تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

عودة اللاجئين السوريين.. بين رغبة الروس ورفض النظام

تدرك القيادة الروسية أكثر من غيرها عبثية انتصارها العسكري في سورية، ما دام أكثر من ربع السوريين يرفضون العودة لبقايا بيوت دمرتها عمليات “التحرير” المزعومة، فالأرقام تشير صراحةً إلى تطهير سورية من أهلها، لا من الإرهاب.

وهذا ما يفسر عمل الدبلوماسية الروسية على محوري إعادة اللاجئين والإعمار؛ فالنشاط السياسي الروسي واضح في هذا المجال، من خلال اتصالاتهم ومباحثاتهم مع الأميركيين والأوروبيين والدول الإقليمية (تركيا، الأردن، لبنان). وقدم الروس مقترحاتهم، وأبدوا مرونة واضحة لحل الملفين، لكنها لم تجد آذانًا صاغية من أحد، فالأبواب موصدة ما لم يسبق ذلك حل سياسي، والجميع يدرك عبثية الطرح الروسي، في ظل غياب حل سياسي يتفق عليه السوريون. الأميركان والأوروبيون لا يرغبون في مكافأة الأسد والروس، على إجرامهم وحلهم العسكري الأعمى.

ويبدو من المفارقات أن الرغبة الروسية يقابلها رفض النظام السوري لعودة هؤلاء المهجرين “الإرهابيين” وفق زعمه، ولم ينس المُهجرون تهديد القيادي في الحرس الجمهوري، عصام زهر الدين، لكل سوري مهجر: “لا تعد، لأنه إذا سامحتك الدولة، فنحن لا نسامحك”. وينسجم تهديد زهر الدين مع تهديد رئيس المخابرات الجوية (جميل الحسن) خلال لقائه ضباطًا من المخابرات بأنه “سيتم مستقبلًا محاسبة الجميع، من حمل السلاح ضد الدولة، ومن تكلم ضد الدولة، وحتى من بقي صامتًا، جميعهم إرهابيون وستتم محاكمتهم سرًا أو علنًا”. وتابع أنه “يوجد 3 ملايين مطلوب، وسورية أفضل بـ 10 ملايين سوري موالٍ من 30 مليون سوري مخرب”، ووصف اللاجئين بـ “الغنم، والخلايا السرطانية”.

وبعيدًا عن فضاء التهديدات، فإن الممارسات على الأرض تثبت رفض النظام لعودة اللاجئين، فالنظام يرفض حتى الآن توفير البنية التحتية، وأبسط الخدمات، للمناطق المهجرة. وداريا، وحمص القديمة، وحلب الشرقية، أمثلة واضحة على الإهمال الحكومي المتعمد والمدروس، فلا شوارع ولا ماء ولا كهرباء، ولا مدارس، وإذا وجد شيء من ذلك، فهو لذر الرماد في العيون، وعلى نفقة الأمم المتحدة.

وبعيدًا عن الجوانب الحياتية والخدمية، فإن العامل الاقتصادي لا يسمح بالعودة، وفرص العمل شبه معدومة في سورية حاليًا. ويبقى العامل الأمني أهم العوامل الطاردة للسوريين، فقد ازدادت القبضة الأمنية شموليةً ودموية، وكل معاملة تحتاج إلى موافقة أمنية، بدءًا من السكن، وليس انتهاءً بعقود البيع والشراء. كما أن جميع السوريين بين عمر 18 و42 مطلوبون للخدمة العسكرية الإلزامية، أو الاحتياطية. ناهيك عن تحول سورية إلى دولة عصابات وميليشيات ومافيات، ولا يتسع المقام لتعدادها وبيان ممارساتها.
ولم يقدم النظام إلى اليوم ما يثبت حسن النيّة تجاه المهجرين، إذ لا يمر يوم دون أن نسمع خبرًا عن اغتيال، أو اعتقال، لمن قام بالمصالحة.
فما الذي جعل الروس يندفعون إلى عودة المهجرين والإعمار، بينما يرفض النظام السوري عودتهم!
ينبع رفض النظام لعودة اللاجئين السوريين من خشيته من هؤلاء، لأنهم سيشكلون امتدادًا للثورة السورية، وربما يشكلون نواة لثورة جديدة، فقد ذاق هؤلاء وأولادهم عبر السنوات الثمانية طعم الحرية في بلاد المهجر، ولن يستسيغوا طعم العبودية مجددًا.

أما الروس، كما أشار مستشار الأمن القومي جون بولتون، فإنهم متورطون في سورية، ويريدون من الآخرين مساعدتهم. ويجد الروس اليوم أنفسهم يسيطرون على أقل من 60 بالمئة من سورية، على الرغم من دموية حلهم، ولا يستطيعون المضي في إكمال السيطرة أمام الوجود الأميركي شرقًا، والتركي شمالًا، فالورطة تكمن في العجز عن إكمال النصر العسكري من جهة، وبالتالي فشل المشروع السياسي. والروس يريدون كسب شرعية سياسية وأخلاقية عبر ملف اللاجئين والإعمار، فرفض قرابة 6 ملايين سوري العودة في ظل النظام القائم يثبت أن الروس يدافعون عن نظام لا شرعي يحكم بالحديد والنار، ناهيك عن المكاسب الاقتصادية التي تبخرت، وكان سيجنيها الروس من وراء عودة اللاجئين، وملف الإعمار، حيث كان الروس يأملون أن تصب أموال الإعمار في جيوب الشركات الروسية، التي ستحتكر معظم المشاريع التي تقدر بمئات المليارات.

لا يواجه الروس في سورية أعداءً خارج سورية فحسب، بل يواجهون أيضًا عدوين داخليين: النظام الرافض لعودة اللاجئين، ولخروج إيران، ولأي حل سياسي. وإيران التي ترفض الخروج بخفي حنين، بعد كل هذا الاستثمار، ناهيك عن عداء القوى الثورية والشارع السوري.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق