مقالات الرأي

إغلاق الملف السوري

يحمل هذا المقال عنوانَ لوحة كاريكاتير للفنان المبدع الصديق هاني عباس، تصوّر اللوحة حذاءً عسكريًا يطأ بقوة ملفًا ويهرس جثثًا بين دفتيه. هذا الشرح المبسط للوحة يحمل الكثير من الألم واللوعة، وهو يشبه تمامًا ما يدور الحديث عنه من إنجاز حلّ سياسي يكون كفيلًا بإنهاء “المأساة” السورية، وبمقدار ما يبدو هذا الكلام حاملًا للكثير من بشائر الخير لملايين السوريين، فإنه أيضًا يتضمن ذلك “الهرس” اللا أخلاقي، الإجرامي، لمئات آلاف الضحايا الذين أزهقت أرواحهم آلاتُ نظام دمشق القمعية والعنفية، طوال السنوات الفائتة، بل للملايين الذين هاموا في الأرض على غير هدى يتمزقون منفًى، وقد فقدوا حيواتهم، وصار لزامًا عليهم أن يطووا ماضيهم وتواريخهم، وينظروا إلى الأمام فقط. في الأثناء، أي في أثناء الحديث عن حل سياسي يغلق الملف السوري، يتوالى صدور قوائم المقتولين تحت التعذيب في أقبية المعتقلات، وقد صُدم الرأي العام الفرنسي مؤخرًا بحقائق لم تخطر في باله، حين نشرت صحيفة (الليبراسيون) اليسارية واسعة الانتشار تحقيقًا، أعدته الصديقة الصحفية الفرنسية السورية هالة قضماني، استنادًا إلى رسومات وشهادة الفنان المعتقل السابق نجاح البقاعي، كما صُدم الرأي العام العالمي من قبل، بمجموعة كبيرة من الصور التي عُرفت عالميًا باسم “صور سيزر” أو “قيصر”، وهي صور امتنعت كثير من وسائل الإعلام عن نشرها بسبب قسوتها، وقامت بالتعتيم على بعض تفاصيلها، كيلا تسبب الأذى لمتابعيها، وسيصاب العالم بالصدمة وهو يتابع على الهواء مباشرة تفاصيل مجازر الكيمياوي المتلاحقة، بداية بغوطة دمشق صيف العام 2013، وليس أخيرًا مجزرة الغوطة الشرقية أيضًا، قبل إخلائها واستيلاء نظام دمشق وحلفائه عليها. هذه التفاصيل كلها هي جزء من ملف سوري، ليس خفيًا على أحد، ولم يكن في يوم من أيامه غائب التفاصيل، بل إنه واضح وضوح الشمس، كما يقال، إلا أن هذا لا يمنع على الإطلاق من إغلاقه، نعم هكذا ببساطة، يجري الحديث حاليًا عن أن “الأسد انتصر تقريبًا”، ويتم التحذير تباعًا، على ألسنة مسؤولي السياسة الدوليين، من أن إدلب قد تنتظر مصيرًا فاجعًا؛ إن لم توافق على الاستسلام، كما فعلت من قبل محافظة درعا التي كانت عصية، وبعدها بقليل السويداء، مع اختلاف الظروف بطبيعة الحال، ولأن إدلب حالة خاصة، بعد أن تحوّلت خلال السنوات الثلاث الماضية إلى أرض ميعاد لجميع المهجرين والمرحلين من مدنهم وقراهم، تضم سوريين من كل مكان يُقدر عددهم بأكثر من مليونين ونصف المليون، فإن معادلتها ستكون معقدة أكثر، وسيكون أصغرُ أمر عمليات يُوجه نحوها كفيلًا بإحداث مجزرة كبيرة، لا يتمنى أحدٌ حدوثها، ولكن متى كان إبعاد هذه الهمجية والعنجهية بالتمني؟ وفيما يتم بحث ملف إدلب وراء الكواليس، من دون أن يعلم أحد ماذا يحدث، ومن دون أن يتوقع أحد ما الذي ستسفر عنه “لعبة الكبار”؛ فلا المعارضة ممثلة بكياناتها قادرة على تقديم ضمانات أو وعود، ولا نظام دمشق يقدر أن يرفع سقف تهديداته، طالما أن الأوامر لم تأت من مشغليه بعد. في الأثناء، وربما نقول على الهامش، شهدت دمشق خلال الفترة الماضية مشاورات، أو مفاوضات، بين مسؤولين أمنيين ممثلين للنظام من جهة، ووفد متنوع ممثل لـ (مجلس سوريا الديمقراطية) من جهة أخرى، وقد انتشرت تسريبات كثيرة عمّا دار هناك في دمشق، من أبرزها أن (مجلس سوريا الديمقراطية) ربما يكون وافق على تسليم نظام دمشق مناطقَ سيطرته، مقابل بعض المكتسبات، لكن مسؤولي (مسد) سارعوا إلى نفي تلك التسريبات، مؤكدين أن المفاوضات لمّا تصل إلى اتفاقات بعد، وأنها قد تستمر شهورًا. لا ندري أين تكمن الحقيقة، إذ يقول نظام دمشق عبر متحدثين رسميين إنه لن يخضع لشروط، وإنه يريد استعادة سيطرته كاملة وبعد ذلك يقرر، هو، ولا أحد سواه، ما الذي يمكن أن يعطيه من مكرمات لـ (مسد) أو سواها. لكن لكيلا نغفل تفصيلًا مهمًا في مشهد إغلاق الملف السوري، فإن واشنطن، التي لوحت قبل فترة بأنها سوف تنسحب من سورية، وتترك الترتيبات لمن يبقى، عادت لتعلن منذ أيام أنها باقية، بل إنها أرسلت جنودًا وعتادًا إلى مناطق سيطرة (قسد) حليفها الأقرب على الأرض السورية، وفي الأثناء أيضًا، بدأت مؤسسات النظام تمارس عملها شيئًا فشيئًا، في المناطق التي عادت إليها في محافظة دير الزور. وعلى الرغم من أنها كانت غائبة عسكريًا، تقريبًا، حيث إن القوة الأبرز على الأرض حتى الساعة هي الميليشيات الإيرانية، من جهة النظام، فإن إعادة صور رأس النظام إلى بعض شوارع المدينة المدمرة يمثل بحد ذاته انتصارًا. من الجانب الآخر تعمل (قسد) بدورها على ترسيخ وجودها في المناطق التي سيطرت عليها بعد طرد تنظيم (داعش) منها، عبر إحداث مؤسسات سياسية وخدمية، كتلك التي أوجدتها في كل من الرقة وأجزاء من الحسكة.

وكما أن هذه الصورة البانورامية تبدو كاملة بتفاصيلها وألوانها المختلفة، فمن المفيد أن نذكر أن لا وجود فعليًا للمعارضة على الأرض، سوى في بقع جغرافية متناثرة لا يجمع بينها جامع، وهي -كما ذكرنا في مقالات سابقة- تواصل تلقي الأوامر، شأنها شأن نظام دمشق، من معلّميها، ولا تدري حقيقةً ماذا ستفعل، ولا حتى ماذا تقول.

يطأ الحذاء العسكري في لوحة هاني عباس الملفَّ السوري، ويهرس الجثث، ونستطيع أن نصغي إلى أصوات أنين المعتقلين والأمهات الثكالى من بين صفحات الملف، كما نستطيع أن نرى خيبة الأمل مرتسمة على وجوهنا، كلما نظرنا في المرآة، لهذا بتنا نخشى مواجهة أنفسنا، وطرح ذلك السؤال: هل انتهت الثورة؟ وما الذي علينا أن نفعله كيلا نصير صفحة مطوية في سجلات التاريخ؟

أخيرًا، في لوحة كاريكاتير أخرى لعباس، نشرت في موقع (جيرون)، عنوانها “العودة إلى حضن الوطن” ينهال القصف على أولئك الذين يطلب منهم نظام دمشق العودة إلى “حضنه”: عودوا أيها السوريون كي أقتلكم… وهنا في هذه اللوحة تكمن الإجابة على السؤالين السابقين: لا عودة عن الثورة على هذا النظام المجرم القاتل، إلا إذا وصلت الثورة إلى مبتغاها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق