أدب وفنون

وفاء خنكار في نموذجين للقصة القصيرة جدًا

ملمحان فنيان يجدر ذكرهما والتنويه بهما، قبل الحديث عن فنيات بناء القصة في تجربة الكاتبة المتعددة المواهب وفاء إسماعيل خنكار: أولهما أنّ الكاتبة انزاحت بتجربتها الأدبية من الشعر إلى القصة، فحملت إلى هذه السردية المستحدثة (ق.ق.ج) زخمها الوجداني الملازم للشعر عادة، وجاءت معظم قصصها مفعمة بالأحاسيس والتصوير الجمالي للأشياء والأشخاص، بالاستفادة من الحقل المشترك بين هذين الجنسين الأدبيين. وثانيهما أنّ هذا الانتقال قد توشّى بمناخات الفنّ التشكيلي، وقد نفَذت الكاتبة عبره من رسم ملامح البيئة الزمكانية إلى التعابير المفتوحة الدلالة على مناخات نفسية شديدة الاتصال بأزمة الوجود الكياني للمرأة السعودية، كما وعتها الكاتبة، والمحيط الخارجي في مجتمع تقليدي، ما زالت مسارات التحرر فيه خجولة ومتحفظة، وقلما تجاوزت بعض الحقوق العامة للمرأة كإنسان، من دون أن يتصل بمسار الحرية أو يخترق المحرّم السياسي والديني والقانوني أو “التابو” الاجتماعي، وهو ما ترك هذه  المعالجة متموضعة في دائرة كشف المتناقضات والمفارقات الدقيقة، ولكنها المعبرة -في الوقت ذاته- عن مدى انعكاس الغبن الذي تكبته المرأة في سلوكها الانفعالي، كما تمثلته شخصيات افتراضية لا ملامح واضحة لها؛ منها ما جاء في قصتها القصيرة (عطش) المكونة من خمس عشرة كلمة، التي تقول فيها: “صيف.. قيظ.. جفاف.. سحابة عابرة تهطل بالحديقة.. هرولت تبلل روحها العطشى.. تركت المكواة تحرق ثوبه”.

تنقّلت الكاتبة بين ثلاث حالات متتابعة سببيًا وظرفيًا، بدأتها بتصوير المناخ الخارجي الرتيب والممل (صيف.. قيظ.. جفاف) المعبر عنه، بثلاثة أسماء تقع موضع الخبر، وتوصيف حالة المناخ الخارجي الذي لا يلبث أن يتحول مناخًا داخليًا، يشي بالضجر، ثمّ انتقلت إلى مرور سحابة طارئة تهطل في الحديقة (استخدامها الباء بدلًا من الفاء الظرفية خاطئ)، حيث تتبعها ردة فعل مباشرة، يعبر عنها فعلان في جملتين: (هرولت تبلل روحها العطشى)، ليكون المآل النهائي (تركت المكواة تحرق ثوبه)، وحيث يشكل الفعل (تهطل) فعلًا للتحوّل بين الحالين وإطلاق القيد للهرولة من المكان المفترض، بوصفه قفصًا يحبس ملكات المرأة ويحصر طاقتها في حدود الدور التقليدي لها، لذا كانت الهرولة وترك (المكواة تحرق ثوبه) طلاقًا مع هذا الدور ومنفذًا إلى التحرر منه.

لقد رصدت هذه الأفعال المتواترة الكثيفة مستويين من الحركة الداخلية والخارجية معًا، فكان المآل أقرب إلى ردّة فعل نزق ومتسرع، كإحدى احتمالات اللغة الدلالية والرموز التي وظفتها الكاتبة في تعابير بليغة متعددة الاحتمالات، وقد جاءت مضغوطة ومفعمة بالأحاسيس والمشاعر، كما وردت على لسان الراوي كلي المعرفة، باعتباره الكاتبة أو من ينوب عنها، ومن تولى السرد بضمير الغائب من خارج الحدث، وقد بدت الكاتبة عارفة في خفايا نفس شخصيتها وقادرة على تحليلها وتركيبها، وصولًا إلى نهاية حتمية مقررة عبر جملة (تحرق ثوبه)، كما يلاحظ أن الرصد البصري والفكري لتحولات الحالة النفسية والحركية، قد جاء في مناخ أقرب إلى الصمت وتجسيدًا لحالة فكرية ناضجة ومنجزة، تنمذج المرأة وفقًا لمعطيات علم النفس والمتابعة الاجتماعية والميدانية، أكثر من كونها حالة تعايش واقعية، بالرغم من نبل هدفها.

إننا أمام إنسانة مأزومة انفعالية، تتحرك لملاقاة أي بادرة طارئة للارتواء؛ حيث (عطش) النكرة العامة هي حالة غائمة غير مقيدة ولا مخصصة، تتناسب مع رؤية ثقافية نخبوية أكثر من كونها تخصّ شخصية قصصية، وعندما احتاجت الكاتبة إلى تجسيدها، افترضت لها حاملًا إنسانيًا، لا يقلّ عمومية عن العنوان، ولكنها في مقابل ذلك، عملت عبر لغتها وتعابيرها المفتوحة على التعدد الدلالي على رسم الحالة، بالتوافق والتواؤم بين المناخين، الخارجي القائظ والمضجر والرتيب والداخلي المأزوم والمهيأ لردة فعل مباشرة، تتوافق مع الكثافة اللغوية وضغط المفردات والتعابير إلى أدنى حدّ ممكن.

فالحرمان والأزمة الداخلية الموصوفة، والدور التقليدي للمرأة الضجرة القلقة المتحفزة، جميعًا، سهلت مرور العقدة اليسيرة باتجاه حرق كل ما يصلها بماضيها أو يعيدها إليه.

أما في قصة (احتراق) التي جاء فيها:

“قطعة من خشب العود الفاخر تحترق فوق الجمر بهدوء

.. طيبها يملأ أرجاء الغرفة

يقتـرب منـها بغـترتـه المـتصلبة بالنشاء

.. يـبـخـر غــترتــه

.. يتــخــلــل الـــبخـــور أنـســجـــتـه الــرقـيـقـــة

.. يـأخــذ نفـسـًا عـمـيقـًا ثم يزفـــر الــهــواء بـبــطء

.. يـرفـع طـرفي الـغـترة عـلى كتـفـيه الـعـريـضـين

.. يدير ظهـره لـلـمبخرة

.. يترك قطعة العود تحترق في صمت حتى الانطفاء”.

في قالب رمزي يشف عن مضامينه، ترصد الكاتبة إيقاع مشهد بصري ممسرح صامت، تسلط فيه الأضواء على حلبة، أبعادها المنزل وبطلاها رجل وزوجة، فعلى حين يحضر الرجل بحركاته الاستعراضية حضورًا كليًا ملء الباصرة، ويتبتختر بكامل لياقته ونرجسيته وغطرسته معتدًا بما تحققه له قطعة الخشب الفاخرة (زوجته)، تغيب الزوجة عن المشهد كما في المجتمع، لكنها تحضر بقوة الأثر المعنوي الطيب، عبر تأهيل المكان بكل ما يلزم وبما يحقق التوازن والاستقرار الداخلي، وما تبثه الزوجة باحتراقها البطيء من المتعة والرخاء والنعيم، لرجل افتراضي لا اسم له ولا علامات فارقة، سوى ما يمثله كنموذج ناجز لجنس الرجل “الدنجوان” السائد في مجتمعها، وهو بحضوره الرمزي هذا مجرد ظل، يتحرك ليعبر عن هذه الحالة ويشبعها، بما يقوم به من حركات استعراضية متبطّرة، يتخلّلها تبخير الغترة وتغلغل البخور في مسام جسده، وهيمنة حالة صمت وسكون يجعل لحركته وحضوره ملء الفراغ، بعدًا نفسيًا كبيرًا ومشهدًا ميلودراميًا، يفضي إلى ما يخفيه من خلل وفراغ بين طرفي العلاقة الأسرية، وإلى ما يستثيره من سخرية الراوية أو المرأة الصامتة، على حين تستغرقها حالة احتراقها الصامت البطيء، فهي إذًا حاضرة بقوة بوصفها مصدر العبق المالئ البيت، وهو حاضر بتسيّده وتخطّره وباعتداده الفارغ من أي معنى.

توظف الكاتبة أفعالًا وتعابير معادلة لواقع الحركة الخارجية المتتابعة المطمئنة للرجل (يملأ، يتخلل يقترب، يبخر، يتخلل، يأخذ، يزفر، يرفع، يدير، يترك، تخترق)، تنتهي بـ (يأخذ نفسًا عميقًا) (يدير ظهره) مستنفدًا اللحظة بكل ما يعود على شخصه وتسيّده، ثم ينصرف غير مبال بالمرأة (يترك قطعة العود تحترق في صمت حتى الانطفاء) كما توظف أفعالًا جوانية، تتفاعل سلبًا مع الاحتراق وبما يعادلها رمزيًا (قطعة من خشب العود الفاخر)، فتأتي مشبعة بروح المرأة وعطائها وهي: (تحترق، تفوح، تحترق بصمت).

في كلتا السرديتين، تأخذ الكاتبة موقع العين الراصدة أو الراوي النافذ إلى عمق الحالة وأبعادها النفسية والوجدانية، ولكن عبر توصيفها للآخر ومتابعته، وهو يتحرك بحرية تامة وعلى سجيته.

صحيح أنّ القارئ قد يجد نفسه أمام خطاب سيادي نخبوي ثقافي لكاتبة ناجزة فنيًا، تبني (ق. ق. ج) على التكثيف والاختصار والترميز، وقد يجد أنّ طابع المعالجة الثقافية ظلّ راجحًا على حساب بنية القصة الفنية، التي يفترض أن تركز على إبراز حالات، تتجسد فيها المفارقات الإنسانية بين شخصية وأخرى، وقد تشير هذه الحالة الثقافية النخبوية المستعلية إلى إشكالية فنية، عند كثير من كتاب هذا الجنس السردي؛ حيث يستعيضون بالحركة والحلول الفكرية والثقافية عن حركة الواقع، فتأتي معالجتهم ذات طابع فنتازي، يتداوله الخاصة وينحسر عن العامة التي هي أحوج إليه، باعتبار الأدب رسائل جمالية ذات بعد تنويري.

الكاتبة وفاء إسماعيل خنكار شاعرة وكاتبة وفنانة تشكيلية سعودية من مدينة مكة، حصلت على دكتوراه في الأدب الإنكليزي، وعملت عضوًا في الهيئة الاستشارية بوكالة أخبار المرأة، وناشطة اجتماعية، وهي أم لسبعة أولاد، صدر لها ثلاثة دواوين شعرية، هي (هندسة الحب) 2010 و(حدائق لوركا) 2010 و(مارسيليات) 2012 ومجموعة (ق. ق. ج) بعنوان (القفص) 2012.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق