أدب وفنون

عودة اللاجئين وسياسة تدجين البقر

بدأت علاقتي بالسياسة في مدينة حمص، في أواخر الستينيات، ولكن في وسط “فلاحي”.  كانت العلاقات العامة للناس تجري في أجواء مدينية، ولكن الأحياء الطرفية الجديدة المكونة من الريفيين، كانت مندهشة ومنسحقة أمام “هالة المدينة المقدسة”، كما المؤمنين المسيحيين أمام صور القديسين التي تزين كنائسهم، ولكن العلاقات “الداخلية” للريفيين بقيت قليلة التأثر بما هو قادم من الوسط المديني، ومن ضمن ذلك لهجاتهم الريفية المحلية، وبعض الأزياء، وخاصة أزياء النساء وكبار السن، وبعض المقدسات “الخرافية”، وبعض السلوكات التي لها علاقة بتربية الحيوانات أو الزراعة الفقيرة. وكان قليل من أبناء المدينة يعرفون حجم المتغيرات التي تجري في حياة ابن الريف الذي استقر جزئيًا في المدينة، نتيجة عدم الاختلاط والخوف المتبادل والريبة والشك والاحتقار أو الاستصغار.

كان معلمو الريف الحلبي يغادرون قراهم الخميس بعد الظهر والجمعة، فمنهم من يعود إلى بيت أهله، ومنهم من يمضي عطلة نهاية الأسبوع في مدينة حلب، للتعرف إلى المدينة “العملاقة”، انطلاقًا من “ساحة باب الفرج”، ومن ثم إلى جميع الاتجاهات، وكنت أحد هؤلاء، فقد اخترت البقاء في المدينة؛ أحلم بالصبايا والمال والسلطة. كان بعض أقربائي قد وصلوا إلى بعض مراكز القرار في الحزب والمؤسسات الاقتصادية المؤممة، وفي التعليم، بالرغم من عدم وجود أرضية اجتماعية لهم، فهم من خارج محافظة حلب، استقروا في المدينة مع بدايات وجود “البعث” فيها، والاستقواء به.

في يوم خميس “حلبي”، بعد الظهر ربيع 1970، كنت مع أحد أقربائي، وهو صديقي في الوقت ذاته، في “شارع التلل” المزدحم بكل أنواع البشر والسيارات والمحال التجارية، كنا هناك لتمضية الوقت برؤية واجهات المحال، وما تحتويه من معروضات لا نستطيع، في أحسن الحالات، أكثر من النظر إليها، والحلم باقتنائها. كانت الأرصفة مزدحمة بالاتجاهين، بشكل لا يسمح للمشاة برفاهية المرور دون الاحتكاك الإجباري ببعضهم البعض. كان صديقي وقريبي الذي يكبرني بعدة سنوات، يترك لذراعيه، على الازدحام الخانق، حرية “التمرجح” إلى الأمام، وبشكل أقوى، إلى الخلف، وبخاصة عندما تمر فتاة بقربنا، متجهة بعكس سيرنا. حدث بعد إحدى التلويحات بذراعه، أن التفتت سيدة، بعد أن تجاوزتنا، وشتمت قريبي بصوت مرتفع، واصفة إياه بقلة الأخلاق وانعدام التربية المنزلية. ثارت نخوتي الريفية ورابطة الدم، وحاولت التوقف للرد عليها، ولكن “دفشة” من قريبي، جعلتني أتابع السير بقربه على الرصيف، وعندما سألته ماذا فعل حتى نال شتيمة المرأة، قال: عندما تعبر امرأة بقربي ألوح بيدي وأضربها على مؤخرتها، وهذا ما فعلته قبل قليل. قلت: ما هي المتعة البليدة في ذلك، غير تلقي الشتائم؟ قال: قد لا تكون مفيدة حاليًا، ولكنها ستخدم غيري! قلت: لم أفهم ماذا تريد أن تقول! قال: أنت تركت القرية في سن مبكرة، من أجل ذلك قد لا تعرف عادات الفلاحين وطرق تعاملهم مع حيواناتهم الأليفة، لذلك سأروي لك ما كان يجري في بيوتنا الفلاحية الكبيرة:

كان البيت الفلاحي في منطقة مصياف، قبل انتشار البناء الحديث، مبنيًا من الحجر “الشل”، وسقفه من شجر الحور والتراب، ومساحته تراوح بين الخمسين مترًا والمئة متر مربع. تُقسم هذه المساحة إلى ثلاثة أقسام: اليساري منها يعرف بـ “المقعد”، وفيه يُستقبل الضيوف وتنام العائلة وتأكل. القسم المتوسط من البيت يسمى “المحرك”، وهو للنشاط اليومي لسكان البيت. القسم اليميني من البيت يكون مخصصًا، في الشتاء، للحيوانات، كالبقر والحمير والماعز، حيث تنام وتأكل، ويتم حلبها داخل البيت. وكان الفلاح، كي يخفف عنه تعب جمع فضلات الحيوانات، يقوم ليلًا، في وقت محدد، بالمرور عليها، رافعًا بيده اليسرى ذيل البقرة، مثلًا، وباليد الأخرى يحمل سطلًا كي تطرح فضلاتها فيه.

تابع صديقي شرحه قائلًا: يحدث أحيانًا أن “البكّيرة” وهي بقرة شابة، لم يتم ترويضها، تبدأ بالركل “والعنطزة”، عندما يقترب الفلاح منها ليرفع ذيلها، فيلجأ إلى وضع يده على ظهرها ومسح مؤخرتها والتربيت عليها عدة مرات، إلى أن تطمئن وتهدأ، عندئذ يرفع ذيلها واضعًا السطل تحته، فترمي فضلاتها فيه. هذه العملية هي أول خطوات ترويض البقرة أو العجل، يأتي بعدها الترويض من أجل الفلاحة.

وتابع قريبي: عودة إلى موضوع المرأة التي شتمتني، ولماذا فعلت ذلك. قلت لك قد لا أستفيد شخصيًا من لمس مؤخرة المرأة، ولكن سيأتي “فلاح” آخر ويستفيد من “صفعة” الترويض الأولى التي قمت بها، كما حدث مع “بكيرة” الفلاح.

الخلاصة أن سياسة الأسدين، في ترويض الشعب السوري، لم تختلف خلال خمسين عامًا عن جوهر سياسة الفلاح في ترويض البقر، وخاصة الآن، بعد الإعلانات عن “النصر” والدعوات لعودة السوريين الذين تمّ تهجيرهم، ولا شك أن لدى كل سوري رغبة في العودة إلى وطنه، ولكن على أمل أن تكون بشروط إنسانية عادلة، في حدها الأدنى..

إن وعود النظام لهم، ووعود روسيا بحمايتهم وضمان حقوقهم في حال العودة، ما هي إلا سياسة فلاحية لترويض الحيوانات، فهل سيقبل السوريون، بعد كل ما حدث معهم، العودة الى مزرعة الأسد وإلى مربط الترويض، وتلقي الصفعات على وجوههم، وليس فقط على مؤخراتهم!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق