هموم ثقافية

مع “إسرائيل” وضد قُبلة!

احذف القبلات الرومانسية المتواضعة من الأفلام السينمائية، لأن هذا الشيء معيب ولا أخلاقي، واذهب ثقافيًا بلا حياء إلى “إسرائيل”، فهذا الشيء غير معيب وأخلاقي أيضًا.

الكلمات السابقة تلخص ذلك التناقض، المضحك والمبكي معًا، التناقض في التفكير داخل عقل النظام السعودي.

إلى أين يا سعودية؟ إلى أين!

لساعة -تقريبًا- وأنا أردد مندهشًا في سري، حتى نهاية الفيلم الصهيوني (حرب الزومبي العالمية) الذي عرضته قناة سعودية، في نهاية شهر تموز الماضي.

يُقال: “إذا لم تستحِ فافعل ما شئت”.. ويبدو أن هذه المقولة تصلحُ في هذه المرحلة، كشعار واقعي للأنظمة العربية في تحولاتها الأخيرة، تحولاتها المخزية أكثر فأكثر.

منذ سنوات قليلة، المملكة العربية السعودية تعيش مجموعة تغيرات كبيرة، لم تشهدها منذ أن أعلن قيامها الملك عبد العزيز آل سعود في 23 أيلول عام 1932، بعد نهاية معاركه وغزواته التي تكللتْ بالنصر، وتوحدتْ أغلب شبه الجزيرة العربية تحت رايته.

يومًا بعد يوم، نسمع أكثر فأكثر عن تفاصيل صفقة مخزية اسمها (صفقة القرن) تلعب فيها السعودية دورًا رئيسيًا، لتصفية القضية الفلسطينية بشكلٍ نهائي، بما لا يتناسب مع الحقوق الفلسطينية والعربية عمومًا.

وقد بدأتْ فعلًا السعودية (مؤخرًا) التمهيد لهذه التصفية المريبة، من خلال وسائلها الإعلامية.. لدرجة أننا صرنا نتساءل مندهشين فاغري الأفواه، هل فعلًا هذه المملكة التي خرج من أرضها العرب يومًا ما في كل الجهات؟! هل فعلًا هذه المملكة التي تضم المقدسات الإسلامية، وسياستها تتنافى كليًا مع مشاعر المسلمين في العالم تجاه “إسرائيل”؟ هل فعلًا هذه المملكة هي ذاتها أوقفتْ ضخ النفط للعالم في حرب تشرين مع “إسرائيل”؟!

ثمّة ما هو غير مفهوم وغير منطقي في السياسة الجديدة للسعودية تجاه “إسرائيل”.

لا يمكن أن ننكر أن كلّ الأنظمة العربية في مراحل سابقة تعاملتْ مع “إسرائيل”، لكن ليس بمثل هذا الشكل الواضح الذي نلمسه في وسائل الإعلام بالسعودية، التي بدأتْ -عبر برامجها وضيوفها- الحديث عن “إسرائيل” وكأنها دولة شقيقة!

كلّ هذه الأسئلة عصفت بذهني خلال الفترة الماضية، عندما عرضتْ القناة السعودية (إم بي سي/ تو) (MBC2) المتخصصة بعرض الأفلام السينمائية، فيلمًا سينمائيًا صهيونيًا بامتياز، يخترع وجهًا أبيض لـ “إسرائيل” ووجهًا أسود للفلسطينيين.

لا أعرف أيندرج عرض هذا الفيلم على قناة سعودية ضمن بنود ما يسمى بـ (صفقة القرن) أم لا؟ ولم أفهم كيف لا يراعي النظام السعودي في تلك القناة السينمائية مشاعر شعبه العربي والمسلم!

قليل من الحياء، يا سعودية، لا يضر!

فيلم الإثارة والرعب (حرب الزومبي العالمية) من إنتاج هوليوود، بطولة الممثل السينمائي براد بيت، وإخراج مارك فوستر، وطبعًا ليس غريبًا أن تنتج هوليوود فيلمًا صهيونيًا، يشوه صورة العرب أو الفلسطينيين وحقوقهم التاريخية، لكن الغريب أن تعرضه قناة عربية في منتصف النهار.

أنتج هذا الفيلم الخبيث عام 2013، وقصته تدور حول موظف في الأمم المتحدة، يكافح ضد فيروس خطير يحول البشر إلى زومبي متوحشين، ويصل إلى “إسرائيل”، ليتعاون مع الموساد في حماية العالم المتحضر من خطر الموتى الأحياء (الزومبي) المحتجزين خلف جدار طويل وعالٍ (جدار الفصل العنصري في إسرائيل) الزومبي يريدون تدمير القدس وتدمير الحضارة وإفناء البشرية. و”إسرائيل” تسعى لإنقاذ البشرية، والفيلم مقتبس عن رواية صدرتْ بالعنوان ذاته عام 2006 لـ ماكس بروكس.

الفيلم يشكل دعاية إنسانية لـ “إسرائيل” وجهودها في إنقاذ العالم المتحضر من فيروس الزومبي. وأسوأ ما في هذا الفيلم الصهيوني، هو تصويره لجدار الفصل العنصري على أنه يحمي العالم المتقدم والمتحضر من المتوحشين (الموتى الأحياء) الذين هم الفلسطينيون أنفسهم.

حتى السعودية ذاتها، لم تنجُ في أفلام هوليودية سابقة من تشويه لأرضها وشعبها، ورغم هذا تمد يدها الآن بروح رياضية عالية إلى هوليوود، لتساهم في عرض فيلمها السيئ، وكأن النظام السعودي بدأ فعليًا بخطوات واضحة على الصعيد الإعلامي والثقافي، ليجبر شعبه على تقبّل “إسرائيل”، كدولة جارة وصديقة وحليفة، والتعامل مع الفلسطينيين كأعداء للعالم المتحضر، الذي تنوي السعودية أن تحجز فيه مكانًا مرموقًا بمساعدة أميركا، على حساب أخلاقيات شعبها.

النظام العربي الذي يعرض مثل هذا الفيلم هو، بالتأكيد، نظام لا يحترم نفسه، ولا يحترم شعبه.

خطر في بالي ما يلي: تمتلك السعودية ثروة هائلة، ولديها كثير من الفنانين، إضافة إلى الفنانين العرب، وتستطيع أن تردّ على مثل هذه الأفلام بصناعة سينمائية عربية مشتركة، تبرز الوجه الحقيقي للقضايا العربية، لا أن تقف مع الآخر على الضفة الثانية، وتتبنى رؤيته المشوهة. مع أنني متأكد أن هذا الآخر سوف يركل السعودية يومًا ما عن ضفته لتسقط وتغرق.

لدي شعور بأن السعودية، عندما عرضتْ هذا الفيلم، كان هناك في أميركا من يضحك بسخرية على غباء نظامها غير المفهوم وغير المبرر.

ماذا لو أن هذا الفيلم عرض في “إسرائيل”! وأعتقد أنه قد عرض فيها، ووارد جدًا أن نسمع عن إسرائيليين اعترضوا عليه، وكتبوا بشكلٍ سلبي عنه في الصحافة الإسرائيلية، وهذا ما لم يحدث ولن يحدث في صحف ومجلات السعودية بعد عرضها للفيلم.

أين المثقف السعودي؟! أين المشاهد السعودي؟! نظامه الذي لا يحترم نفسه، لا يحترم شعبه أيضًا.

لم يسبق في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، أن حصلتْ “إسرائيل” على مثل هذا التعاطف من قناة عربية!!

هل تستطيع السعودية، في هذا الانفتاح الثقافي الخطير على الآخر، أن تعرض فيلمًا سينمائيًا فلسطينيًا على قنواتها؟ من تلك الأفلام الفلسطينية المهمة التي تُنتج داخل “إسرائيل” ذاتها، أو في أوروبا.

أخيرًا، لا بد من التنويه إلى أن الرقابة في القناة السعودية (إم بي سي/ تو) (MBC2)، عند عرضها الفيلم الصهيوني (حرب العالم الزومبي) قد حذفتْ منه أي مشهد حميمي، حتى مشهد قبلة رومانسية، كما تفعل عادة في عروضها السينمائية للأفلام العالمية، لعدم انسجام مثل هذه المشاهد السينمائية مع أخلاقيات السعودية!!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق