تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الحاج علي لـ(جيرون): نمط جديد من العلاقات الدولية سيلقي بظلاله على سورية

ستكون الثورة السورية علامة تاريخية لنظام عالمي جديد ستتضح ملامحه أكثر في السنوات القادمة

قال الدبلوماسي السوري السابق بشار الحاج علي: إن الواقع الدولي الجديد يستدعي وجود مرحلة جديدة من العلاقات الدولية تختلف عما قبل الثورة السورية، وإن نمطًا جديدًا من هذه العلاقات سيُلقي بظلاله على النظام الدولي على المدى المنظور، وستكون إطلالته الأولى في القضية السورية.

الدبلوماسي السوري السابق بشار الحاج علي

وسلط الحاج علي، في حديث إلى (جيرون)، الضوء على هذه التطورات الدولية، ودراسة الحالة السورية من منظور الصراعات الدولية والتواجد العسكري، فقال: “تختلف أسباب ودوافع التواجد العسكري للدول الفاعلة، فأميركا مثلًا، و(التحالف الدولي لمحاربة الاٍرهاب)، تعلن أن هدفها هو (داعش)، بينما تسيطر على أغنى المناطق السورية بالموارد، وخاصة النفط. أما روسيا فتُدافع عن نافذتها على المتوسط من جهة، والسيطرة على أسواق الغاز من جهة أخرى، أما إيران فهي ضمن مشروعها في تصدير الثورة. هذا ما تدّعيه، بينما تسعى إلى السيطرة تحت غطاء عقيدة دينية طائفية، وتعتبر سورية استمرارًا لنفوذها، ونافذة للتأثير على الساحة الإقليمية. أما بالنسبة إلى تركيا فإن هدفها المُعلن صيانة أمنها القومي، ومنع قيام إقليم كردي يُشكّل خطرًا على وحدتها ووجودها، بالإضافة إلى منافستها على تزعّم العالم الإسلامي، ولعب دور إقليمي ودولي”.

وعن سبب تواجد هذه القوى وعدم مصادمتها، وطبيعة العلاقات بينها، قال الباحث في مجال الصراعات الدولية: “من الطبيعي تعذّر استمرار الوضع هكذا. لكنني لا أتوقع أن يتطور إلى مواجهة فعلية. وعلى ذلك؛ لابد من طريقة أخرى لرسم معالم العلاقات الدولية، في منطقة المواجهة الحالية التي تُعتبر من أهم المناطق في العالم، من منظور الجغرافيا السياسية، ناهيك عن كونها ملتقى الحضارات والأديان، وممرات التجارة الدولية، وأهمها مصادر الطاقة التقليدية، أي النفط والغاز”.

حول الصيغة التي يمكن أن تنعكس على القضية السورية، ضمن الأهداف المختلفة لتواجد هذه القوى، وما يمكن أن يحدث سياسيًا، قال: “بالعودة إلى الأسباب سابقة الذكر، وغيرها من الأهداف الاستراتيجية الأخرى، بالنسبة لكل الأطراف؛ لا بدّ من تغيير سياسي في سورية لشرعنة الواقع الجديد. ولا يمكن لنظام الأسد أن يقوم بهذا الدور دون عملية سياسية تُعيد رسم مناطق النفوذ الدولي والسياسة الخارجية، وتغيّر خارطة السياسة الداخلية”.

نفى الدبلوماسي السابق كلّيًا إمكانية إعادة إنتاج نظام الأسد بصيغةٍ ما، موضحًا بقوله: “لا يمكن ذلك، قطعًا، فطبيعية التناقضات الموجودة تعني أن هنالك عدة رؤى تدعم عدة خيارات. وأفضل الحلول ستكون تسوية دولية تفضي إلى انتقال سياسي يعني إشراك السوريين، وهذا لا يمكن تحقيقه في ظل بنية هذا النظام. وبشكل عام، لا تتحمل الأنظمة الشمولية المشاركة، لذلك من الصعب جدًا إنتاج نظام الأسد ثانية”.

وعن السيناريوهات المحتملة لمستقبل التواجد العسكري على الأراضي السورية، قال: “ستكون هنالك مخرجات من هذا الواقع، أي خروج تركيا وإيران مع وجود خسائر ومكاسب لكل منهما، وانحسار الوجود العسكري الروسي إلى القواعد العسكرية في حميميم وطرطوس، والاقتصار على وجود رمزي لأميركا والتحالف الدولي”.

وتابع “على الرغم من أن روسيا وإيران تعتبران وجودهما (شرعيًا)! لا يمكن أن يستمر هذا الوجود ذو الطابع العسكري إلى ما لا نهاية، ولا بد من شرعنة النفوذ والمكاسب لضمان وجود دائم. وهذا يعني ضرورة إحداث واقع سياسي جديد، وهذا الواقع السياسي الجديد لا يمكن لروسيا وإيران شرعنته مع نظام الأسد من دون الشركاء الدوليين، ومن دون مظلة الأمم المتحدة. وهذا يعني التلاقي مع المجتمع الدولي في خطابه العام حول القضية السورية ضمن الرؤية الدولية، أي عملية جنيف المستندة إلى بيان فيينا، وإلى قرار مجلس الأمن رقم 2254. وعلى ذلك؛ نرى التأكيد المتكرر في الخطاب السياسي الرسمي لأميركا والغرب على ضرورة نجاح عملية جنيف، وفق ما سبق من مرجعيات، وربط أي دور في إعادة الإعمار بعملية الانتقال السياسي”.

أكد الحاج علي أن “هذا الأمر سيؤدي بالضرورة إلى جعل التناقضات الحقيقية بين القوى الفاعلة تسير في اتجاه الصفقات، وترجمة هذا هو الخروج بحل سياسي، ويعني ذلك دوليًا نجاح، أو بالأحرى إنجاز العملية السياسة التي تُترجم خريطة النفوذ الجديدة ضمن المفاهيم المتعارف عليها في النظام العالمي، وفِي سياق الحفاظ على المنظومة الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة”.

ونفى الحاج علي إمكانية أن تدفع الدول الغربية إلى حل سياسي، يكون فيه مستقبل لرموز النظام، وقال: “إضافةً إلى المصالح الاقتصادية المتمثّلة بالحصة في إعادة الإعمار، واستمرار تدفق الغاز والنفط، وقضية اللاجئين، هنالك مانع أخلاقي وإنساني تلتزمه وفقًا لدساتيرها، ولمبادئ حقوق الإنسان، التي ضمنها أيضًا الاتحاد الأوروبي، واحترامًا لشعوبها، ولناخبيها، والتزامًا بالموقف الذي اتخذته في مواضع عدة عن مسؤولية نظام الأسد عن استعمال السلاح الكيمياوي، وقضية المعتقلين. كل ذلك سيكون سببًا يحول دون قبول الغرب بإعادة تأهيل (نظام الأسد)، وَلَن تُفلح عملية تحويل الأنظار في اتجاه التنظيمات المتطرفة التي لا يخفى على الحكومات الغربية مصادر دعمها، وخاصة من جانب إيران ونظام الأسد”.

وشدد على أن روسيا غير قادرة على الدفع بعملية إعادة الإعمار في سورية، وهي في حاجة إلى عملية سياسية، وقال “روسيا غير قادرة على إعادة الإعمار، وهي في حاجة إلى دعم الدول الأوروبية لذلك. وهذا ما جعلها تتجه إلى التماشي مع التوجه الدولي في الحل السياسي، والتركيز على اللجنة الدستورية، مستندة في ذلك إلى شرعية وجودها بطلب ممّا تقول إنها حكومة شرعية (نظام الأسد)، حيث ما زال يمثل الجمهورية العربية السورية في منظمة الأمم المتحدة والمحافل الدولية”.

بخصوص مصير إدلب، قال: “الجانب التركي يقرأ جيدًا ما يحصل بعيدًا عن المواجهة الفعلية، فهو لا يسعى إلى مكاسب من الوضع السوري، سوى تحصين جبهته الداخلية، والدفاع عن أمنه القومي بإبعاد خطر وجود دولة، أو إقليم كردي، على حدوده الجنوبية الطويلة، في ظل صراع طويل مع أحزاب كردية معادية، ولها عمقها داخل تركيا. وقد دافعت تركيا بشراسة، وتدخلت عسكريًا، ودعمت الثورة سياسيًا، واستقبلت السوريين على أرضها. ولا مانع من تسليم الحدود، والعودة إلى داخل الأراضي التركية، بعد ضمان زوال أسباب التدخل. وهو طبعًا ليس دفاعًا عن السوريين، بل لصون أمنها القومي، وهو تصرف مشروع في العلاقات الدولية. ولهذا لا يُستبعد أي حل يُلبي هذا، بما في ذلك تسليم نقاط المراقبة للنظام والروس، والضغط على الفصائل للقبول بالتسوية، والدفع بالعملية السياسية التي تضمن مصالحها على المدى المتوسط والبعيد، ولا بد من شرعنة ذلك عبر عملية سياسية، وهو ما تلتقي فيه مع القوى الأخرى”.

عن إمكانية استجابة إيران للضغوط الدولية للانسحاب من سورية، واحتمال قبولها التضحية بدورها الإقليمي، بعد أن دفعت ثمنًا باهظًا لفتح طريق طهران إلى المتوسط، قال الحاج علي: “تحاول إيران الاستفادة من الوقت لإفشال التهدئة التي تقودها روسيا، وتستخدم عملاءها في النظام لخرق التسويات، وكي تُبقي مسوغ وجودها العسكري، بعد أن أدركت أن التغاضي عن وجودها كان لاستخدامها، وليس لمنحها دورًا إقليميًا، كما تحاول أن تظهر. كما أنها في ظروف لا تسمح لها بالمواجهة، فهي على حافة الانهيار الاقتصادي. واجتماعيًا، تتجه نحو ثورة جياع جارفة، وسوف تُساوم على ملفها النووي، والعقوبات الأميركية مقابل وجود رمزي، تحاول أن تُمهّد له بتعابير مثل (تقنين الوجود العسكري)”.

ونبّه أيضًا من خطورة الدور الإسرائيلي الذي استفاد من كل ما جرى في سورية، قائلًا: “لم يكن الكيان الصهيوني (إسرائيل) غائبًا عن الساحة السورية، واستثمر فيها إلى الحد الأقصى، مستفيدًا من كل هذه القوى والتناقضات بالدفع لاستمرار عملية التدمير الشامل لسورية بشريًا وماديًا. وبالنسبة إليه لا يهم من يحكم، ولا مانع من استغلال الأحداث والأشخاص في سبيل ذلك حتى اللحظة الأخيرة”.

ختم الحاج علي بالتأكيد على أهمية القادم من الأحداث، بالنسبة إلى السوريين وثورتهم، وقال: “سيكون للثورة السورية نتائج كبرى يتجاوز تأثيرها الحيز الوطني والإقليمي، وستكون فارقة تاريخية لنظام عالمي جديد ستتضح ملامحه أكثر في السنوات القادمة، ولن ينجح أي حل دون حامل وطني، ولن ينجح الحامل الوطني في إنجاز الحل دون تحقيق مطالب الشعب السوري في الانتقال نحو سورية جديدة ديمقراطية يسودها القانون”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق