكيمياوي المرتقب؛ إذ إنهم يقولون إن الغرب غير راضٍ عن الهجوم الذي يستعد له نظام الأسد وحليفه الروسي على ريف اللاذقية وريف إدلب الغربي. لذلك، أرسل الغربُ رسالة تحذير من هجوم كيمياوي جديد، تلقته (هيئة تحرير الشام) التي بدأت تُعدّ، بالتنسيق مع عناصر الدفاع المدني (الخوذ البيضاء)، لهجوم كيمياوي مزعوم، يتم تصوير تداعياته، ويتم ترويجه إعلاميًا، بأنه من صنع النظام، كي يكون ذلك ذريعة للغرب لتوجيه ضربات عسكرية لنظام الأسد.

لكن، ماذا قدمت هذه الذريعة للمعارضة، في مواقف سابقة مشابهة؟ دعنا نفترض جدلًا أن الهجوم الكيمياوي الذي حدث في دوما، في نيسان/ أبريل الفائت، كان من إعداد المعارضة، حينئذ، حسب ما تدعي موسكو وحليفها الأسد. ما الذي حدث بعد هذا الهجوم؟ حدثت ضربة عسكرية أميركية – بريطانية – فرنسية لا قيمة نوعية لها، ضد مؤسسات خاضعة لنظام الأسد، لم تغيّر أي شيء في المعادلات على الأرض. بل على العكس تمامًا؛ ففيما كانت المفاوضات بين نظام الأسد و(جيش الإسلام) تتعرض للفشل، قبيل الضربة، سرعان ما استسلم (جيش الإسلام)، ووافق على اتفاق التهجير مع النظام، بعيد الضربة الكيمياوية. وبعد أن تم اتفاق التهجير، جاءت الضربة العسكرية الغربية؛ الأمر الذي يؤكد أن هذه الضربة لم تكن تستهدف دعم المعارضة، بل كانت تستهدف، فقط، حفظ ماء وجه الغرب، الذي حذّر الأسد مرارًا من استخدام الكيمياوي.

وفي السابقة التي قبلها، في هجوم خان شيخون، في نيسان/ أبريل 2017. وجّهت الولايات المتحدة الأميركية ضربة عسكرية مقتضبة ضد مطار الشعيرات، لم تغيّر شيئًا في المعادلات على الأرض. حتى إن المطار سرعان ما عاد للعمل، بعد فترة وجيزة.

الحوادث السابقة، التي كانت تترافق مع كل هجوم كيمياوي للنظام، تؤكد معادلة بسيطة: أنّ ردات فعل الغرب خجولة، هدفها حفظ ماء الوجه، في مواجهة استهتار الأسد، وحليفه الروسي، بالخطوط الحمراء التي رسمتها القوى الغربية الكبرى، في سورية.

وفي كل مرةٍ يقع فيها هجوم كيمياوي، كان الأسد والروس ينفذانه لهدفين: الأول تجاوز استعصاء ميداني من جانب قوى المعارضة، والثاني النيل مجددًا من هيبة الغرب، وإحراجه.

وهكذا، يبدو أن المشهد يُعدّ في ريف اللاذقية الشمالي، وجسر الشغور، لتكرار هجوم كيمياوي جديد؛ لمواجهة استعصاء ميداني مرتقب، في مواجهة قوات نظام الأسد وغطائه الجوي الروسي، في منطقة جبلية وعرة، من قِبل مقاتلين إسلاميين، يضيق هامش الخيارات المتاحة أمامهم.

في مواجهة الاحتمالية العالية لحدوث هجوم كيمياوي كهذا؛ ينبغي للجهات المسؤولة في ريف اللاذقية المحرر، وريف إدلب الغربي، أن تتخذ التدابير اللازمة، كي تكون تداعيات هجوم كهذا على المدنيين في حدودها الدنيا. وهي مسؤولية تقع بصورة رئيسة على (هيئة تحرير الشام)، والمؤسسات المدنية التي تتبع لها، وتتولى إدارة تلك المناطق.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق