مقالات الرأي

هل انتهى دور إيران؟

ذهبت تحليلات كثيرة إلى أن دور النظام الإيراني قد انتهى، وبدأ عهد أفوله، بناءً على أخبار وتصريحات وأحداث معينة في الآونة الأخيرة، تمت قراءتها بشكل رغبوي، وليست قراءة تستند إلى طبيعة الدور الذي يؤديه هذا النظام، ومدى الحاجة إليه في السياسات الدولية الراهنة!

النقلة النوعية في دور النظام الإيراني حدثت قبل ما يقرب من أربعين عامًا، فالمستوى البسيط من المشاركة والتحالف الذي كان يطلبه الشاه، كان كافيًا ليتخلى عنه من كان يعتمد عليهم في الغرب، وبانتهاء حكمه باتت المعادلة الواضحة للنظام الجديد هي الرضوخ وتنفيذ الوظيفة فقط، من دون أمل بالمشاركة أو عوائد تنفع الإيرانيين، فعلى الرغم من النفوذ الواسع الذي حققه نظام إيران، فإن مردود هذا النفوذ معدوم تمامًا بل إنه يستهلك ميزانية دولة تُعد من أهم الدول النفطية.

سبق أن قدّمتُ في مقالة سابقة الأسباب التي تجعل من إيران الركيزة الأكثر أهمية لسياسات الغرب حتى مقارنة مع “إسرائيل”، لكن ما سر هذه الأحداث الأخيرة وما جاء في سياقها من تصريحات؟ الإجابات تختلف باختلاف جوانب التأثير الإيراني في المنطقة، إلا أن هذه الأحداث والتصريحات تشكل تحجيمًا بمعنًى ما للطموحات الإيرانية؛ فالضربات الإسرائيلية نالت الأذرع البعيدة عن المركز، وهي ليست عاجزة عن ضرب المركز عسكريًا، بل حتى سياسيًا، والمواقف المعلنة تشكل فرصة لها لتقوم بذلك، ومع ذلك اكتفت بما يؤدب، لا بما ينهي.

تصريحات الحليف الروسي أيضًا ليس القصد منها إقصاء إيران عن حروب المنطقة، إنما إعادة وضعها في السياق الذي يجب أن تكون فيه، مع الإشارة إلى أن هذا الدور برعاية روسية، أي إن روسيا تتحكم فيه وتسيطر عليه.

كي تكون أي قراءة لمآلات النظام الإيراني واقعية، يجب أن تستند إلى المكاسب الكثيرة التي تجنيها دول الهيمنة من وجوده، وهي مكاسب لا يمكن أن تأتي بهذه الضخامة والسهولة بآن واحد، من دون وجود إيران ذات الطموح النووي. وقلقلة الاتفاق أخيرًا الغاية منها التذكير بأن الأفق لا يزال متاحًا لإيران لتصل إلى العتبة الأكثر رعبًا، والمتمثلة في الانضمام إلى النادي النووي؛ لأن إيران من دون أفق نووي لن تصلح كفزاعة.

النظام الإيراني قام على معادلة واضحة: أيديولوجيا حاشدة وشعارات عريضة تغطي وتشوش على الوظيفة المسندة إليه، التي يبلي في أدائها أكثر مما كان متوقعًا منه، لأسباب كثيرة منها ما هو راهن، ومنها ما هو سابق، ومنها ما هو عميق الغور في التاريخ. ففي الطريق إلى القدس (الهدف الذي يزعمه هذا النظام) أغلق معظم الطرق التي تؤدي إليها، ولم يبق سوى فصيل عاجز يؤدي دورًا سلبيًا، إذ يكلف ما تبقى من سكان قطاع صغير، تكاليف مادية وبشرية عالية مقابل مناوشات ووجدانيات غير محسوبة بدقة. فصيل ينسى أو يتناسى أن تحرير الأرض المغتصبة واستعادة حقوق شعب معظمه مهجر وما تبقى محاصر، لا يمكن أن يتحقق بعون من نظامٍ يستبد بشعبه ويحتل ويدمر الدول المجاورة له، ويحقق لدولة الاحتلال ما لم تحلم بتحقيقه.

إن أي تراجع للدور الإيراني يعني تراجع الموارد الخيالية التي يجنيها الغرب من سباق التسلح والحروب في المنطقة، فبالنسبة إلى دول الخليج لم يعد وجود إيران بحد ذاته هو القلق الوحيد، بل إن تدخلها في صلب العلاقات الخليجية دفع هذه الدول إلى سباق تسلح (بيني)، للشعور بالحصانة إزاء خطط الأقوى لابتلاع الأضعف، وأيضًا لكسب الرضا من الحامي الأميركي خاصة.

أي تراجع للدور الإيراني يحرم “إسرائيل” الأمن والأمان الذي تعيشه بفضل نظام الملالي، فعلى الرغم من “البروباغندا” الميليشياوية جنوب لبنان، وجنوب فلسطين، فإن مجمل الصراع الذي أنفق عليه من قبل إيران، كان صراعًا لصالح “إسرائيل”، عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا، بل تتحقق اليومَ مصالح ثقافية كانت مستحيلة نظريًا حتى بعد مئات السنين.

وأيضًا لجم إيران، سيورط الدول الكبرى في المنطقة بشكل مباشر، بينما وفرت عليها إيران ذلك، فهي تضحي بشعبها ومواردها في حروب مدمرة ومزمنة، والغرب يقطف ثمار هذه التضحية.

ما يجب أن نفهمه أنّ مشروع إيران ليس مشروعًا خاصًا بها ومستقلًا، إنما هو الجزء الأهم من مشروع الشرق الأوسط الكبير؛ فنظام إيران هو اليد القذرة وجهة التمويل في آن واحد، لذلك لا نتوهم أن الغرب سيجهض مشروع النظام الإيراني، وخاصة مع الإنجازات الهائلة التي حققها في تفتيت المنطقة وتدميرها.

وما يجب أن نستعد له، في سياق انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وفي سياق تعديل هذا الاتفاق أو إنهائه، أن هناك ثمنًا أعلى، وخدمات أوسع وأدق مطلوبة من هذا النظام، عليه أن يقوم بها، ولكي يقوم بها لا بد له من أن يزداد نفوذًا وقدرة على العبث بمصاير الدول والشعوب في المنطقة. أي إن كل اتفاق جديد يعني المزيد من الثمن المادي والبشري الذي يجب أن تدفعه الشعوب، ومنها الشعب الإيراني.

يجري هذا بينما الجبهة التي بإمكانها لجم سياسات القوى الكبرى، من خلال التصدي للدور الإيراني، منشغلة بصراعاتها الداخلية، وبمحاور تجعل كل محور منها يخضع للإملاءات وسياسات القوى الكبرى بلا حدود. فالخلاف الممتد بين القاهرة وأنقرة، مرورًا بالرياض وأبو ظبي والدوحة، يمنح طهران المزيد من الهيمنة على دمشق وبيروت وبغداد وصنعاء، بل يفتح الأبواب أمامها باتجاه عواصم أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق