مقالات الرأي

بعد إغراقنا في التفاصيل.. ماذا بعد؟

علينا الاعتراف بأننا غرقنا في التفاصيل التي أوقعَنا فيها دهاقنة النظام وحلفاؤه، وكلّ من تواطأ معه في الغرب والشرق. لقد كانت الروح الثورية جبّارة في قلوب ووجدان السوريين، حيث أحدثت تأثيرًا عظيمًا في الفضاء المحيط لسورية وفي المنطقة والعالم.

يخطئ من يظن أن نظام الأسد انتصر على الثورة؛ لأن من انتصر عسكريًا هو روسيا، وقد استفاد النظام إعلاميًا من ذلك، ولكن بعد فوات الأوان؛ فقرار تحديد مستقبل سورية لم يعد بيد النظام ولا إيران أو حتى روسيا بمفردها، بل هناك قوى عالمية، هي التي تبحث وتقرر مصير سورية السياسي، وفي مقدمة تلك القوى واشنطن وتل أبيب ثم تأتي موسكو وغيرها من العواصم الأوروبية والشرق أوسطية.

قدّم السوريون تضحيات هائلة من أجل حريتهم وكرامتهم، ولن يرجع التاريخ إلى الوراء، بل يجب أن تُفْتَح صفحة جديدة في حياة سورية، سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا واجتماعيًا. ويعرف المجتمع الدولي حقيقة الصراع وجوهره في سورية. ولكنه يرى مصالحه الجيوسياسية في إطالة عمر النظام الذي خدم كل أجهزة الاستخبارات في العالم وقمع شعبه 50 سنة، وأخيرًا قتلهم بكافة أنواع الأسلحة حتى الكيمياوي، وهجر الملايين ودمر المنازل وفتت البنية التحتية والمجتمعية، لدرجة أن هناك من يعتقد من الخبراء بأن النظام فعل كل ذلك ليس بإرادته بل كان مجبرًا، لأن الدول التي رعته ودعمته وتحالفت معه هي صاحبة المصلحة في حدوث كل ما حدث أكثر من النظام، وبالتالي فإن عائلة الأسد وحاشيتها نفذت ما طُلب منها استكمالًا لأدوار إجرامية سابقة فعلتها خدمة لأعداء شعوب المنطقة.

مَن يُراجع مسيرة الثورة السورية العظيمة يجد أن النظام كان يمتلك رؤية لمستقبل الصراع، أو بالأحرى كان أكثر اطمئنانًا لمستقبل الصراع؛ كونه تلقى تطمينات من دول كبرى مثل روسيا بأنها لن تتخلى عنه، ولو حصلت حرب عالمية ثالثة، ولذلك لا نستغرب أن النظام لم يغير خطابه منذ 7 سنوات، وبعد كل ما جرى في سورية من أحداث رهيبة يندى لها الجبين.

من جهة أخرى، فإن القوى المحسوبة على الثورة والمعارضة تنقلت بين مواقف وأساليب عمل مختلفة، أدخلت المواطن السوري في حالة من التشتت والضياع وفقدان للبوصلة الوطنية الشعبية التي أنارتها الثورة. باختصار فقد غرقت المعارضة وقوى الثورة والفصائل المسلحة والهياكل السياسية في تفاصيل لا يُعرف لها نهاية، وكل ذلك حدث بضغوطات خارجية على الثورة، لكي تتأقلم مع أجندات المجتمع الدولي المتواطئ مع النظام الأسدي القمعي الفاسد.

نتذكر كيف لفَّ الأميركيون وداروا حول المجلس الوطني السوري، لكي يروضوه ليدخل في مفاوضات مع النظام، وفي نفس الوقت كانت موسكو تدعو للتفاوض مع النظام، وأخيرًا دمّروا المجلس وأسّسوا الائتلاف، ولم يتمكنوا من تحقيق مآربهم، وهكذا استمر المسلسل بهيئة التفاوض رقم 1 ورقم 2 والمفاوضات الماراثونية في جنيف التي لم ترق إلى المفاوضات، بل بقيت كاستعراض إعلامي لإيهام المجتمع الدولي بأن أميركا وروسيا تسعيان للحل السياسي في سورية، وكلها مسرحيات تافهة اكتشفنا حقيقتها اليوم.

بالتنسيق مع أميركا، اخترع الروس مسلسل أستانا ولقاءات موسكو والمنصات المنبثقة عنها، وكنا نقول إنها لا علاقة لها بالمعارضة، وإذا بها تصبح جزءًا من المعارضة بشكل قسري، وأخيرًا تم اختراع مؤتمر سوتشي الذي رفضته قوى الثورة والمعارضة الشريفة، ومع ذلك خرج بنتيجة أساسية أصبحت أجندة لكل القوى الدولية وهي اللجنة الدستورية. أليس مستغربًا كيف تتعامل أميركا بداية مع أي مقترح روسي بخصوص سورية، ثم تمرقه وتؤيده في النهاية. هل هذه صدفة؟ أم عبقرية روسية أم ضعف سياسي أميركي. الحقيقة إنها إرادة دولية لتحقيق كل ما حدث في سورية خدمة لـ “إسرائيل”.

لستُ مستاءً حيال مستقبل الثورة السورية، فهي حية وموجودة في قلوب السوريين ما داموا أحياء، وحتى أسماء الشهداء تسبب قلقًا لنظام الأسد وحلفائه، ولن يتراجع السوريون عن مطالبهم، ولو تأخر تحقيقها إلى حين، فلقد كسر السوريون حاجز الصمت الرهيب، وأعلنوا إرادتهم للعالم، وقدموا أغلى التضحيات من أجلها، ولن يتخلوا عن أهدافهم المشروعة.

لكن المشكلة في القيادات المعارضة والقوى السياسية الهزيلة، التي احتكرت تمثيل الثورة، فسهلت مهمة عصابة الأسد وحلفائه، وبالطبع فقد اخترق النظام قوى المعارضة بشكل قوي، وهذا ما أوصلنا إلى ما حدث في حلب والغوطة ودرعا، أهم معاقل للثورة بعد ادلب.

يبقى السؤال: لماذا صمتت القوى والشخصيات المؤثرة في قيادات الثورة، ولم تتحدث بشجاعة أمام الشعب السوري، وتكشف الحقائق التي رافقت فشلها وأسبابه؟ فهل يعقل أن يفشل شخص في قيادة المعارضة ويستمر في صمته ويتجاهل ضرورة تقديم كشف حساب للشعب الذي اغتصب تمثيله بدون وجه حق 7 سنوات.

إن لم نُجابه الحقيقة بشجاعة، ونقول الصدق للسوريين فلن نكسب ثقتهم بعد اليوم، وكما تقول الآية الكريمة إن لم نغير ما بأنفسنا فلن يغير الله فينا شيئًا.

كل السوريين -بلا استثناء- ينتظرون تغييرًا في أساليب العمل من أجل سورية الجديدة، ينتظرون نهجًا سياسيًا وفكريًا وثقافيًا جديدًا مقنعًا للجميع، الكل ينتظر رؤية سياسية وطنية واضحة مرتبطة ببرنامج عملي واضح وأداة تنفيذ واضحة.

النخب السورية غير عاجزة عن تقديم كل ذلك، والحاضنة الشعبية موجودة وخاصة الموجودة في شمال سورية من مناطق (درع الفرات) و(غصن الزيتون)، حيث تخضع لإدارات مدنية وليس لفصائل مسلحة، ولا يوجد فيها منافقون من الشرعيين وغيرهم الذين تاجروا بدماء السوريين.

بالمناسبة، يجب إصلاح الوضع في إدلب، لكي يصبح مشابهًا لما هو الحال في المناطق الشمالية، ويجب تخليصها من أي قوة متطرفة تفرض أنماطًا حياتية متخلفة على الناس، ويجب أن يدير شؤونها أبناؤها المدنيون دون وصاية من أمراء الحرب.

علينا، بوصفنا نخبًا وطنية ملتزمة بمبادئ الثورة التي نادت بالحرية والكرامة والعدالة والمواطنة، أن نعمل من أجل إعادة ادلب لأهلها الحقيقيين الذين يلتزمون بقيم الثورة، لا أن تبقى بيد من يحكمها بأساليب النظام، كما فعلت بعض الفصائل في مناطق أخرى.

بصراحة، الذي أفقَدَ الثورة معاقلها في حلب والغوطة ودرعا ليس فقط التكالب الدولي والتواطؤ المعروف، بل هو سلوك وسياسة الفصائل المسلحة وأمرائها الذين أذاقوا المدنيين الويل، وفقدوا الحاضنة الشعبية التي كانت تأمل الخلاص بقيادة الفصائل المسلحة، فوجدت نفسها ورقة تُتاجر بها الفصائل.

بعد كل الكوارث التي حدثت بحق شعبنا، يجب ألا نفقد الأمل في مستقبلٍ مشرقٍ لشعبنا، لأنه يستحق الحياة الحرة الكريمة، لكن يجب أن نُعيد النظر بكل ما قمنا به، وأن نسلط الضوء على النجاحات والإخفاقات، ونستنتج الدروس والعبر ولا نكرر الأخطاء، وأول من يجب عليه القيام بذلك هو هؤلاء الذين يمتلكون كل المعلومات والحقائق عن واقع الثورة، ولماذا حدث كل ما حدث! ولا يجب أن نضع كل اللوم على العامل الخارجي، على أهميته، بل أن نركز على العامل الذاتي الذي يجب أن يعيد بناء ذاته، لكي يلعب دورًا حاسمًا في تقرير مصير سورية.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. يوجد نغمة جديدة في القراءة من الدكتور حمزة و تتعلق بوجود ادارة مدنية لا فصائلية في الشمال السوري
    ؟…. عليه التوضيح لأن الامر حساس جدا و يتعلق ب التنظيم الذي يسيطر هناك و حلفاؤه الملتبسين من امريكان و ايرانيين و روس و نظام…. لاخلاف على ماتبقى من القراءة .

  2. شكرا على التعليق اخ سلام
    حسب معلومات ناشطين مدنيين من تلك المناطق أكدوا أنه لا توجد أي سلطة المسلحين بل هناك إدارات مدنية تحت اشراف تركي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق