تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

سيناريو الاصطفاف الطائفي في سورية من الأب إلى الابن

تحت راية (داعش)، التي أصبحت القناع الذي تختفي وراءه كل الجرائم في سورية، وخاصة الطائفية منها، كانت مجزرة السويداء التي ذهب ضحيتها ما يقارب 250 مواطنًا سوريًا ينتمون إلى الطائفة الدرزية، ليشكل الحدث الشرارة التي أدت إلى اصطفاف المواطنين العاديين حول مشايخ العقل، وحول الزعامة الجنبلاطية، وهو ما حدث مع كل الطوائف في سورية، ولا سيما الأقليات منها، حيث تخندق كل مواطن سوري وراء طائفته، وهي حقيقة مرّة، من ينكرها يكن كالنعامة التي تُغطس رأسها في الرمال، ومؤخرتها مكشوفة.

ما حدث في السويداء كان متوقعًا، بشكل أو بآخر، فلقد شهدت السويداء العديد من الأحداث، ومن أهمها الانتفاضة التي شكلت ما عُرف بمجموعة (رجال الكرامة) الذين رفضوا، بقيادة الشيخ الوطني الشهيد وحيد البلعوس، تسليم الشباب التابعين للطائفة الدرزية، الذين رفضوا الالتحاق بالخدمة الإلزامية، وعددهم نحو خمسين ألف مواطن، وقد حماهم الأهالي لمنع جرهم إلى اقتتال غير مقتنعين به، لأنهم شعروا بأن هذا الاقتتال مسألة غير وطنية، ولم يقبلوا أن يزجّوا بأبناء السويداء في هذا الاقتتال غير المتكافئ.

لماذا السويداء الآن بعد أن استعاد النظام، بمساندة المستعمر الروسي، درعا والقرى المحيطة بها؟! ومن له المصلحة بتأجيج المشاعر الطائفية لدى طائفة الموحدين الدروز؟ ولمصلحة من هذه المجزرة؟ لماذا تم سحب بعض الأسلحة من الأهالي في القرى الدرزية؟ لماذا هذه المجزرة بالضبط، بعد أن فشلت مساعي المستعمر الروسي بإقناع مشايخ الطائفة بفك ارتباط الطائفة بمجموعة (رجال الكرامة)، الذي يصنفهم المستعمر الروسي والنظام بأنهم مجموعة إرهابية؟ أسئلة وأسئلة كثيرة تطرح وستطرح، وجميعها أسئلة مشروعة، ولكن كل الإجابات عن هذه الأسئلة تُشير بأصابع الاتهام إلى أن المجزرة كانت لصالح وحساب النظام الاستبدادي والمستعمر الروسي، اللذين يريدان الاستمرار في جرّ سورية إلى الاصطفافات الطائفية.

السيناريو الذي تمت به عملية السويداء، هو بالضبط السيناريو ذاته الذي جرى في القرى الآشورية في منطقة الخابور، حيث إن النظام و (PYD) تركوا القرى الآشورية الخابورية بلا حماية، فتمت استباحتها من قبل (داعش)، قتلًا وخطفًا واغتصابًا للمكون الآشوري، لكي يخيف المكون المسيحي بأكمله. ومع الأسف، جعلوه يصطف وراء رجال الدين، الذين جيروا هذا الاصطفاف لصالح النظام المستبد في دمشق، بالطبع باستثناء مجموعات بقيت بعيدة عن رجال الدين، ومعارضة للنظام.

ولكن في السويداء لم يأت الاصطفاف لصالح النظام، بل جاء لصالح الزعامة الدرزية، بقيادة وليد جنبلاط، ومشايخ الكرامة، الذين أشاروا جميعًا بأصابع الاتهام إلى المستعمر الروسي والنظام، بأنهم كانوا المخططين الرسميين للهجمة الداعشية، أولًا من خلال إحلال (داعش) المنسحبة من مخيم اليرموك إلى المناطق الريفية القريبة من القرى الدرزية، وثانيًا من خلال الأسماء التي أعطيت لـ (داعش)، وهي أسماء لا بد أن يُكشف عن ماهيتها، وثالثًا بتمهيد الأرض لـ (داعش)، من خلال سحب كل القوات التابعة للنظام.

الحقيقة أن (داعش) أصبحت فزاعة يختفي وراءها النظام الأسدي المستبد، ولو أننا درسنا كل الهجمات، أو (الغزوات) كما يسمونها؛ للاحظنا أن (داعش) كانت تنجح دائمًا في السيطرة على المناطق التي تهاجمها بلا قتال يُذكر، فهي لم تهاجم، ولو مرة واحدة، القوات النظامية. وعندما كانت تهاجمها كانت هذه القوات تستسلم بسرعة لـ (داعش)، والعكس صحيح. كما أن النظام ذاته لم يُهاجم قط قوات (داعش)، ولنا في احتلال الرقة ودير الزور والطبقة خير دليل على ذلك. ولقد شكل احتلال تدمر -بهذه الطريقة المسرحية- فضيحة لكل القوى التي تدعي أنها تحارب (داعش).

من هنا، فإن الشكوك تحوم كلها حول هذا التشكيل الظلامي، الذي في الحقيقة تكوّن لصالح القوى التي حوّلته إلى درع وبعبع تخيف به كل مكونات الشعب السوري، وخاصة تخويف الأقلية من الأكثرية السنية، التي يُقال، زورًا، إنها تشكل الحاضنة الشعبية لـ (داعش).

لقد جاءت مجزرة السويداء آخر حلقات الاصطفاف الطائفي، الذي عمل هذا النظام عليه منذ حركة حافظ الأسد التخريبية، التي مارست الطائفية بشكل علني وصريح. كان هذا في عهد الأب، واستمر حتى عهد الابن، حتى دمروا سورية بكاملها، وخلقوا جدارًا نفسيًا ما بين الطوائف المكونة لهذا الشعب، من خلال الخوف من الآخر، وتخويف الأقليات من الأكثرية.

ومن اطلع على كتاب (الإمبرطورية الأميركية) لكلود جوليان؛ يعرف كيف تعمل أجهزة الاستخبارات الأميركية التي من الممكن أن تخلق منظمات تناصب أميركا العداء، من أجل أن تخدم مصالحها. ويبدو أن النظام كان خير المطلعين على كتاب جوليان هذا؛ فخلق تنظيم (داعش) ليعاديه، بعد أن يجعل منه ندًا له، ومن ثم يتم القضاء عليه بعد أن يكون قد استخدمه، من خلال مقولة إما النظام أو القوى الظلامية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق