أدب وفنون

نظرية الحكم الرشيد في الإسلام

في غمار ما يُكتب عن نظام الحكم في الإسلام، نُقدّم للقراء كتاب الدكتور محمد حبش الجديد (نظام الحكم في الإسلام).

يتألف الكتاب من باب تمهيدي، يتحدث عن المصطلحات المتصلة بنظام الحكم، ويعرّف بالأعمال العلمية التي قدمت في هذا السبيل، وعلى رأسها ما قدمه القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، والجويني، والماوردي، وابن طباطبا الطقطقي، وابن القيّم، وابن خلدون، وابن تيمية وغيرهم، كما يستعرض المحاولات الحديثة لفهم الدولة في الإسلام، عبر ما قدمه علي عبد الرازق، والصعيدي، والعلايلي، والمراغي، ثم يفرد تعريفًا دقيقًا لأكثر من من خمسين مصطلحًا سياسيًا، وتطور دلالاتها خلال التاريخ.

تفرد الدراسة فصلًا خاصًا للتفريق بين الدولة والأمة والخلافة، وتقدم قراءة جديدة لمفهوم الخلافة، وتدعو إلى إحيائها من جديد، ولكن في صيغة حضارية لا تقوم على الاستبداد والفردية، ولا تعتصم بحق إلهي أو تاريخي مقدس، وإنما تقوم على إحياء مؤسسة حضارية واعية، تنتظم فيها الدول الإسلامية والهيئات والشعوب، وتنهض بهم قوة تنسيق وتدبير، تقوم بحشد طاقات العالم الإسلامي ومصالحه في مشاريع النهضة وعلى منابر الأمم.

أما الباب الأول فقد خصص للحديث عن نظرية الحكم الرشيد في الإسلام، حيث تبسطها الدراسة في جملة أصول معيارية، تكشف بدقة عن الأهداف التي توخاها الرسول الكريم في بناء دولته الراشدة الأولى، وتخصص الدراسة خمس محددات لتكون رؤية الحكم الرشيد في الإسلام، تبدأ بالتأكيد على أن الحكم الرشيد هو مسألة رسالة لا مجرد خدمات، وأنه معني بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، دون أن يمارس الإكراه على الناس.

ثم يتحدث عن رؤية الحكم الرشيد في الإسلام للوجود في تراتبية رباعية: حقوق الإنسان، وكرامة الأوطان، وإخاء الأديان، وأمانة الأكوان. وهي تراتبية تكشف تمامًا عن الإحاطة المطلوبة بالوجود بدءًا من الإنسان الذي هو كور هذا العالم وغاية الخلق وسيد الكائنات وروح الله وكعبة الملائكة، إلى الأوطان التي تتأسس بالعقد الاجتماعي، ويقوم الحكم الرشيد بالإخلاص لها والدفاع عنها، إلى الأديان التي يعتبرها الحكم الرشيد في الإسلام قيمًا حقيقية وطاقات بناءة، من خلالها يؤسس لسيادة الفضيلة وسمو الروح، ثم تتحدد الرؤية في أمانة الأكوان، حيث يعتبر الحكم الرشيد أن الأكوان أمانة أودعها الله بين يدي ابن آدم، وأننا في هذا الكوكب لسنا مفعولًا به منصوبًا وقع عليه فعل الفاعل، بل نحن فاعل مرفوع، حملنا الأمانة باقتدار ووعي وحكمة، وقد سخر الله لنا ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه، وتعبدنا بتسخيره في الأرض لخدمة الإنسان، وهكذا تتحول علاقة الدولة بالموجودات: إنسان وحيوان ونبات وجماد وثروات طبيعية، من علاقة مصالح نفعية إلى علاقة استخلاف وأمانة إلهية، يقوم بها الحكم الرشيد تكليفًا من الله وتسخيرًا للإنسان.

أما في أسس الحكم الرشيد فتلخص النظرية هذه الأسس في خمسة محددات: السيادة لله، والسلطان للأمة، والتشريع بالواقع، والاحترام للتاريخ، والعقد للمجتمع. فتقدم سيادة الله في المجتمع بوصفه رمزًا للفضائل العليا فوق الدستورية التي تنص عليها دساتير الأمم، ويذكر الكاتب بأن 54 دولة إسلامية من أصل 57 دولة إسلامية قائمة تنص دساتيرها، من دون تردد، على أن الإسلام دين الدولة، وتؤكد أن هذا التنصيص الذي يحفظ مكانة القيم العليا في الإسلام لا يشتمل على أي تهديد لحريات الآخرين، وأن هذه السيادة التي تنص عليها دساتير الدول الإسلامية لم تؤد إلى تهميش الأديان، بل تعكس هوية هذه الأوطان الإسلامية التاريخية، وتفرد لسيادة الله مكانًا مناسبًا يحتفظ بالقيم العليا في أعلى درج الاهتمام.

وتبين الدراسة أن الأقليات في المجتمعات الإسلامية لم تتعرض منذ مئة عام للاضطهاد في هذه الدول المستقرة، وإنما في ظل حالات انهيار الدولة وتسلط التطرف.

ثم يتجه إلى محدد آخر، وهو أن السلطان للأمة، وهي حقيقة نابعة من قوله تعالى: {وأمرهم شورى بينهم}، وعلى هذه القاعدة فإن الأمة تملك اختيار الأشخاص واختيار التشريعات، وهذه حقائق لا تتناقض مع مبدأ السيادة لله، فالله لا يعين رؤساء ولا وزراء ولا نواب، وإنما الإنسان هو من يفعل ذلك، والله لا يحدد أسعار السلع وأوصاف العمران وأنواع الأدوية وشروط المشافي وشروط الملاحة والقيادة والطيران وعقوبة المخالفين، وإنما الإنسان يفعل ذلك عبر مبدأ الشورى والقرار الجماعي، وهو ما يعني السلطان المطلق للأمة بهيئاتها البرلمانية والتشريعية.

ثم تؤكد الدراسة أن احترام التاريخ مسؤولية حقيقية للأمة، وأن الامتداد في التاريخ كالامتداد في الجغرافيا والديموغرافيا، كلاهما مسؤولية الدولة الراشدة، وأن على الدولة أن تحمي تاريخها كما تحمي حاضرها، وأن تصون تراثها بوصفه ملكًا للأمة واختصارًا لمجدها، وتتقرر مسؤولية الأمة بوجه خاص في احترام المقدس الديني وحمايته بوصفه مستودعًا للطهر الروحي والسمو الأخلاقي، ومصدرًا تشريعيًا فياضًا تحتاج إليه الأمة في قيامها ووثوبها.

ثم تؤكد الدراسة الأساس الرابع للحكم الرشيد، وهو أن التشريع بالواقع، وهو منهج الأمة خلال تاريخها الطويل، وتقدم الدراسة عشرات الشواهد على أن الفقه الإسلامي في عصر المجد كان يشرع الأحكام استنادًا إلى الواقع، وفي هذا السبيل ابتكر علمًا كاملًا اسمه “علم أصول الفقه”، حيث اختص كل مذهب بأسلوب من مناهج إعمال العقل والواقع في التشريع؛ فاختار الحنفية الاستحسان، واختار المالكية الاستصحاب، فيما أقرّ الشافعية بالاستصلاح، وانضم الحنابلة إلى الحنفية في العرف والذرائع. وتؤكد الدراسة أن هذه القواعد الفقهية هي عينها قواعد العقل في كل أمة، وهي الطريقة التي تشرع بها الأمم المتحضرة ما تحتاج إليه من تشريع يتناسب مع هويتها وتاريخها وحاضرها.

تختتم الأسس الخمسة بقاعدة العقد للمجتمع، وهي إشارة إلى أن الدولة في الإسلام تقوم على العقد الاجتماعي، وأنها لا تقوم على حدود ترسمها السماء، ولا تتأسس على امتيازات سماوية لطائفة أو عرق أو دين، وإنما على اتفاق أرضي بشري، يقوم بين السكان من أي دين أو ملة، ويتم التوقيع عليه بين الجميع على قاعدة البيعة، وفي هذا السياق كانت وثيقة المدينة وما تلاها من وثائق دستورية مشهورة.

ثم تختار الدراسة سلسلة من القيم العليا التي يوفرها الحكم الرشيد في الإسلام، وهي العدل والتوحيد والسلام والشورى والتكافل والطهارة والعفاف والحرية والنظام والخير، وتقدم رؤية واضحة لما قدمته الشريعة في سبيل سيادة هذه القيم في المجتمع.

في الباب الثاني، تتحدث الدراسة عن الدولة الإسلامية التاريخية، وتقسمها إلى قسمين: دولة القدوة وهي دولة النبي الكريم، ودولة العبرة وهي الدول التي جاءت بعد العهد النبوي، وتستنتج الدراسة نظرية الحكم الرشيد بتمامها من تطبيقات الرسول في الدولة النبوية، نظرة وأسسًا وقيمًا.

كما تقدم الدراسة اختصارًا مستوعبًا للتعريف بالدولة الإسلامية عبر التاريخ، وفترات قيامها وفترات انحطاطها، ولكنها تؤكد بشكل واضح وجلي أن هذه الدول لا تشكل أكثر من عبرة وتجربة، وأنها ليست مصدرًا معياريًا للدولة الإسلامية، وأنها ينطبق عليها قول الله تعالى: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عما كانوا يعملون}.

وفي الباب الثالث حول الدولة الإسلامية الحديثة، تؤكد الدراسة على الصفر الحضاري، وتخلص الدراسة إلى أن الحكم الرشيد لا يلتزم مثاله في لحظة من التاريخ الغابر، مهما كانت مشرقة ونبيلة، وإنما يبدأ من الدولة المعاصرة الأكثر تحضرًا وحداثة وعدالة ونظامًا، في التشريع والمجتمع، فيتخد منها الصفر الحضاري ليؤسس فوقه القيم الإسلامية الرشيدة، وفق ما بشرت به مقاصد القرآن الكريم والسنة الشريفة.

وتختار الدراسة صيغة الدولة الحديثة في عناصر خمسة: الدستور، والسلطات الثلاث، والمجتمع المدني. وتمهد الدراسة لهذه الخماسية بشرح تطبيقات حقيقية، في دولة الرسول والخلافة الراشدة لمبادئ الدولة الحديثة في سمو الدستور شكلًا وموضوعًا، ثم استقلال السلطات الثلاث، وأخيرًا تمكين المجتمع المدني بوصفه جزءًا لا يتجزأ من الدولة، وإن كان ليس جزءًا من الحكومة.

ثم تفرد الدراسة الباب الرابع للحديث عن مسائل إشكالية في نظرة الحكم الرشيد في الإسلام، وهي تحديدًا: الديمقراطية والشورى، والإمامة في قريش، وتعدد الإمامة، وولاية النساء، وولاية العبد، والخروج على ولاة الجور، والجهاد، والجزية، والحدود.

وتقدم الدراسة موقفًا متقدمًا في مناقشة هذه الأسئلة الكبيرة، وتكشف الستار عن حقائق مغيبة في تاريخنا الإسلامي تتصل بانحراف الأمة عن الحكم الرشيد إلى الخضوع للمتغلب، وعن الشورى إلى الاستبداد، وعن رسالة الحرية إلى الاسترقاق والسباء، وعن تغول الحرب والسيف وغياب العدل والسلم، وغيرها من المسائل الإشكالية.

باختصار: إن تقديم منهاج جامعي -بهذا الوضوح والمباشرة- هو أمرٌ جديد، يعتبر خروجًا عن المألوف، حيث يتم تدريس هذه المادة عادة في قماط تاريخي تعيس، يبحث عن حلول الحاضر في تجارب الماضي، وعن آمال المستقبل بعيون الموتى.

يختصر الكتاب مخرجاته بكلمة واحدة، اختارها المؤلف على الغلاف الخلفي للكتاب: حين نريد الحكم الرشيد في الدولة المسلمة؛ فإن علينا أن نذهب إلى أرقى دول العالم تحضرًا ونظامًا وتكافلًا ووعيًا، لتكون الصفر الحضاري الذي ننطلق منه، لإضافة الرؤية والأسس والقيم في الحكم الرشيد، وعند هذا الأفق يمكننا الحديث عن الخلافة الراشدة.

وتقدم الدراسة قراءة جديدة لمفهوم الخلافة، وتدعو إلى إحيائها من جديد، ولكن في صيغة حضارية لا تقوم على الاستبداد والفردية، ولا تعتصم بحق إلهي أو تاريخي مقدس، وإنما تقوم على إحياء مؤسسة حضارية واعية، تنتظم فيها الدول الإسلامية والهيئات والشعوب، وتنهض بهم قوة تنسيق وتدبير، تقوم بحشد طاقات العالم الإسلامي ومصالحه، في مشاريع النهضة وعلى منابر الأمم.

Author

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. إن أية محاولة لإعادة النظر في نظام الحكم المستنبط من النصوص الصحيحة للإسلام و هما القرآن و السنة وفق منظور و مصطلحات حديثة جدير بالدراسة الهادئة و خاصة إذا أرفق بتحليل نقدي للنظام السياسي الذي ساد عالمنا العربي و الإسلامي منذ سقوط الخلافة الراشدة على ضوء تلك النصوص و بالمقارنة أيضا بالنماذج التي أفرزها الإجتهاد البشري من نظم للحكم بعيدة عن الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق