سلايدرقضايا المجتمع

(المواطنة) في سورية وغياب الوعي

في دولة الأسد المواطنة هي استعباد الأفراد بدرجات متفاوتة

تلفت النظرَ تلك الأعلام الأميركية المرفوعة على الأسقف، والموضوعة أمام بيوت بعض الأميركيين، بمناسبة العيد الوطني، وأحيانًا دون مناسبة. المشهد نفسه سوف تراه في كندا وأستراليا ودول أوروبا واليابان، وغيرها من الدول الديمقراطية. الحكومات في تلك البلاد لا تطلب من رعاياها وضع تلك الأعلام، بل هو تصرّف شخصي يقوم به المواطن للتعبير عن فرحه بالانتماء إلى وطنه الذي يشعر فيه بكينونته، كإنسان حر لا يستطيع أحد التعدي على حقوقه، أو ممارسة أي نوع من العنصرية عليه.

ذلك المواطن لا تجمعه بجاره بالضرورة تقاليد وعادات وتاريخ مشترك، بل ما يجمعهما هو قانون المساواة في الحقوق والواجبات دون أي امتياز لأحدهما على الآخر لأي سبب كان، بما في ذلك رئيس الحكومة الذي قد يستقل الميترو إلى جانبك. والمدهش أكثر أن ترى بعض الأميركيين ذوي الأصول المختلفة يضعون أعلام بلادهم الأصلية تعبيرًا عن حنينهم لأصولهم، وليس لنظام الحكم في بلادهم، الذي كان سبب هجرتهم. ولك أن تتصور ماذا يحلُّ بمواطن في أي دولة عربية، من أصول أرمنية، أو تركية، أو أميركية جنوبية، يرفع علم بلده الأصلي على سقف بيته؟

المواطنة في دولة القانون تعني ذلك العقد الاجتماعي الذي يساوي بين الأفراد، ويضمنه دستور الدولة ويصونه، ويمنع تجاوزه بسلسلة من القوانين الحقوقية الرادعة، أما المواطنة في دولة الاستبداد فتعني استعباد الأفراد بدرجات متفاوتة، حسب قربهم من السلطة وبعدهم عنها، سواء بسبب القرابة، أو الطائفة، أو العرق، أو الانتماء القبلي، أو المناطقي، أو الطبقي.

في بداية السنة الثانية للثورة، جاءتني دعوة من جمعية تكوّنت حديثًا، وحين وصلت إلى مقر الاجتماع في فندق يطل على البحر في إسطنبول، أدهشني وجود عدد كبير من المشايخ يحتلون الصف الأول من الصالة الفسيحة، ولم يكن بين النساء امرأة واحدة سافرة. كان الحفل منقولًا على قناة الجزيرة مباشرةً. قلت في مداخلتي: إني لا أرى من دمشق هنا سوى أحياء بعينها، وقد غابت أحياء ركن الدين وباب توما وجرمانا، أليست تلك أحياء دمشقية أيضًا؟ نسبة المسيحيين في أميركا تتجاوز 77 بالمئة، ونسبة المسلمين حوالي 1 بالمئة، وهنالك نسبة أقل من اللادينيين، ويتجاوز عدد الجنسيات الأصلية 250 جنسية؛ ما يعني أن هنالك آلاف الانتماءات الدينية والعرقية والقومية. ومع ذلك، فإنهم جميعًا يُمارسون حقوقهم، ويؤدون واجباتهم، دون أي تمييز، وكلهم مواطنون من الدرجة الأولى، ولا توجد درجة ثانية للمواطنة.

في مرحلة تعلم اللغة الإنكليزية، كان يُطلب منا أن نكتب على ورقة بيضاء سميكة على شكل موشور أسماءنا على جهة، واسم بلداننا على الجهة المقابلة، لنكتشف أن كل طاولة تجمع خمس جنسيات مختلفة. وبعد أن تقدّمنا في استيعاب اللغة صرنا أصدقاء، ولم تعد تقتصر صداقتنا على العربي أو المسلم، بل قد تجد الإكوادوري أقرب إليك من بعض العرب، وقد يكون التعبير الأنسب هو: أن عامل لغة التفاهم كان المقدمة لفهم الآخرين، وكسر حال التقوقع القومي والديني بين الطلبة. وكانت الدروس دائمًا تركّز على الحقوق والواجبات المتساوية، كما كان سلوك المدرسات والموظفين، وعموم الجهات الحكومية والخاصة تؤكد عمليًا أن المساواة هي القاعدة الأساسية في الدولة التي تضم كل أفراد المجتمع. وتلك القاعدة نفسها مُطبّقة في كل الدول المتحضرة، وغائبة كليًا أو جزئيًا في الدول النامية والمتخلفة.

وعلى الرغم من شعور المواطنة الذي يعيشه السوريون في البلدان المتحضرة، فإن معظمهم لا يزال يُمارس شكلًا، أو أكثر، من أشكال العنصرية مع سوريين آخرين، فتجد تجمعات تقتصر على الأكراد، أو الأرمن، أو الشركس، أو التركمان، وأخرى على المسلمين السنة، أو الشيعة، أو الدروز، أو الإسماعيليين، وهنالك تقوقع مناطقي، مثل التجمعات الدمشقية والحلبية والحمصية… إلخ، هذا يعني أن السوري المغترب عمومًا، وبالرغم من الحياة الديمقراطية الحرة التي يعيشها، يُعاني من حالة فصام تتمثل في شخصية المواطن الذي يُمارس مع الآخرين حقوق وواجبات المواطنة في البلد الذي يعيش فيه، وشخصية أخرى منغلقة على مجموعات طائفية، أو مناطقية، أو عرقية.

من هذه الحقيقة، يجب أن ننطلق لرسم مستقبل الوطن السوري والمواطنة السورية، هذه الحقيقة التي تتمثل في غياب الوعي للواقع، وغلبة الإرث التاريخي الثقافي على نمط تفكير وسلوك السوريين. لا بدّ أن نعي أننا وُجدنا على أرض سورية لأسباب تاريخية وسياسية، وأن التطور الحضاري الذي بلغته الشعوب التي سبقتنا اعتمد على مفهوم الدولة الديمقراطية العادلة التي تُساوي بين كل الأفراد الذين يعيشون فيها، ويحكمها دستور مدني يمنحهم الحقوق ذاتها، ويُرتّب عليهم الواجبات نفسها، وأن الاستمرار في استدعاء التاريخ الديني، أو الأيديولوجي، هو إهدار للطاقة في مسيرة لن تقودنا إلى التحضر والتقدم والنمو. بل إلى مزيد من الفرقة والتقاتل العبثي والتجزئة والتخلف.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق