سلايدرقضايا المجتمع

موقف تيارات علمانية من الطائفة العلوية

نقاش وردّ على ما جاء في ندوة لإعلان دمشق في اللاذقية

في هذه السنة، صدر موقفان سياسيان من جهتين يساريتين، يمكن تصنيفهما كجهتين علمانيتين أيضًا، تلومان الطائفة العلوية على موقفها من الحرب والثورة.

واللافت للانتباه، في الخطاب السياسي العام للمعارضة، والجمهور السوري المعارض للنظام أو الموالي للثورة خصوصًا، أن يجري التعامل مع الطوائف المذهبية وكأنها جهات أو أحزاب سياسية. وهذا أمرٌ غير منطقي، لأنه مستحيل موضوعيًا؛ فالطوائف السورية، وخصوصًا الأقليات، هي بقايا اجتماعية مدمرة أو شبه مدمرة، من عصر صراع فكري سياسي وجودي، وهذه البقايا عاجزة عن امتلاك أي قوة إيجابية، أو تصور سياسي وطني، من باب ومنطلق الطائفة كمجموع، لسبب بسيط، هو أن العقل والوجدان الجمعي للطوائف ما زال يعيش الماضي، وهو غير قادر -بحكم ظروف تكوينه ومواد تكوينه- على أن يعيش خارج الماضي؛ وبالتالي فمن الخطأ النظر إلى الطوائف على أنها جهات سياسية، ومن الخطأ أيضًا محاسبتها على هذا الأساس.

الموقف الأبرز في هذا الشأن صدَر عن لجنة إعلان دمشق في اللاذقية، في الذكرى السابعة لانطلاق الثورة السورية، وفي ندوةٍ عقدت تحت إشرافها في اللاذقية دعا إليها لفيف من المثقفين.

قدمت لجنة إعلان دمشق ورقة تناولت فيها محاور عدة، من بينها محور الطائفة العلوية وموقفها من الثورة. جاء فيها بعض الأفكار النمطية التي ما كان على اللجنة أن تقع في فخ تكرارها، كما فعل خطاب سطحي وطائفي، وقع فيه قطاع ليس بقليل من كتاب وصحفيي الثورة، حتى صار خطابًا معممًا يقارب التكفير.

تقول الوثيقة: “لا يخفى على أحد أن اللجنة كلها من منبت علوي، وهو ما جعل أعضاءها محاطين بأبناء هذه الطائفة”.

الرد: من الطبيعي، لمن كان يعيش ويعمل ضمن منطقة جغرافية لدى أهلها ثقافة مميزة، أن يكونوا جزءًا من هذه الثقافة، وهذا لا يعني أي شيء، إلا إذا كانت أجهزة الأمن تمنع أبناء ثقافة أخرى (السنة) من التواصل مع اللجنة، وتريد لإعلان دمشق في اللاذقية أن يكون إعلانًا علويًا فقط. وهذه إدانة للنظام بالطبع، تظهر نظرته ونظريته الفئوية في الحكم، وبالتالي تسقط عنه كل ادعاء بأنه نظام وطني، أو سلطة سياسية، بل تسقط عنه أي ادعاء بأنه سوري.

تقول الوثيقة: “وقد تساءلت عن سرّ امتناع أبناء الطائفة عن مشاركة بقية القوى، في رفع الصوت ضد استبداد النظام، وعدم خروج تظاهرة واحدة دعمًا للحراك الشعبي عام 2011”.

الرد: هذا كلام غير دقيق بالطبع، فقد سجلت تظاهرات احتجاجية في الشهور الأولى من الثورة السورية، في كل من (مشقيتا)، و(دمسرخو)، ومناطق أخرى “علوية”. وشارك شبان علويون كثر في تظاهرات مدينة طرطوس، وشهدت التظاهرة الأولى في وسط دمشق حضورًا لمعارضين وناشطين من الطائفة العلوية. ولا يعلم معدو الوثيقة شيئًا عن الأعمال اللوجستية التي قام بها شبان من العلويين، في علاج المصابين ونقلهم وتهريب المطلوبين… وفي أواسط 2014، ارتفعت وتيرة الاحتجاج في أوساط العلويين، إلى درجة شتموا فيها أعلى شخص في النظام.

تقول الوثيقة: “في التوظيف السياسي للعلويين، وأي مستقبل ينتظرهم”.

الرد: تنظر الوثيقة إلى المجتمع السوري كطوائف قائمة بذاتها، ولها كيانات معنوية على الأقل، فتقول العلويين، ومستقبل العلويين. أي أن العلويين لهم وجود مستقل عن بقية السوريين، ولهم مستقبل قائم بذاته غير مستقبل السوريين، وهذه نظرة كيانية، أو فئوية، بعيدة عن النظر الاجتماعي العام الذي ينظر إلى سورية كوجود مشترك عام قائم بذاته، كمجتمع سوري، وليس كمجتمعات سورية ومجموعات قائمة على أساس ثقافي، أو مذهبي.

تقول الوثيقة: “آن الأوان لتتخلى هذه الطائفة عن مشاريعها الطائفية السلطوية”.

الرد: تلحق الوثيقة الطائفةَ بالسلطة، وهذا افتئات يصل إلى درجة إطلاق حكم الإعدام على طائفة سورية تعدادها ثلاثة ملايين، لأن نظام الحكم السوري يعود في منبته الاجتماعي إلى هذه الطائفة، وليس بعد هذا من ظلم وسوء نظر وابتعاد عن المنطق والعدالة. وكأن الطائفة بقضها وقضيصها متفقة ضمنيًا، أو أن أبناءها متعاهدون سرًا، أو وقّعوا على وثيقة سرية لحكم سورية. وإن كان هذا ممكنًا نظريًا، بالنسبة إلى الرجال البالغين المسيسين، أو الذين لديهم أوهام نخبوية، واشتهاء الحكم؛ فما هو حال غير هؤلاء من الشبان والنساء والأطفال والمرضى؟

تقول الوثيقة: “وإن تشارك في إكمال طريق سورية الديمقراطي الذي بدأ في الخمسينيات من القرن المنصرم. يتم ذلك بالمشاركة بقوة في بناء سورية المستقبل إلى جانب المكونات الأخرى، وإدراك أن السنة كطائفة هي أم الصبيّ”.

الرد: وهذه عودة صريحة للنظر إلى السوريين كطوائف، وليس كسوريين.

تقول الوثيقة “والسنّة تاريخيًا في سورية لم يَضطهدوا غيرهم من الأقليات، وقد تميزوا بالوسطية والاعتدال. وعلى العلويين وغيرهم من الأقليات الإقلاع عن التفكير بحمايتهم عن طريق النظام، أو عن طريق شيعة إيران، أو عن طريق قيصر روسيا”.

الرد: هذا الكلام يوجه للسلطة الحاكمة، سواء أكانت من منبت علوي، أم من غيره.

تقول الوثيقة: “ما يحمي الطائفة العلوية، من وجهة نظر لجنة إعلان دمشق في اللاذقية، هو المشاركة بقوة في دحر الاستبداد أولًا، ودحر الغزاة ثانيًا. هذا هو الطريق الذي ينقذ الطائفة، وينقذ الوطن، وينقل سورية إلى فضاء الديمقراطية”.

الرد: تحمّل الوثيقة السوريين كطوائف مسؤوليةَ ما يجري في سورية، وتصوّر الأمر على أنه صراع طائفي، فإن لم تسر طائفة في ركب البقية فستنال العقاب.

تقول الوثيقة: “وهذه هي الضمانة لمستقبل العلويين، ولتطورهم المادي والروحي”.

الرد: عودة للنظر إلى جزء من السوريين، على أنهم كيان مستقل عن بقية السوريين، ولهم آلية تطور مختلقة عن بقية المجتمع، فقط لأن لهم هوية ثقافية خاصة، وهو أيضًا غير صحيح. فالعلويون لهم عقيدة مذهبية خاصة، لكنهم عرب وسوريون، وعقيدتهم سورية إبراهيمية بامتياز، كما أن الإسلام السني إبراهيمي قبل أن يكون إسلامًا.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق