اقتصادسلايدر

الحوالات إلى سورية: طوق نجاة وسوق سوداء

شهدت سوق الحوالات المالية إلى الداخل السوري ازدحامًا ملحوظًا، في الأيام التي سبقت عيد الأضحى المبارك، وقال أحد العاملين في المجال لـ (جيرون): إن الأيام القليلة الماضية كانت مكتظة بالحوالات إلى جميع مناطق سورية؛ الأمر الذي سبب له صعوبة في إيصال المبالغ، خصوصًا أن العاملين في مناطق سيطرة النظام مهددون بالاعتقال في أي لحظة.

“لولا الحوالة المالية التي تأتيني من ابني شهريًا؛ لما كان في استطاعتي تدبّر أموري”، هذا ما قالته سيدة في الخمسين من العمر، عندما سألناها عن أثر الحوالة التي يرسلها إليها ابنها المقيم في لبنان، مشيرة إلى أن مرتبها الشهري البالغ 20 ألف ليرة سورية (نحو 50 دولارًا) بالكاد يكفيها لشراء بعض الحاجات، وسط الغلاء الفاحش الذي تشهده سورية.

حوالات صغيرة كبيرة الشأن

تعدّ 100 دولار أميركي مبلغًا ليس قليلًا في سورية، خصوصًا أنها تساوي اليوم ما قيمته 44200 ليرة سورية، أي ما يقارب راتب شهرين للموظف. تقول سمر (اسم مستعار): “إن 200 دولار شهريًا، يرسلها ابني إليّ تعتبر خشبة الخلاص، أمام الغلاء الفاحش الذي تمر به دمشق”.

دولارات أميركية (أرشيفية)

وتؤكد أنها لولا هذه الحوالة لما استطاعت تدبر أمورها، خصوصًا أن لديها ابنة في الجامعة، وزوجها لا يعمل في الوقت الراهن، مؤكدة أن الحوالات اليوم يمكن اعتبارها “عصب كثير من العائلات التي لديها أبناء مغتربون. العمل قليل، والأسعار مرتفعة جدًا، ومتطلبات الحياة أصبحت أكثر”.

من جانب آخر، يقول غسان (اسم مستعار)، الذي يعمل في تحويل النقود من تركيا ولبنان إلى المدن السورية كافة: “إن نسبة التحويل إلى سورية، خلال الأيام القليلة الماضية التي سبقت عيد الأضحى، كانت مرتفعة جدًا، مقارنة بالأيام العادية”. وأضاف: “خلال أيام فقط، قمنا بتحويل أكثر من 15 ألف دولار إلى سورية عبر عملائنا. هذا الرقم مقارنة بالأيام العادية يُعد مرتفعًا.. نحن نتحدث عن أيام فقط!”.

سوق سوداء

يلجأ معظم الناس في الخارج السوري إلى (السوق السوداء)، من أجل تحويل النقود إلى ذويهم ومعارفهم، عبر مكاتب حوالات غير مرخصة، ليس لها فروع في سورية، حيث يعتمد التسليم في الداخل السوري على لقاء شخصي، يتم بين العامل في هذا المجال والمُرسل له -في الشارع أو في مقهى- ليتم تسيلم الأخير النقود بالليرة السورية، أو بالقطع الأجنبي (الدولار أو اليورو).

يقول غسان: “إن الناس يقصدوننا، لأن أجور التحويل عبر المكاتب المرخصة تعدّ مرتفعة مقارنة بعملنا. على سبيل المثال، إذا أردت أن ترسل 100 دولار إلى سورية، عبر شركات التحويل، فإن الرسوم تبلغ 10 بالمئة، أي أنك ستخسر 10 دولارات، ولكنك عندما ترسل النقود عن طريقنا، فإن التكلفة قد تصل في أقصى حد إلى 3 دولارات”.

بطاقة تعريفية بأحد محال التحويل الأموال إلى سورية

أضاف غسان أن النسبة الخاصة بالمكاتب المرخصة ثابتة، من دون النظر إلى حجم الحوالة، بينما في المكاتب غير المرخصة فإن تكاليف التحويل يتم المساومة عليها، وهي تقلّ كلما ارتفع المبلغ، وقال: “إذا أردت أن ترسل 1000 دولار، مثلًا، فإننا نأخذ 20 دولارًا عمولة لتوصيلها، أما إذا أردت إرسالها عبر الشركات الدولية المرخصة؛ فقد تدفع قرابة 100 دولار أجورًا”.

بخصوص طرق التحويل، يقول شخص آخر يعمل في هذا المجال أيضًا: “يتم إرسال النقود إلى مدن سورية محددة، ومنها تنطلق إلى المناطق التي أرسلت إليها من قبل العميل”. وأضاف: “أنا أرسل نقودي إلى حلب، ومنها إلى المناطق الأخرى”. في حين قال غسان إنه يرسل كمية كبيرة من النقود إلى دمشق، عبر عدة أشخاص (إذ إن النظام سمح مؤخرًا بإدخال الفرد ما قيمته أقل من 5000 دولار دون التصريح عنها)، ومن ثم يتم توزيع النقود، عندما يكون هناك عملاء.

يؤكد غسان أن تحويل الأموال إلى مناطق ريف حلب الشمالي وإدلب يتم بالليرة التركية، بدلًا من الليرة السورية أو الدولار، ويقول: “الناس هناك يتعاملون بالليرة التركية أيضًا، و90 بالمئة من الحوالات إلى هناك تكون بالليرة التركية، في حين أن التحويل إلى مناطق سيطرة النظام يكون بالليرة السورية، أو الدولار الأميركي”.

هذا العمل يخدم الناس قبل أن يخدم العاملين فيه، بحسب رأي كثير من العاملين في قطاع الحوالات، وعلى الرغم من أنه غير مرخص، فإن الناس في الداخل السوري بحاجة إلى مزيد من النقود، وإن كان الرقم ضئيلًا، مشيرين إلى أن “فرق العمولة يلعب دورًا كبيرًا في خدمة الناس في الداخل”.

ويؤكد غسان أن هذا العمل فيه مخاطرة كبيرة، إذ إن النظام يلاحق العاملين في هذا المجال، بين الفينة والأخرى، ومن يتم اعتقاله يُرسل إلى المحاكم الاقتصادية لتتولى أمره. وأضاف: “قد يصل حُكم هذا العمل إلى عشر سنوات سجنًا”.

يذكر أن النظام السوري أصدر بيانًا، نهاية عام 2017، رفع فيه سقف التحويل للمغتربين بالعملة الأجنبية إلى دمشق، إلى ما قيمته 500 دولار، وسمح أيضًا باستلامه نقدًا بالعملة الأجنبية، أو بالليرة السورية.

وقال حاكم المصرف المركزي السوري، دريد درغام، في تصريح سابق لوكالة (سانا): إن “اتخاذ المصرف لهذا القرار جاء بعد دراسة متأنية لأحكام القطع الأجنبي، ونظرًا إلى حرص المصرف على تبسيط الإجراءات، بالتوازي مع السياسة النقدية التي سمحت باستقرار سعر صرف الليرة وتحسنها في الأشهر الأخيرة، والدراسات التي تدعم توقعات استمرار الاستقرار للفترات المقبلة”.

مصرف سورية المركزي

وأضاف درغام: “بموجب القرار رقم 1602، الذي أصدره المصرف، تكون قد أزيلت ضوابط لم تعد مبررة أمام الحوالات الواردة من الخارج، بعد أن صدرت منذ عام 2012 قرارات تجبر أصحاب الحوالات الشخصية الواردة من الخارج على تصريفها مقابل ليرات سورية”.

كما أصدرت (هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب) التابعة للنظام، يوم 19 تموز/ يوليو من العام الجاري، تعميمًا حمل الرقم 2426، سمحت بموجبه للقادمين إلى سورية بإدخال مبلغ دون التصريح عنه، يصل إلى خمسة آلاف دولار أميركي، في حين يمكن إدخال ما قدره 100 ألف دولار، في حال تم التصريح عنها.

ووفق التعميم أيضًا، الذي نشره موقع مصرف سورية المركزي، فإن الخارجين من سورية يُسمح لهم بحمل ما قيمته 1000 دولار أميركي، في حال كانت الوجهة لبنان، أو الأردن، دون التصريح عن المبلغ، ويمكن لهم حمل ما قيمته ثلاثة آلاف دولار، في حال كانت الوجهة بقية أنحاء العالم، أما الأموال المصرح عنها، فتصل إلى 10 آلاف دولار كحد أقصى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق