ترجماتسلايدر

عندما يطلب الأسد من السوريين العودة إلى الوطن.. فهذا ما يعنيه حقًا

الصورة: لاجئ يحمَّل أثاث أسرته في شاحنة استعدادًا للعودة إلى الوطن (صور غيتي).

بشار الأسد في تصريحات للصحفيين الشهر الماضي، قال: “إننا نشجع كل سوري على العودة إلى سورية”. إن تصريحاته، وهي جزء من هجوم ساحر أكبر بقيادة روسيا يستهدف الدعم الغربي لإعادة الإعمار وجهود إعادة اللاجئين إلى الوطن، ترسم الصورة لزعيم مستعد لاستقبال كل عضو من مواطنيه المشردين في كل أصقاع الأرض بالأحضان.

لكن الواقع أبعد ما يكون عن الحقيقة.

الغائب من دعوة الأسد إلى اللاجئين والمغتربين السوريين هو تحذيرٌ واحد غير قابل للتفاوض. ليس كل سوري مُرحبٌ به، بل كل سوري مخلص كفاية للنظام.

وللتأكيد على هذه النقطة، بدأت حكومة الأسد إعادة بناء سورية تقوم على مبدأين أساسيين: سياسة عدم التسامح مطلقًا مع المعارضة، ولا أي ندم على الفظائع الجماعية التي ارتكبت في الماضي.

في الأسبوع الماضي فقط، أبلغ جميل حسن، مدير المخابرات الجوية (الذي أصدرت ألمانيا بحقه مذكرة توقيف دولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب) مجموعة من 33 ضابطًا: “سورية مع 10 ملايين شخص موثوقين مطيعين للقيادة، أفضل من سورية مع 30 مليون مخرب. بعد ثماني سنوات، لن تقبل سورية بوجود خلايا سرطانية وسيتم استئصالها بالكامل”.

وكشف أن أكثر من 3 ملايين سوري مطلوبون حاليًا، وأنه تم إعداد ملفات قضائية لجميعهم، كما قال حسن: إن أي شخص يُعدُّ “عائقًا” لخطة النظام لتوطيد السلطة سيُصنف بـ “إرهابي”. وسيتم التعامل معه وفقًا لذلك. وفي إشارة إلى اللاجئين الذين يعتزمون العودة إلى ديارهم، فقد وصفهم كـ “أغنام”، حيث أوضح أن الأغنام الفاسدة ستتم تصفيتها، وأن “الجيد منها” سيستفاد منها.

تصريحات حسن ليست مجرد كلمات لإلهام أنصار النظام خلف الأبواب المغلقة. في وقت مبكر من شهر آذار/ مارس من هذا العام، ذكرت صحيفة التايمز الأيرلندية أن عددًا من اللاجئين العائدين إلى سورية واجهوا تهديدات كبيرة واعتقالات وكذلك الموت. عاد ما لا يقل عن أربعة لاجئين سوريين إلى ديارهم وقتلوا، ثلاثة منهم اعتقلوا بعد أقل من ثلاثة أشهر من عودتهم، وماتوا في سجن عسكري بعد مرور ما بين شهرين إلى أربعة أشهر.

أما اللاجئون الآخرون الذين عادوا فقد صودرت جوازات سفرهم، وتم استدعاؤهم لاستجوابهم من قبل السلطات في مناسبات عديدة، واتُهموا بأن لهم علاقات مع المعارضة السورية. أولئك الذين قاتلوا ضد الجيش السوري، أو تحدثوا علنًا ضد النظام، قد طُلب منهم الخضوع لعملية “مصالحة” لا تضمن سلامتهم دائمًا، لكن ذلك يتطلب منهم التعهد بعدم المشاركة في أي أنشطة تتعلق بالمعارضة.

ومع ذلك، ليس فقط اللاجئون العائدون إلى وطنهم الذين يجبرون على المشاركة في هذه العمليات. في المناطق التي يستعيد فيها نظام الأسد سيطرته، قيل إن السكان قد “خُيروا”، بين النزوح من منازلهم أو الموافقة على “المصالحة”. في الشهر الماضي، نشرت (المدن) نسخة من النماذج المستخدمة في ترتيبات “المصالحة” هذه. في هذه العملية، يُطلب من المهجرين أو العائدين التوقيع على وثائق يلتزمون بموجبها بعدد من التعهدات، منها عدم الاحتجاج “خارج نطاق القانون”، وعدم نشر محتوى مكتوب يهين الحكومة والمؤسسة الأمنية، وإبلاغ مسؤولي الأمن فورًا بأي معلومات تتعلق بالوضع الأمني.

بالإضافة إلى ذلك، تطلب النماذج من الموقعين الكشف عن تفاصيل تتعلق بمشاركتهم في الاحتجاجات، والأدوار التي ربما لعبها أي من أفراد الأسرة في (الأحداث) السورية، والمعلومات الشخصية مثل أرقام جوازات السفر والحسابات الإلكترونية، ومن المحتمل وسائل التواصل الاجتماعي.

في الوقت الذي يحاول فيه الأسد بناء دبلوماسية على أمل أن يفتن المراقبون الغربيون، وأن يستفيدوا من اهتمامهم المحدود وذكرياتهم، فإن تصرفاته لا تبدي أي استعداد لتحمل المسؤولية عن الفظائع التي ارتكبت خلال السبعة أعوام والنصف الماضية. بدأ بالفعل تطبيق قانون يهدد بجعل التغييرات الديموغرافية القسرية التي بدأها النظام دائمة نتيجة للتهجير القسري خلال الحرب، في مناطق ذات أهمية استراتيجية. ولا تزال الفظائع الجماعية – ومنها قصف الأحياء، وتعذيب الأشخاص المحتجزين وقتلهم، وإبادة المواطنين المستهدفين- مستمرة بالإفلات من العقاب وغير مبالٍ بالإدانات الدولية.

في الآونة الأخيرة، وفي مثال يجسّد الطريقة التي ينظر بها النظام إلى عودته إلى السلطة، بدأ مسؤولو الأسد إصدار شهادات وفاة لأشخاص ماتوا نتيجة للتعذيب في أثناء احتجازهم. بدلاً من أن يتم إخطارهم بشكل صحيح، تكتشف العائلات عن طريق الصدفة عندما تذهب إلى السجلات المدنية لتأمين أي وثيقة أن أحباءهم المفقودين قد ماتوا منذ سنوات. لا تُمنح العائلات الفرصة لتوديعهم واستلام الجثث، ولإضفاء المزيد من الإهانة على المصيبة، تنص شهادات وفاة المعتقلين الذين تعرضوا للتعذيب على أنهم ماتوا نتيجة لـ “النوبة القلبية” أو “السكتة الدماغية”.

بينما يبدأ النظام في التحضير لمرحلة جديدة ما بعد 2011، لا شك أنه سيعمل -مع مختلف الأدوات الإدارية والقانونية وغير القضائية تحت تصرفه- على إعادة إدخال استبداد أقوى من ذي قبل، مبني على عدم التسامح مطلقًا مع المعارضة والاعتراف بالخطأ. إنه نظام سيعمل مرة أخرى على تشغيل المواطنين ضد بعضهم البعض، من خلال شبكة موسعة من المخبرين، لتعزيز نظام المراقبة والتجسس، ولإسكات أي شخص يتجاوز الخطوط المرسومة، ولتعزيز ثقافة الخوف، وهي كلها التي تشكّل ركائز أساسية للدولة السورية.

في الوقت الذي تنظر فيه الحكومات الغربية إلى مقترحات الإعادة إلى الوطن وإعادة الإعمار التي عرضت عليها، فإنها ستفعل خيرًا إن عرفت أن سورية التي قد تمولها هي التي قُتل فيها ملايين من السوريين وأُرهبوا وتشردوا، وألا تطلب أبدًا منهم العودة إلى ديارهم في نهاية المطاف.

اسم المقالة الأصل When Assad asks Syrians to come home, here’s what he really means
الكاتب مي السعدني، MAI EL-SADANY
مكان النشر وتاريخه ذ هيل، THE HILL، 16/8
رابط المقال http://thehill.com/opinion/international/401638-when-assad-asks-syrians-to-come-home-heres-what-he-really-means
عدد الكلمات 787
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق