هموم ثقافية

بيان الذئاب

“ما أجملك أيها الذئب، جائع وتتعفف عن الجثث!” قاسم حداد

من نحن؟

نحن الذئاب غير الموقعين أدناه، غاضبون أشد الغضب من بيانات الغاضبين، غاضبون أكثر من أي حركة مقاومة تعكس في جوهرها ضربًا من الإفلاس الإبداعي، وغضبنا الذي نطلقه الآن لا يجب أن يأخذ منحى أوديبيًا، فلا أب لنا كي ندعو إلى قتله. ولدنا في البرية وتم اقتيادنا عنوة إلى مدنكم. قبلها كتب البحتري عن جوع جدنا الأول: “طواه الطَوَى حتى استمرَ مرِيـرُهُ/ فما فيهِ إلا العَظْمُ والروح والجِلْدُ”، لقد كان يكتبنا لغاية القتل ليس إلا.

حين نصبوا لنا الفخاخ، قضمنا أقدامنا كي ننجو، ولهذا نحن “ذئاب قلقة في المدينة”، لا يمكن نسيان جراحها، أَنْ تعيش أبد الدهر بأرجل عرجاء، لزامًا كان عليها الهرب. قال أحد أجدادنا الكبار، نيتشه: “لست شهيدًا، على كل حال أنا أكثر مكرًا من ذلك، أنا سأهرب”. وعمومًا، نحن نعرف أننا لا نمثل شيئًا بالنسبة إليكم، ولهذا يجب أن نموت، لكننا سنعترض على ذلك، فمن مهماتنا نحن -الذين من شدة الجوع ينتحب تحت أشداقنا لحم الضجر- تعكير صفو الغاضبين. ثم ها إننا متعبون جدًا، لقد تعلمنا إخفاء ذلك، وبدل طلب الرحمة أو التورط في المديح صرنا نضحك، ألم يكن الضحك ضربًا من انحياز الآلهة؟ جد آخر، آرتو، قال ذات يوم: “أجل سوف ننتحر، ولكن ليس الآن، في الانتظار دعونا وشأننا”.

نحن غير الموقعين أدناه، من لا صفة لهم في كل شيء، قرأنا ما كتبه النابتة حين دخل المدينة: “إذا مت قالوا: لنا دمه، وكل الطريق إلى القلبِ، كل الخلود لنا/ إذا عشت قالوا: رياحٌ حزينة، وذئبٌ على قلقٍ، لا نحب الذئاب على قلقٍ في المدينة؛ فلماذا نتهم دائمًا بالحزن؟ وهل يجب ضرورة موتنا حتى يمدحنا الشعراء في قصائدهم، ومن ثم تتم عملية شواء لحمنا؟ ألم يقل البحتري مرة أخرى عن موت ذلك الجد: عَوَى ثُمَ أَقْعَى، وارْتَجَزْتُ فَهِجْتُــهُ/ فأقبلَ مثلَ البرقِ يتبَعُــهُ الرَعْدُ”؟ وعلى أي حال؛ نحن ذئاب ميتة سلفًا، ستظل تعبر أزقة المدينة بأقدام عرجاء.

عن المسرح

– إذا أردت الفوز ببعض أرطال من اللحم الطري، وأنت تبحث عن دعم لأعمالك، يمكنك صيد عضو من أعضاء اللجنة المهتمة بذلك، من حقه عليك نسبة مما ستأخذه، ها أنت وضيع مثله.

– إن داهمك الزمن ولم تنجز عرضك الأول بعد، يمكنك تغيير عنوان عرض قديم كي تشارك في أول مهرجان، يمكنك -أيضًا- الانتحال، هذا أمرٌ سهلٌ جدًا في عصر المنعطفات التقنية.

– إن فاز قرين لك بمنصب في وزارة الثقافة، يمكنك مهاجمته، سيمكنك –أيضًا- أن تتحول إلى كاتب تقارير في ردهات وزارة الثقافة، وتكشف جميع أوساخه، حين كان مثلك مشردًا في المدينة.

– إن تم طرد أحدهم من منصبه، يجب أن تتضامن معه، فمصيرك -إذا ما فزت بمنصب مثله- أن تطرد، من حق اللصوص أن يتضامن بعضهم مع البعض الآخر، سيجعلون منك لصًا رغمًا عنك.

– أما نحن الذئاب، فمن شريعتنا الضحك، “ذئاب قلقة في المدينة” لا غير، لا يمكن للتراجيديا أن تموت، بل يموت من كان يحملها، ولا يمكن للمسرح أن يندثر، بل يندثر النوع المسرحي الذي كان عليه.

عن الصحافة

– يمكنك، على الرغم من حداثتك، الكتابة في جريدة منتسبة إلى جراثيم الله ونقاباته، يمكنك -طبعًا- تبرير ذلك! إن كارل ماركس نفسه سبق أن كتب في جريدة أميركية تحركها أموال الرأسمالية.

– يمكنك، على الرغم من جديتك، أن تجلس في حانةٍ ما، وتكتب عن كل العروض السيئة والمنحطة وعن كل السياسيين الكلاب، يمكنك تبرير ذلك -أيضًا- بالرغبة في الجنون: كأَنْ تحتاج حينئذ إلى مزيد من النبيذ، وبعض الدولارات كي تصطاد مومسًا كانت قد طردتك من طاولتها في زمن ما.

– يمكنك عقد صفقة مربحة مع مدير لمهرجان ما، وتجند مبتدئين في الكتابة؛ فالمبلغ الذي ستناله من حق ذلك المدير أن يقتسمه معك، يمكنك -طبعًا- تبرير ذلك، فأولئك المبتدئون لن يطلبوا منك فلسًا واحدًا، لهم شرف التجربة معك، ها أنت خسيس وقذر مثل رجال الأمن.

– أما نحن الذئاب، فمن شريعتنا التهكم، ذئاب تجعل من الباروديا أفقًا لا اعتراض عليه، سنكتب بالسم، ولا شعار لنا غير إسقاط الاحترام، وسنهدم بمنشور سري “جرائدكم المطرزة بالذهب”.

عن السلطة والأحزاب

  • يمين يقتات من جثة الله.
  • يسار إيراني/ كربلائي المواقف.
  • عروبيون مثل مهرج يتطاوح على حبلين: حبل التقدمية، وحبل الرجعية.
  • ليبراليون من مهماتهم التجارة بأسماء الشهداء والموتى في المحافل الانتخابية، ومن مهماتهم اختراع أصنام لزعماء فاشيين.
  • مستقلون ثوريون لا لشيء إلا لأنهم لم يجدوا فرصتهم في اقتطاع رطل من أرطال لحم البلاد، سنراهم يزايدون على الثورة أول نجاحها.
  • نقابات تسيرها مصانع الغيب، خاضعة للعبة الشطرنج السياسي.
  • أما نحن الذئاب، فذئاب “قلقة في المدينة لا أكثر”، سنقتل أجدادنا أيضًا؛ إذ “لا أجداد لنا فيما يخص باب التمرد”، ولا معلم لنا غير التجربة الحية.

نحن الذئاب تخجلنا فعلًا الإقامة عند المستنقعات، كثيرًا ما نشعر بالخوف حين يكون ثمة احتمال يجعلنا نتحول إلى مجرد ضفادع كئيبة، ولهذا سنتخطى براز الغاضبين، كما سنتخلى عن كل شيء، عن قرف دياناتكم وعقائدكم وإفلاسكم الروحي.

نحن الذئاب ميّتون سلفًا، نعبر أزقة المدينة بأرجل عرجاء، ونعوي من شدة الضجر مثل شيطان بيتر بروك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

Close
Close