تحقيقات وتقارير سياسية

إدلب تُعِد لمواجهة غدر النظام

شك في موقف (هيئة تحرير الشام).. وتعويل أقل على الضمانة التركية

بدأ نظام الأسد، منذ صباح أمس الجمعة، حملة قصف جوي مكثف استهدفت ريف إدلب الجنوبي، وريف حلب الغربي، وأسفرت عن عشرات القتلى والجرحى، بالتزامن مع تحليق لطيران الاستطلاع السوري والروسي الذي لا يغادر الأجواء؛ ما أثار مخاوف السكان في محافظة إدلب من أن تكون هذه الهجمات مقدمة لهجوم عسكري واسع على المحافظة.

تعدّ محافظة إدلب، وأجزاء من ريف حماة الشمالي، وجبال اللاذقية، وريف حلب الغربي، آخر المعاقل التي تسيطر عليها فصائل المعارضة المسلحة، وهي تضم أكثر من ثلاثة ملايين مواطن سوري من سكان المنطقة، ومن النازحين والمهجرين من المناطق السورية كافة، وتنتشر في المنطقة بشكل رئيس (هيئة تحرير الشام) التي تضم فصائل إسلامية، و(الجبهة الوطنية للتحرير) التي تضم فصائل (الجيش السوري الحر).

بعد سيطرة نظام الأسد على الجنوب السوري، على إثر اتفاقات المصالحة التي عقدها الروس مع فصائل درعا والقنيطرة؛ بدأ يهدد باجتياح إدلب، ونقل ناشطون أن تعزيزات واسعة استقدمها النظام إلى ريف حماه الشمالي وجبال اللاذقية، في نية -كما يبدو- لشن هجوم على المنطقة، وبخاصة سهل الغاب وجسر الشغور، بذريعة تأمين قاعدة (حميميم) الروسية التي تتعرض لهجمات من طائرات مسيرة، منذ بداية العام الحالي.

دخلت إدلب وما حولها في إطار اتفاقية (أستانا) التي أقرت (مناطق خفض التصعيد)، بضمانة تركية روسية إيرانية، حيث نشرت تركيا عدة نقاط مراقبة عسكرية، امتدت على طول خطوط المواجهة بين فصائل المعارضة والنظام. كما فعلت روسيا الشيء نفسه من جانب النظام، لكن السكان بدؤوا يتخوفون من انسحاب تركي مفاجئ، قد يضعهم في مواجهة مباشرة مع ميليشيات النظام.

في هذا الموضوع، قال الناشط الإعلامي علاء الدين فطراوي، من جبل الزاوية في إدلب، لـ (جيرون): الناس تتخوف من هجوم النظام وطائراته والطائرات الروسية، ولا سيما أن الحدود مغلقة في وجههم. لكن هذا التخوف يقابله أمل من الوعود التركية ونقاط المراقبة التركية، ولا يوجد خيار سوى القتال، إن كان من الأهالي أو من النازحين والمهجرين؛ ذلك أن إدلب هي البقعة الوحيدة التي تعارض النظام، وتشكل ملاذًا آمنًا لمئات آلاف السوريين الهاربين من بطشه، والرافضين المصالحة معه”.

عناصر الدفاع المدني ينتشلون ضحايا قصف النظام على بلدة أورم الكبرى-ريف حلب 10/8/2018

وكانت الأمم المتحدة قد حذرت، أمس الجمعة، عبر يان إيغلاند، رئيس فريق مهمات الشؤون الإنسانية في المنظمة، من خطورة مهاجمة إدلب عسكريًا، مبدية تخوفها على مصير ثلاثة ملايين سوري هناك، داعية الدول الضامنة إلى تجنب هذه المواجهة، كذلك أعلنت الخارجية الروسية أن الوزير سيرغي لافروف سيزور أنقرة، الاثنين المقبل، من أجل مناقشة الملف السوري مع الجانب التركي الذي حذر سابقًا أنه لن يسكت، في حال حصل هجوم على إدلب.

الباحث في (مركز الشرق للسياسات) عروة خليفة، قال في حديث إلى (جيرون): “الوضع في إدلب يعتمد على ثلاثة محددات رئيسية، أولها يعتمد على طبيعة العلاقة بين تركيا وروسيا، ومن الواضح أن روسيا تقدم تسهيلات لتركيا لضبط الوضع في إدلب، ونحن أمام احتمالين: إما أن يمدد الروس مهلهم للجانب التركي من أجل تفكيك (هيئة تحرير الشام/ النصرة)، أو أن يعطوا الضوء الأخضر للنظام، لشن هجوم عسكري على إدلب أو أجزاء منها”.

أضاف خليفة: “ثاني المحددات يتمثل في الرغبة التركية في البقاء في إدلب، التي تضم فصائل محلية، وتنظيمات جهادية من الممكن أن تسبب قلقًا في إدلب ضد الأتراك مستقبلًا، إضافة إلى أن المنطقة تضم نحو 3 ملايين ونصف من المدنيين يعيشون في ظل أوضاع إنسانية صعبة. أما المحدد الثالث فهو طبيعة العلاقة بين الفصائل الموجودة على الأرض: هل هنالك رؤية واضحة وقدرة على التنظيم الذاتي، والعمل على بناء منظومة سياسية وعسكرية واقتصادية؟”.

تركيا من جانبها سعت لدمج الفصائل المنتشرة في إدلب ضمن تشكيل واحد، يتمتع بقوة عسكرية وقيادة مركزية، ولكن هذه الجهود أنتجت اندماج فصائل (الجيش الحر) فقط، حيث أعلن عن تشكيل (الجبهة الوطنية للتحرير) التي تضم فصائل (أحرار الشام، نور الدين زنكي، جيش إدلب الحر، جيش التحرير، فيلق الشام، صقور الشام، شهداء الإسلام داريا، تجمع دمشق)، وعدة فصائل أخرى، بينما رفضت (هيئة تحرير الشام) الاندماج، وسط كثير من الشائعات حولها.

(الجبهة الوطنية للتحرير) تؤكد جاهزيتها للمقاومة والتصدي لهجوم النظام، خاصة أنها تسيطر على نقاط استراتيجية عدة، منها حي (الراشدين) داخل مدينة حلب، ونقاط مشتركة مع بلدتي (نبل والزهراء) اللتين تقعان تحت النفوذ الإيراني، إضافة إلى نقاط استراتيجية في (مورك) و (التمانعة)، وغيرها، من الممكن أن تحدث خشية عند النظام، من إمكانية استهداف عدد من ثكناته المهمة شمال غرب سورية.

الجبهة الوطنية للتحرير ، تأسست 1 آب/أغسطس 2018

الناطق الرسمي باسم (الجبهة الوطنية للتحرير) النقيب ناجي أبو حذيفة، قال في حديث إلى (جيرون): “نحن نأخذ كافة الاحتمالات بالنسبة إلى إدلب، ونتابع تحركات النظام بكامل الجدية، ولذلك قمنا برفع الجاهزية القتالية، وتحصين جبهاتنا في المحاور كافة، وتعزيز نقاط الرباط، وأعددنا خططًا دفاعية، كما أعددنا خططًا لمعارك هجومية على أكثر من محور. وقمنا بتعزيز القوى على كافة الجبهات”، مؤكدًا الحفاظ على الأرض، بالقول: “سندافع ونتصدى لقوات النظام، وسنعمل على امتلاك زمام المبادرة على أكثر من محور”.

على الصعيد ذاته، يرى مراقبون أن النظام وحليفتيه روسيا وإيران يحاولون استباق الأمور، واستغلال انشغال تركيا بأزمتها الداخلية الناتجة عن انهيار الليرة، والخلافات الشائكة مع الولايات المتحدة على خلفية اعتقال القس الأميركي، من أجل شن هجوم عسكري قد يكون محدودًا يستهدف جبل اللاذقية وجسر الشغور وسهل الغاب.

وفي ذلك، تحدث عروة خليفة عن احتمالات الموقف التركي بالقول: “في حال سحبت تركيا يدها من إدلب؛ سنكون أمام احتمال اجتياح عسكري كامل للنظام. ولكن أظن أن النظام سيقتصر في هجومه على ما تبقى من سهل الغاب، وجسر الشغور، وريف اللاذقية. وفي حال كان التقدم سريعًا للنظام، أعتقد أنه سيفكر في التقدم أكثر. نحن دائمًا نرى الأوضاع الإقليمية والدولية، ولكن يجب علينا امتلاك استراتيجية محلية واضحة للعمل والتنظيم الذاتي، على الرغم من الميل الدولي لتسليم النظام كافة المناطق، ولكن في اعتقادي ما زلنا نمتلك وقتًا للعمل في هذه الفترة، ولكن ربما بعد أيام، أو أسابيع، لن يكون هناك وقت للعمل”.

النظام يبدأ تمهيدًا مدفعيًا على جبل التركمان-اللاذقية (وكالة الأناضول)

حول خيارات الناس في إدلب، وريف حلب، قال علاء الدين فطراوي: “الناس تطالب الفصائل العسكرية بالتجهيز بالعدة والعتاد للمعركة، إذا وقعت، وملاحقة مروجي المصالحات، وتعزيز الجبهة الداخلية، وعدم إهمال احتياجات المدنيين”.

وعلى ذلك؛ تنتظر إدلب وريف حلب الغربي الساعات والأيام المقبلة لتحديد مصيرها، فهل ستبقى خضراء كمنطقة تؤوي ملايين المعارضين لنظام الأسد، أم أن تركيا ستتخلى عنها لروسيا؟ وهل يستمر المدنيون في عقد الأمل على الضامن التركي لمنع أي محاولة للنظام من التقدم؟ وهل ستتمسك تركيا بنقاطها في إدلب لضمها إلى مناطق نفوذها، كما حصل مع عفرين وريف حلب الشمالي، لتكون منطقة آمنة يلجأ إليها معارضو النظام؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق