سلايدرقضايا المجتمع

السوريون حين يخرجون من (كهف) السلطة الأسدية

في كتابه (الجمهورية)، يورد أفلاطون قصة الكهف، دليلًا على قصور المعرفة البشرية القائمة على الحواس. وملخّص القصة أن حالة البشر تشبه حالة سكان كهف وُلدوا وعاشوا في جوفه، دون أن يتمكنوا من الالتفات إلى مدخله، حيث تتأجج نار عظيمة تعكس على الجدار القائم أمامهم كلّ أشكال الحيوانات والتماثيل والمواد المتنوعة التي يتألف منها العالم المادي. وهؤلاء يفترضون طبعًا أن ما يرونه من ظلال وصور هو الحقائق، ولن يصدقوا قول من استطاع الخروج من الكهف، ورأى العالم على حقيقته، وجاء ليخبرهم أن ما يرونه ليس سوى ظلال للحقائق الموجودة خلفهم.

لا تعنينا هنا التفسيرات الكثيرة التي يوردها الفلاسفة للقصة، وحسبنا أن نشير إلى أن المغزى الأساسي فيها يكمن في حجم الجهل الذي ينشأ عن الانغلاق، ضمن رؤية أحادية لا ترى إلا ما تقع عليه الحواس.

تصلح قصة الكهف هذه مدخلًا يمكن أن نُشبّه به حالة الإنسان السوري مع (الدولة السورية)، فقد ولدت أجيال من السوريين تحت حكم البعث والسلطة الأسدية، أجيال لم تعرف ما هو الشكل الطبيعي في الحياة، لأن كل شيء كان محكومًا بالاستثناء الذي بدأ مع قانون الطوارئ الذي دشن به البعث بداية حكمه، ثم آلت الدولة نفسها إلى مزرعة، مع بداية ظهور الأسدية وتحولها إلى عقيدة مهووسة بفكرة الأبدية.

كانت سورية في عهد الانتداب الفرنسي، ومرحلة الحكم البرلماني، تتبع نظامًا ليبراليًا يسير نحو شكل من الرأسمالية، ومن ميزات هذه الأخيرة: قدرتها على تحطيم البنى التقليدية، عبر الحد من التناقضات العرقية، والحساسيات المذهبية، في مقابل تشكل طبقات عابرة للطوائف والأعراق، تأتي إفرازًا طبيعيًا لاقتصاد السوق الرأسمالي. جرى إجهاض هذا المسار مع الوحدة مع مصر. ولكن الكارثة الحقيقية جاءت مع الانقلاب البعثي، حين صعدت إلى الحكم فئة جديدة، من أهم خصائصها: تربيتها العسكرية، ومنشؤها الريفي، وأصولها الطائفية. وهذه سمات تتناقض كليًا مع مفهوم الدولة الذي أعيد تعريفه، استنادًا إلى المحددات الثلاثة السابقة، وهو ما حولها إلى ظلال دولة.

لا تفقه العقلية العسكرية مبدأ الاختلاف والحوار، فهذا خارج مخيلتها أصلًا، إذ يؤمن العقل العسكري بالانضباط والصرامة والالتزام، وصب الناس جميعهم في قوالب ثابتة. وهذا ما يفسر تناسل المنظمات التي تكرس حالة القطيع: منظمة طلائع البعث، واتحاد شبيبة الثورة، والاتحاد الوطني لطلبة سورية. ولها كلها غاية واحدة هي إلغاء الاختلافات بين (المواطنين)، وتحويلهم إلى كتلة صماء تردد ما يلقى عليها. فالعسكري، مهما كانت درجة انفتاحه، لا يقبل في النهاية إلا الطاعة العمياء من جانب مرؤوسيه. أما الدولة فهي نقيض كلي لحالة العسكرة، لأنها تؤمن بالاختلاف بين البشر، وتعمل على الحد من التناقضات السياسية والاجتماعية عبر آليات متعددة، يشكل صندوق الاقتراع جزءًا أساسيًا فيها.

لكن لم تكن المشكلة فقط في التربية العسكرية التي كانت تنتمي إليها الفئة الجديدة بعد الانقلاب البعثي، فالأصول الريفية حولت العلاقات داخل أجهزة الدولة المختلفة إلى علاقات قروية، فأفقدتها الطابع المدني الذي ورثته عن السلطة الاستعمارية والحكم البرلماني الذي تلاها. لا يعني هذا الانتقاص من أبناء الريف، ولكن يعني أن ما حدث في سورية كان نكسة حضارية، تخالف تمامًا التطور الطبيعي لأي مجتمع، يهجر نمط الحياة الريفية القائم على الولاءات الضيقة والعصبية، وينتقل إلى تبني العلاقات المدينية. أما المحدد الطائفي فهو من الوضوح بحيث يبدو الكلام عليه تزيدًا لا طائل من ورائه.

إضافة إلى المحددات السابقة التي فرغت الدولة من جوهرها، نلاحظ ظاهرة أخرى، وهي أن الدولة البعثية في صورتها الأشد قسوة (نقصد هنا الأسدية) طبعت بثنائية غريبة، هي ثنائية الظاهر والباطن، فكأننا أمام منظمة سرية يجري فيها اتخاذ القرارات في الخفاء. باختصار، بتنا أمام دولتين: دولة ظاهرة هي ما يراه (المواطن) أمامه، في المؤسسات والإدارات المدنية التي تدير حياته وشؤونه، ودولة أخرى تقبع في شعب المخابرات التي لم يعد يعرف على وجه الدقة لا عددها، ولا اختصاصاتها، ولا مجال عملها، لأن مجال عملها هو كل شيء. وهذه الدولة الأخيرة هي الدولة على الحقيقة، كما يقول القدماء في مثل هذا الموضع.

لا شك أن الدولة في عالمنا العربي ظلت نقيضًا لفكرة الدولة المعاصرة التي كانت نتيجة طبيعية للتطور الرأسمالي من جهة، والفكرة الوطنية من جهة ثانية. لكن فرادة النموذج السوري أن نظام الحكم تحول، بفعل المحددات التي ذكرناها آنفًا، إلى نسخة عن الحكم المملوكي القائم على دولة قهرية تمتلك رقاب الناس وأموالهم، وتعاملهم بوصفهم موضوعات للعنف الذي تمارسه بحقهم.

مع موجات اللجوء الأولى إلى خارج سورية، وتحديدًا إلى تركيا، خرج السوريون من الكهف للمرة الأولى، وللمرة الأولى أيضًا عرفوا الدولة بصيغتها الحقوقية القائمة على حقوق وواجبات متساوية بين المواطن والدولة، وعاينوا عن قرب العقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين المواطن والسلطة القائمة، ذاك العقد الذي سمعوا عنه أو قرؤوه في الكتب فقط، وجدوه ماثلًا أمام أنظارهم، حيث يعرف كل طرف في ذلك العقد حدوده المنصوص عليها.

هذا الانقسام بين السوريين القابعين تحت ظل السلطة الأسدية، وبين السوريين الذين أتيحت لهم فرص اللجوء إلى أوروبا يتكرس كل يوم، ويزداد التباعد بين الفريقين إلى درجة تتشكل معها هويتان متناقضتان كليًا. وكل الكلام الذي يدور اليوم حول إعادة اللاجئين السوريين هو محاولة محمومة، هدفها إدخال السوريين إلى القمقم الأسدي مرة أخرى، قبل أن يصبح من الصعب تدجينهم من جديد، في إطار خطة تعويم الجريمة وفاعلها. لكن السوري الذي خرج باتجاه تركيا وأوروبا لاجئًا قبل سنوات ليس هو السوري نفسه اليوم، لقد تغير اللاجئ كثيرًا، وبدأ يعي عن طريق الاحتكاك المباشر واجباته وحقوقه الأساسية، والفرق بين الدولة والحكومة والسلطة… إلى آخر تلك المفاهيم التي كانت تغيب عن حياته، ويقرأ عنها في الكتب. باختصار أصبح على معرفة بمعنى أن يكون المرء مواطنًا. ويظهر حجم التباعد بين اللاجئ، وبين أخيه القابع تحت ربقة النظام الأسدي، أنك لو سألت سوريًا في شوارع دمشق الآن عن الفرق بين عمل كل من المحافظ، ورئيس البلدية، وأمين فرع حزب البعث، لوجد صعوبة في الإجابة، لأن فكرة الدولة غائبة كليًا عن ذهنه، ولأن فصل السلطات غير موجود في الحياة العملية. في حين أن اللاجئ السوري أصبح يتعامل بمنطق مختلف كليًا عن المنطق عاش فيه طوال سنوات حياته في سورية.

على عاتق السوريين الذين أتيحت لهم فرصة الخروج من كهف (سورية الأسد)، أن يصيحوا بإخوتهم الذين ما يزالون قابعين في جوفه: التفتوا إلى الوراء. وتلك مهمتهم في دولة قادمة ينبغي أن نظل دائمًا نحلم بها، على الرغم من كل الخيبات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق