أبحاث ودراساتسلايدر

من دولة الأمة إلى (دول العدوان) على الأمم

في ما يسمى العصر الحديث، بفعل التطور المشترك للإنسان والمجتمع، اكتملت بعض الأمم تكوينًا بمعنى الشعب المحدد، والوطن المحدد، وبذلك فإن النظريات التي اعتمدت العناية الإلهية، أو التطور العائلي، أو القوة، في تأسيس الدولة، منفردة أو مجتمعة، لم تعد تناسب هذا الطور الجديد، فكان لا بد من اعتماد مستند فقهي ونظري جديد، لتأسيس الدول ذات الحدود الجغرافية الثابتة، والبشرية المحددة.

ما يعنينا الآن أن الفقه القانوني اغتنى وتوسع، ودخل ميدان الجدل والحوار حول الدولة. والحق أن جموعًا كبيرة من الشعوب ارتفع صوتها تطالب بحقوقها عن طريق التظاهر، وربما عن طريق الثورات الدموية. والدولة لم تعد تُنسب إلى صاحبها الحاكم، أو الملك، وإنما غدت تُنسب إلى الأمة، أو إلى الشعب، بصرف النظر عن مدى تحقيق ذلك واقعيًا. ودفع ذلك كله الفلاسفة، ورجال القانون، إلى الخوض في مسائل جوهرية تتعلق بجوهر حرية الإنسان، وتحرير إرادته، فظهرت نظريات المعرفة للدولة، والحق استنادًا إلى التجربة، وتعمّق علم القيم للدولة، والمنطق الحقوقي، وتعددّت المناهج التي تحاول دراسة الحق والدولة والقانون، وهذا يعني أن لا بد من دراسة علم اجتماع الدولة، والحق، وعلم نفس الدولة، والحق، وعلم السياسة للحق، والتطبيقات الأخرى للمقاربة السببية: الأنثروبولوجيا والبيولوجيا والجغرافيا… أما المنهج المعياري، الذي اعتمد دراسة الحق والقانون كظاهرة روحية، فهو منهج غير تجريبي، حيث القانون وسيلة لإدراك الهدف.

أما المنهج التاريخي، فقد اعتبر تاريخ الدولة، والحق علمًا مُتفرّدًا للماضي، على عكس اليقينية الحقوقية التي هي علم متفرد للحاضر، فإما أن يُشاهد القانون القديم مُطبقًا اليقينية الحقوقية التي تحدّد فحوى الحق القديم لذات العنوان الذي تطبقّه اليقينية على الحق الحالي، وإما أن الدولة والقانون القديمان يُشاهدان مطبقين لمنهج التفسير السببي.

عني المنهج المُقارن بدراسة كل الدول، والحقوق، في الوقت ذاته، وبالمقارنة للوصول إلى معرفة مميزاتها العامة، بينما عني المنهج التقني بالعلوم الحقوقية بالمعنى الضيق، حيث لا يرى في القانون سوى إبداع اجتماعي روحي، أي مجموعة معايير تُنظمّ السلوك الاجتماعي للبشر (ويسمى العمل البشري المتكون لخلق وتطبيق القانون صياغة “تقنية” القانون)، ففي إنشاء، وتطبيق القانون، من الطبيعي أن يستخدم البشر بعض المناهج المُحدّدة لإدراك أهدافها الأكثر فاعلية ممكنة، وهكذا يمكن للمعايير الحقوقية العامة أن تكون نابعة من العرف، أو القانون.. وللحصول على معيار علم يكون من الضروري إجراء جهد تجريدي، فالمنهج التقني هو منهج لخلق، وتطبيق القانون.

لقد استخدم الأوروبيون ذلك كله، وأكثر، لبناء وتأسيس دولة عصرية (في أوروبا حصرًا)، للخروج من ظلام العصور الوسطى. وقد أسموا هذا العصر (عصر التنوير)، حيث فتحت أبواب واسعة أمام البشر للحرية، وإبداء الرأي، وأتاح هذا المناخ جوًا صحيًا لينتج قانون (الجدل الاجتماعي) مفاعيله، وبدأ النماء في الفقه والفلسفة والفكر والفن والسياسة. وبدأ (الرعاع)، يتحسّسون مصالحهم وحقوقهم وكرامتهم أحيانًا، ويقودون الثورات أحيانًا أخرى، وتأسست في ظل هذا المناخ الدولُ القومية في أوروبا، حيث لا انتقاص من سيادة الدولة على أرض الأمة، ولا تعدٍّ على أمة أخرى، ووضعت أحجار الحدود بالتراضي، أو بالصراع، أو بالتحكيم أحيانًا أخرى. وسويّت مناطق التخوم والتداخل القومي، بتأسيس الدول الاتحادية الفدرالية، والكونفدرالية، ووضعت الضوابط لتمثيل الشعب في مجالس تمثيليه، وتعددّت أشكال الاستفتاء والانتخاب والاختيار، لتكون الحكومة ممثلة للشعب. ولكن الرأسماليين كانوا يتربصوّن بتلك المجتمعات اعتمادًا على (القانون الطبيعي)، وعلى مبدأ (دعه يعمل.. دعه يمر)، وعلى أن الدولة يجب أن تكفّ عن التدخل في شؤون الأفراد إلا في الحدود الدنيا. واستمر ذلك إلى أن تمكنّ الرأسماليون من إحكام سيطرتهم واستشراء قوتهم، فأحكموا سيطرتهم على الدولة ذاتها، بعد ذلك، وبعد ذلك فقط بدؤوا استخدام الدولة، على الصعيدين المحلي والدولي، لخدمة مصالحهم الربوية، والرأسمالية، فبعد أن اصبحت الدولة دولتهم، أصبحت مصدر كل السلطات.

وبذلك تكون الرأسمالية قد أحكمت سيطرتها على الدولة، وعلى القانون الوضعي، استنادًا إلى القانون الطبيعي، وعلى الرغم من أن القاعدة القائلة (دعه يعمل.. دعه يمر) ما زالت قائمة، فإن العمل، والمرور، أصبح مُقتصرًا على القادرين، أو من خلالهم، ومع أن حرية الرأي والتعبير ما زالت مُسطرّة في القوانين، فإن الرأي الذي لا تدعمه قوة القادرين لا قيمة له، إضافة إلى امتلاك وسائل الإعلام، والثقافة القادرة على تصنيع العقول، وصناعة الرأي، وعلى الذين لا يدركون مدى الاستلاب الذي تعاني منه تلك الشعوب، وعجزها عن تكوين رأي مستقل، أن يتابع ما صنعته أجهزة الإعلام (المملوكة) في العقول، خلال الأزمات الداخلية والأزمات العالمية الحادة.

أدركت الرأسمالية، منذ البداية، ونبهّها إلى ذلك مفكرو وفلاسفة الإصلاح والاشتراكية، أن مصيرها إلى زوال، وأن قدرة السيطرة على المجتمعات محدودة بفترة زمنية مُحددّة. فبعد حين سيزداد الأغنياء غنى، وسيصبحون قلة، وسيزداد الفقراء فقرًا، ويصبحون هم الكثرة الغالبة، وستنشب الثورات. كل هذا دفع الرأسماليين الذين أصبحت (الدول) تحت أيديهم إلى توجيه ضربة استباقية لفلاسفة الاشتراكية والإصلاح، فكان الاستعمار لدول العالم، حيث نهب ثروات الشعوب في العالم لرشوة الشعوب في أوروبا، والدول الرأسمالية، ولتأمين حياة من الرفاهية النسبية والتقدم (لبروليتاريا أوروبا) تحسدهم عليها شعوب العالم الأخرى، لكن هذا الرخاء لا يمكن أن يُنسب إلى الدولة (الديمقراطية)، و(الليبرالية)، في أوروبا، وإنما يُنسب إلى النهب الاستعماري لشعوب العالم، وأنه في اليوم الذي تنهض فيه شعوب العالم لتحرر إرادتها السياسية، والقومية، والاقتصادية، والثقافية، فإن تلك السلسلة المحكمة من الفقه والقوانين والأنظمة ستنهار، لتتقدم الشعوب خطوة تسدّ فيها الثغرة التي ينفذ منها الاستبداد، والاستغلال، وهذا ما يجب أن ينتبه إليه العلم، والفقه، والفلسفة، والقانون في (الدول الخادمة) التي صنعتها الدول الرأسمالية في شتى أنحاء العالم لخدمة الدول الرأسمالية (الأم).

إذا كانت تلك هي النتائج التي ترتبّت على نظرية الحق الطبيعي، وتطبيقاتها على الدول والقانون؛ فماذا قدمت النظريات الاشتراكية وتطبيقاتها في هذا المجال؟!

لقد تنبهت الشعوب الأوروبية، في وقت مبكر، إلى خطر الرأسمالية على حرية الإنسان وحرية الشعوب، وبدأ الفلاسفة والمفكرون والفقهاء يقرعون أجراس الخطر على الحرية التي حصلوا عليها بعد ثورات واضطرابات دموية، حيث تخلصوا من استبداد الملوك والأباطرة والنبلاء، فظهرت المدارس الاشتراكية والأحزاب العمالية، وتوجت تلك الأفكار بأكثر النظريات حسمًا، في ذلك الوقت، التي قامت على منهج (الجدلية المادية)، وعُرفت فيما بعد بـ (الماركسية).

و(الجدلية المادية) هي قلبٌ (للجدلية المثالية) رأسًا على عقب، وهذا ما عبّر عنه صاحبها كارل ماركس؛ فالجدل الذي أبدعه هيغل، ووضعه في (الفكر المطلق)، لا في (الفكر الإنساني)، جاء كارل ماركس ليضعه في (المادة)، لا في (الإنسان)، ويحلو للماركسيين القول إن ديالكتيك هيغل كان يسير على رأسه، فجاء ماركس (ليعدله) ويجعله يسير على قدميه.

المجال هنا لا يتسع للمناقشات الفلسفية. وكل ما في الأمر أن الماركسية وصفت، ودرست، وحللت النظام الرأسمالي تاريخًا، وحاضرًا، ومستقبلًا، واتخذت الموقف (المعكوس) من الحالات كلها. وفي ما يخص الدولة، فإنها في نظر الماركسيين دولة المسيطرين الرأسماليين، وإنها إلى زوال مع زوالهم، ففي الشيوعية، لا طبقات، ولا صراع طبقي، و(لكل حسب حاجته)، وبالتالي لا دولة.

لم ينتبه ماركس وإنجلز والأحزاب الشيوعية والاشتراكية في أوروبا والعالم إلى أنهم، بينما كانوا يُحللوّن ويُدققوّن ويُناقشون تفاصيل التفاصيل في النظام الرأسمالي، ويدعون الشعوب إلى (انتظار) تفاعل أزماته المادية: (فليس على الشيوعيين إلا أن يعبروا عن الأحداث التي تجري تحت أنوفهم)، وأن (فائض القيمة) والصراع الطبقي وكل ذلك يسير بالرأسمالية إلى حتفها، بينما كانوا يفعلون ذلك، كانت الرأسمالية قد تجاوزت (الدولة القومية) التى حمّلوها مسؤولية (الاستغلال الرأسمالي)، وأصبح الرأسماليون يحقّقون، من نهب المستعمرات والشعوب، أضعاف أضعاف ما يحققونه من استغلال (فائض عمل) العمال في أوروبا. وثبت أن المشكلة ليست في (الدولة القومية) التي كانوا يرددون أن لا بد من زوالها لإزالة استغلال الإنسان للإنسان، كما يدعوّن، وليس صحيحًا (أن ليس للعمال وطن)، وإنما الصحيح أن (ليس للرأسماليين وطن). فأوطانهم حيث أرصدتهم ومصالحهم وأرباحهم، أينما كانت.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق