سلايدرقضايا المجتمع

هل يشكل انخراط الأطفال في العالم الرقمي تهديدًا لصحتهم الوجدانية؟

"حالة الطفل السوري اللاجئ"

نُقر نحن -السوريين المبعثرين في قارات العالم الخمس وفي أغلب بلدانها- بأن الهواتف الذكية/ الموبايلات قد يسَّرت هروبنا من جحيم الحرب وويلاتها، ومن ملاحقات أجهزة النظام للكثيرين منّا.

واليوم ندرك حجم الآلام والمعاناة التي عاشها السوريون السابقون الذين فروا من بلدهم في زمن حرب “السفر برلك”، وكيف انقطعت أخبارهم عن الوطن وعن الأهل وضاعوا عن أحبابهم.

بالتدقيق في تفاصيل رحلة اللجوء الحالية للسوريين، وما تضمنته من تنقلات وإقامات وتسللات عبر الغابات وفي البحار والجبال، وأحيانًا في الصحاري، سوف نلاحظ أن توفر أداة الاتصال/ الموبايل بأيديهم قد جعل هذه العملية المؤلمة أيسر تحققًا وأمانًا. فبواسطة الهاتف المحمول تمكنوا من تأمين التواصل مع المهربين الموجودين في كل مفاصل وخطوط رحلة اللجوء، وبمساعدته أيضًا استمروا في تواصلهم مع أهاليهم وأصدقائهم، ومنهم تلقوا الدعم، والدعوات بوصول آمن إلى بلد المقصد، وبالتوفيق والسلامة في غربتهم.

من جهة أخرى، لا يمكن أن نتخيل حياة السوريين أنفسهم، من دون (فيسبوك) وبقية الوسائط الرقمية المشاركين فيها، بمساعدتها أمنوا استمرار تواصلهم مع من تبقى من ذويهم واصدقائهم في داخل سورية، وكذلك مع أولادهم وأصدقائهم المشتتين في جميع بلدان العالم، مكّنَهم )فيسبوك) من العثور على بعضهم، والتراسل والدردشة وعبره يتابعون أخبار “الوطن” ويتابعون أخبار الفعاليات التي يقوم بها سوريون في بلدان اللجوء: السياسية الاقتصادية والتعليمية والإنسانية، ويقدمون لبعضهم الاستشارات والنصائح لمواجهة مشكلاتهم الطارئة… الخ.

لقد حافظ السوريون -على الرغم من تشتتهم- على الحد الأدنى من تماسكهم، وكوّنوا مجتمعات أو مجموعات خاصة بهم تشبههم، وقد تنمو وسط تلك الظروف تخصيصات/ ملامح هويات/ هجينة وربما جديدة يرغبو فيها لأنها تشبههم.

يخبرنا السوريون المقيمون في مخيمات اللجوء -في الأردن ولبنان وغيرها– أن منظمات الإغاثة الدولية ومنها UNHCR قد استخدمت القياسات الحيوية المعتمدة على تقنية المعلومات لتسجيل هوية اللاجئين باستخدام الخصائص الفيزيائية للشخص مثل القزحية أو الوجه أو البصمة تنشئ لكل شخص هوية فريدة تُستخدم لتأمين التحويلات النقدية له، ولتعيين المعتمدين لتلقي المساعدات الأخرى.

الأمثلة كثيرة عن التطبيقات الرقمية المعتمدة على الانترنيت والتي قدمت للمجتمعات والأفراد فائدة لا تُخفى على كل ذي بصيرة. وبحسب اختصاصها فقد أولت منظمة اليونيسف اهتمامها لدراسة العلاقة بين الأطفال والانترنيت وتطبيقاته، وأصدرت تقريرها السنوي عن الأمر [1] في نهاية 2017 بعنوان “الأطفال في عالم رقمي” وجاء فيه أن “المراهقين الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة باتوا يشكلون ثلث مستخدمي الانترنيت تقريبًا على مستوى العالم، وهناك أدلة تفيد بان الأطفال يدخلون عالم الانترنيت بأعمار أصغر فأصغر عما قبل. وفي بعض البلدان يكون معدل استخدام الانترنيت بين الأطفال ما دون 15 سنة مماثلًا للمعدل لدى البالغين فوق 25 سنة”.

وجد المشاركون في إعداد التقرير أن سرعة انتشار الأنترنيت في العالم قد غيّرَت قواعد اللعبة, وخصوصًا بالنسبة للأطفال الأكثر تهميشًا، من خلال مساعدتهم على تحقيق إمكاناتهم وكسر دورات الفقر بين الأجيال. فقد أتاح الاتصال مع الانترنيت للأطفال في المناطق النائية وكذلك في مناطق الصراع، وفي حالات الطوارئ فرص تلقيهم التعليم على الرغم من غياب الموارد التعليمية اللازمة مثل الكتب وقاعات الدراسة المناسبة والمعلمين المؤهلين من خلال المساعدة على توفير تلك الموارد، أو بدائلها، للأطفال والمعلمين وتحسين تنسيق الأنشطة التعليمية أثناء حالات الطوارئ ونشر المعلومات التعليمية ودعم تطوير المناهج الرقمية ونشرها.

وقد حظي YouTube بأكبر متابعة كمنصة رقمية فعالة من جانب الأطفال تُمكنهم من متابعة العروض المتنوعة: الأفلام ومقاطع الفيديو والمشاركة بالألعاب، بل إنه أتاح حتى للصغار منهم خاصية المتابعة والانتقال إلى العنصر التالي في قائمة التشغيل، والوصول السهل إلى مقاطع الفيديو المفضلة لديهم وما تحمله تلك الخاصية من فوائد ومخاطر على رفاههم. الأمر الذي دعا البعض للحديث عن تكريس الهواتف الذكية لثقافة ” غرفة النوم” حيث أصبح الوصول للأنترنيت بالنسبة لكثير من الأطفال أمرًا فرديًا وشخصيًا بصورة متزايدة وأقل خضوعًا للإشراف، الأمر الذي يُفسر تصاعد موجات القلق على الأطفال من جانب الأهل والمربين، القلق الممزوج بالتفاؤل، وهم في أحوالهم تلك يفتقرون إلى اليقين حول مدى تأثر أطفالهم بالأجهزة الرقمية التي تتيح لهم الولوج إلى العالم الرقمي ووسائطه المتعددة وعلى رأسها اليوتيوب، فضلًا عن قلقهم وعدم يقينهم حول مسألة الوقت الذي يقضيه الأطفال في التعامل مع المواقع الإلكترونية.

فهل يشكل انخراط الأطفال في الفضاء الرقمي وبخاصة YouTube تهديدًا لصحتهم العقلية – النفسية؟ وماذا عن الوقت الذي يقضيه الأطفال بصحبة الشبكة الرقمية ؟ وهل يسبب لهم التفاعل مع مواد YouTube الضغط النفسي والاكتئاب؟ ومن هم الأطفال الأكثر تأثرًا -بالمعنى السلبي- بالتقنية الرقمية عمومًا، وباليوتيوب خصوصًا؟ وماذا عن الأطفال السوريين اللاجئين؟ هل يندرجون في عِداد المُهدّدين بالأذى؟ وما الذي يمكن للآباء وأولياء الرعاية/ والمنظمات عمله لإتاحة الفرص للأطفال للاستكشاف والنماء بشكل مستقل مع توفير الرقابة في نفس الوقت؟

لقد أجريت دراسات كثيرة حول العلاقة بين الطفل والأنترنيت ومنصاته وبخاصة الـ youtube للوقوف على آثار تلك العلاقة. أثنى العديد من هذه الدراسات على التقنيات الرقمية وفوائدها المحققة في مجالات كثيرة منها: التعليم والتعلم لما توفره المنصات المختلفة من أفلام وبرامج تتصل بالعلوم المختلفة وتطبيقاتها، تُمكّن المتفاعلين معها من اكتساب المهارات العلمية والعملية والحياتية.

في المقابل أطلقت دراسات أخرى تحذيرات جدّية للأهل والمربين وصُناع السياسات والإعلاميين تنبه إلى الآثار السلبية “السوداء” التي تصيب بعض الأطفال نتيجة تعاطيهم مع اليوتيوب والانترنيت عمومًا. فالأطفال كائنات هشة، تفتقر إلى الخبرات والمهارات اللازمة لتأمين تعاملاتهم المثمرة مع هذه التقنية، فضلًا عن محدودية مهاراتهم النقدية.

فقد وجدت إحدى الدراسات علاقة بين بعض الاضطرابات السلوكية عند بعض الأطفال من عمر عشر سنوات أو أقل[2] وتفاعلهم مع YouTube. من هذه الاضطرابات: تورطهم بمشاهدة مقاطع فيديو جنسية صريحة يقومون بتمثيلها فيما بينهم، وميلهم لتطوير مخاوفهم البسيطة وتعظيمها، ولجوء بعضهم لتقليد ممازحات عابثة ومستهترة وتبادلها فيما بينهم استنادًا لما يشاهدون.

ويذهب خبراء الصحة العقلية أبعد من ذلك عندما يتحدثون عن احتمال تأثير مقاطع الفيديو المثيرة للخوف على نمو الدماغ عند الأطفال الصغار (Josephine Bila 2018) [3].

وطرحت الاكاديمية الامريكية لطب الأطفال وبمساعدة من الجمعية النفسية الأميركية عددًا من المؤشرات/ العلامات التشخيصية الدالة على وجود بعض الاضطرابات لدى الأطفال المتفاعلين مع اليوتيوب بدرجة كبيرة[4] نذكر من هذه المؤشرات: تقلب مزاج الطفل ونزقه، انسحابه من الأنشطة التي كانت تسبب له المتعة، تبلد مشاعره وتعبيره عن مخاوفه بشكل روتيني، كثرة الشكوى أكثر من المعتاد من المدرسة، تكرار البكاء، التشبث بأحد الوالدين أو المعلمين، النوم أكثر أو أقل من اللازم، تناول الكثير أو القليل جدا من الطعام.

أما عن وقت المشاهدة فلا يوجد توافق في نتائج الدراسات وفي الآراء حول ما يسمى “وقت الشاشة”، وينصح المتخصصون بضرورة البحث في السياق الكامل لمعيشة كل طفل، مع التركيز على المحتوى والتجارب عوضًا عن عدد الساعات أمام الشاشة، فقد يكون ذلك أكثر فائدة لفهم آثار الوصول الرقمي على سلامة الأطفال.

هنا يقفز إلى الذهن سؤال عن طبيعة السياقات التي يعيش فيها الطفل السوري اللاجئ، في بلدان الجوار (تركيا والأردن ولبنان…) وخصائصها الاقتصادية – الاجتماعية النفسية؟ ويتبعه تساؤل عن احتمال وجود دور سلبي لتلك السياقات تجاه سلوك الأطفال، في وقت تتوافر لهم فيه فرصة الوصول إلى الوسيط الرقمي وبخاصة اليوتيوب والمشاركة فيه؟

فقد تأكد عجز البلدان المذكورة -وهي تستضيف أكثر من خمسة ملايين سوري- عن استيعاب ما يزيد عن نصف عدد أطفالهم في مؤسساتها التعليمية[5]. ومن مطالعة التقارير المتوافرة حول المسألة، يبدو أن السياقات الاسرية- الاجتماعية لهؤلاء الأطفال هي مبعث قلق حقيقي على مستقبلهم، والمقصود هنا الواقع التعليمي والاقتصادي – الاجتماعي وكذلك النفسي من عمالة مبكرة للطفل في مقابل ندرة فرص العمل للراشدين، أو ضآلة مداخيل من تتوافر لهم فرص العمل، فضلًا عن عقبات التكيف مع المجتمعات المُضيفة والاحساس بالتهميش والتنمر والتمييز، وغياب أحد الوالدين عن الاسرة (الأسر وحيدة النواة) فضلًا عن الضغوط النفسية التي عانوا منها قبل لجوئهم، وأحيانًا خلاله، وما صاحبها من اضطرابات نفسية… تُشكّل تلك الظروف حزمة متماسكة هي تعبير عن متلازمة حرمان بكل أبعاده، يعيش وسطها الطفل اللاجئ ما يدفعنا لإبداء الخشية على هؤلاء الأطفال عند تعاملهم مع التقنيات الرقمية -وأخص YouTube– ومحتوياتها السوداء، وما قد ينجم ذلك من آثار سلبية على الأطفال، الأمر الذي قد يسهم في دعم متلازمة حرمانهم ويزيد من تماسكها.

كل ذلك يضع المنظمات الإنسانية العاملة في إطار دعم المجتمعات المحلية المساندة للاجئين، سواء كانت محلية، أم إنسانية دولية أمام واجبات جديدة ومهام غاية في الحساسية بقصد توفير الحماية لهؤلاء. فدعم الأطفال لا يقتصر على توفير الطعام والمسكن -على أهميتهما- بل يمتد إلى الحماية النفسية لهم وتُحصينهم من الانزلاق في مشكلات معقدة قد يصعب علاجها في المستقبل.

(*) الصورة: Marit Hverven/Norad

[1] يونيسف، أطفال العالم عام 2017 “الأطفال في عالم رقمي”، ص99.

[2] Why YouTube is Causing Young Kids to Go into Therapy: And Why
Parents Need to Discover Kids YouTube.

https://www.anxioustoddlers.com/kids-youtube/#.W1nMT0xFwcA

[3] YouTube’s dark side could be affecting your child’s mental health,2018

https://www.cnbc.com/2018/02/13/youtube-is-causing-stress-and-sexualization-in-young-children.html

[4] http://www.apa.org/helpcenter/stress-children.aspx

[5] من بين 1.946 مليون طفل بعمر((3-18سنة) موجودون في تركيا ولبنان والأردن مازال 1.1 مليون منهم خارج المدرسة: دراسة غير منشورة لكاتب المقالة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق