تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

النظام يفتح معبرًا بين السويداء و(داعش) بدلًا من معبر نحو الأردن

طوال عشرات السنوات، كان أهالي السويداء، ولا يزالون، ينتظرون افتتاح معبر حدودي لهم مع الأردن، أسوةً ببقية المحافظات الحدودية السورية الأخرى التي تملك كلٌ منها معبرًا، أو أكثر إلى الدول المجاورة، وإذ بهم أمام معبر مُشرّع الأبواب على دولة (تنظيم الدولة الإسلامية) الإرهابي (داعش).

لم يُدرك أبناء السويداء أنهم أمام معبر إلى المجهول، هذا المعبر الذي تم بموجب الاتفاق القاضي بنقل عناصر تنظيم (داعش) الإرهابي، من مخيم اليرموك والحجر الأسود إلى البادية السورية، وفقًا لصفحة (دمشق الآن نيوز) الموالية، التي أعلنت بدء انطلاق عدد من الحافلات، من منطقة الزاهرة الجديدة في دمشق، لإجلاء عناصر تنظيم (داعش)، إلى مناطق سيطرة التنظيم في البادية السورية.

أشار المرصد السوري لحقوق الإنسان في التاريخ نفسه إلى أن دفعة ثانية من عناصر التنظيم المُدرج على لائحة الإرهاب الدولية قد غادرت المنطقة ليلًا. وهو ما أكده، أيضًا، في اليوم نفسه، موقع (السويداء 24)، على لسان مراسله في المنطقة، بقوله: تم نقل المئات من مقاتلي التنظيم، ممن غادروا المخيم، من خلال عشرات الشاحنات والسيارات، وعناصره دخلوا فعلًا إلى منطقتي (الأشرفية والعورة) في بادية السويداء، وهما لا تبعدان عن ريف السويداء الشمالي الشرقي سوى أقل من 10 كيلومترات، ضمن المنطقة التي يسيطر عليها تنظيم الدولة، الممتدة من بادية البوكمال شمالًا، إلى بادية تدمر، حتى بادية السويداء التي تُقدر مساحتها -وفقًا لبعض المصادر- بنصف مساحة البادية السورية.

المفارقة الغريبة في هذا الاتفاق هي أنه تم نقل هؤلاء الإرهابيين إلى البادية السورية، في حين تم نقل أسرهم وأطفالهم إلى منطقة إدلب. تزامن ذلك مع سقوط طائرة استطلاع في المنطقة نفسها، في صباح ذلك اليوم، نتيجة خلل فني، وفقًا لما تم تداوله من أخبار.

لم يُدرك أهالي تلك القرى الفقيرة والمهمشة الواقعة على أطراف البادية أن هذا المعبر سيكون مثله مثل معبر مورك، الذي تسيطر عليه (جبهة النصرة)، في محافظة إدلب، وتحكمه لغة تبادل المصالح، من مقايضات ومساومات وصفقات فساد وتهريب، بين عناصر الجبهة، وبعض المتنفذين والفاسدين في الجهة المقابلة. كما لم يُدرك أهالي السويداء أن هذا المعبر، الذي يمتد عبر الصحراء، على طول عشرات بل مئات الكيلومترات، من دون باب أو بوّاب، أنه سيفتح عليهم أبواب جهنم، من مداهمات لعدد من القرى، وتفجيرات انتحارية في وسط مدينتهم. ولذلك كان حجم الكارثة فوق كل التوقعات، وكانت الحصيلة أكثر من 260 ضحية، وما يزيد على 300 جريح، فضلًا عن أكثر من 40 مخطوفًا، جميعهم من الأطفال والنساء.

المؤسف في الأمر أنه لم يتم حمايتهم وأطفالهم ونسائهم من هؤلاء القتلة، ولا تم تحذيرهم من هذا الخطر القادم، كي يقوموا بحماية أعراضهم وبيوتهم بأنفسهم، بعد أن تم نقل التعزيزات العسكرية المتواجدة في تلك المنطقة، بصورة مفاجئة إلى محافظة درعا، رغم استمرار العمليات العسكرية ضد (تنظيم الدولة)، وفقًا لما ذكره مراسل (عنب بلدي) في السويداء، بتاريخ 27 حزيران/ يونيو الماضي، وهو ما أكدت عليه أيضًا شبكة (السويداء 24) بخلو خطوط التماس المواجهة للتنظيم من القوات العسكرية النظامية، ومن ضمنها قوات البادية.

ما كان يؤنس هؤلاء المساكين، ويُثلج صدورهم أيضًا، هو أن السلطات الحكومية كانت قد أعلنت، في أيلول/ سبتمبر من العام الماضي، سيطرتها الكاملة على بادية السويداء، فضلًا عما كانت تتناقله الأخبار اليومية من مواجهات ومناوشات عسكرية، بين الجيش السوري، وعناصر هذا التنظيم، منذ تاريخ افتتاح ذلك المعبر، وما قبله. ومن يقرأ عناوين الأخبار المنتشرة على الشبكة العنكبوتية؛ يجد أن تلك المناوشات كانت كثيرة ومتواصلة، مثلما هي كثيرة حالات التنسيق في ما بين متنفذين وفاسدين وسماسرة ومهربين من كلا الطرفين.

كان الأشقاء الثلاثة المغدورون (نجيب وحكمت وجودت) من (آل أبو عمار)، من قرية الشبكي، في ذلك اليوم الأسود، في اغترابهم السعودي المر، عندما نما إلى علمهم نبأ خطف أفراد أسرهم وأطفالهم من قبل عناصر التنظيم، بالقطع لو تبلّغ هؤلاء تلك التحذيرات، أو استشعروا تلك الأخطار، لحضروا ودافعوا عن بيوتهم وأسرهم وأعراضهم بأسنانهم، ومثلهم كان حال ابن قريتهم زهير الجباعي، الذي قُتل جميع أفراد أسرته عن بكرة أبيهم.

في فجر ذلك اليوم، كما هي العادة لدى أهالي جبل العرب، سارع هؤلاء الضحايا، إلى فتح أبواب بيوتهم بلهفة المشتاق، دون سؤال من هو الطارق، ربما يكون والدًا مسافرًا، أو ابنًا عسكريًا طال انتظاره، أو مستجيرًا، أو قد يكون صاحب حاجة. لم يخطر في ذهن هؤلاء المساكين أن السواطير والسكاكين ستغرز في صدورهم.

كيف حصل ذلك، ومن هو المستفيد؟ مجموعة كبيرة من الأسئلة تطرح نفسها هنا. لن نتحدث في هذه الُعجالة عما يتداوله الناس في السويداء اليوم، من عوامل مهدّت لوقوع هذا الهولوكوست الدامي، ومن أهمها أنهم ربما يدفعون ثمن رفضهم المشاركة في النزاع السوري السوري المتواصل، وقيام مشايخ الكرامة بحماية ما بين 30 ألف إلى 50 ألف من أبنائهم، ممن رفضوا الالتحاق بالخدمة الإلزامية، وغير ذلك من عوامل أخرى، مع أن السويداء قد دفعت الضريبة مُضاعفة، بتقديمها عددًا كبيرًا من الشهداء العسكريين من خيرة أبنائها.

من معبر إلى الأردن، إلى معبر مع دولة (داعش)! أي معبر شُرِّع على أهالي السويداء؟ وأي مجهول بات أمامهم؟ خصوصًا بعد أن سقطت لديهم فجأة تلك الكذبة الكبيرة التي طالما رددوها في أحاديثهم العامة وتحليلاتهم اليومية، ومفادها وجود توافقات دولية حيال حمايتهم كمكون درزي أقلوي، فضلًا عما تم تداوله من أخبار مؤخرًا من نقل نحو 400 عنصر من (جيش خالد بن الوليد) المبايع لتنظيم (داعش)، من مناطق سيطرتهم في حوض اليرموك، إلى مناطق شرق السويداء مع أسلحتهم وعائلاتهم.

وعلى ذلك؛ كل المعطيات الداخلية والخارجية تشير إلى أن مستقبل السويداء لا يشي بخير، مع وجود هذا التنظيم الإرهابي بجوارها، ومع إعادة ترتيب أوراقه في هذه المنطقة، تبعًا للدور المرسوم له من قبل الدول الراعية، ومن المتوقع أن يكون ذلك الدور في مستقبل الأيام أقوى مما كان؛ بعد أن فقد معظم الأراضي التي كان يُسيطر عليها، وتمتد على طول الحدود السورية العراقية، ومنها عاصمته الرقة التي أعلن منها قيام دولته الإسلامية.

يجري ذلك في ظل تضارب المصالح في ما بين الدول المتحكمة بالشأن السوري اليوم، بدءًا من السعي الأميركي المتواصل من أجل الإبقاء على هذا التنظيم، وبهدف تأخير الحل السياسي الذي تقوم بفرضه روسيا اليوم. فمن شأن ذلك استمرار بقاء واشنطن في الأراضي السورية، بذريعة محاربة الارهاب من جهة، وابتزاز الدول الخليجية الممولة لحملتها، من جهة ثانية.

والدليل على ذلك توقف التحالف الدولي الذي تتزعمه واشنطن عن استهداف التنظيم في عمق الصحراء، على الرغم من تنقل عناصره بالقرب من قاعدتها المتواجدة في منطقة (التنف)، على مثلث الحدود السوري العراقي الأردني، بذريعة أنه يتحرك خارج حدود منطقة الـ 55 كم المتعلقة بالقاعدة!

هذا ما تؤكده أيضًا موسكو، بين فترة وأخرى، من اتهامات توجهها إلى واشنطن بمسؤوليتها عن استعادة (داعش) لمكانته التي خسر بعضًا منها. وهذا ما عبّر عنه في وقت سابق المتحدث باسم قاعدة حميميم الروسية، ألكسندر إيفانوف، أن التنظيم فقد توازنه بشكل كامل في الآونة الأخيرة، لكنه الآن يستعيد توازنه بشكل سريع، بعد تدخل واشنطن عبر (قوات سورية الديمقراطية)، ووضعها قيودًا حالت دون استكمال القضاء على التنظيم المتشدد بشكل كامل.

والواقع أن حجم التهديدات التي يُشكلها هذا التنظيم لأهالي السويداء لا تخفى على أحد. كذلك حجم الانتهاكات الجسيمة في حق البشرية والإنسانية جمعاء، على الرغم من قيام جيش النظام السوري اليوم بمطاردته، خصوصًا في الأماكن التي تواجد فيها في كل من سورية والعراق، وقيامه بارتكاب المجزرة تلو الأخرى، فضلًا عن الإعدامات الميدانية، وحالات الخطف المتكرر، وقد بلغت في أيار/ مايو الماضي وحده، في محافظة السويداء، 24 حالة خطف، وفقًا لما نشره موقع (السويداء 24) بتاريخ 6 آذار/ مارس 2018، ما تسبب في نزوح عشرات العائلات البدوية السورية إلى محافظة درعا، خصوصًا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن هذا التنظيم لم يعد يهتم بقضية السيطرة على الأرض على ما يبدو، بمقدار اهتمامه بإشعار الآخرين أنه لا يزال موجودًا، وذلك من خلال ارتكابه مجزرة هنا، وأخرى هناك، أو من خلال نصب الكمائن، معتمدًا على ما يتوفر له من تكتيك حرب العصابات، وما توفره له البادية السورية من تحصين استراتيجي، فضلًا عن إمكانية المناورة. لذلك يُخشى من استمرار قيامه بشن هجمات جديدة أخرى، قوية وخاطفة على ريف السويداء.

وبالتالي، فإن المخاوف المستقبلية الحقيقية على أهالي السويداء إنما تكمن في امكانية قيام التنظيم باستهداف طريق عام دمشق السويداء، أسوة بما فعله في الثامن من نيسان/ أبريل الماضي، حينما تمكّن خلاله (داعش) من قطع طريق دمشق – بغداد، بعد معارك عنيفة خاضها مع قوات النظام، والميليشيات الإيرانية في البادية السورية، أو من خلال اللجوء إلى العمليات الانتحارية.

ختامًا، يُدرك أهالي الجبل، وهم المجبولون بتراب هذا الوطن، أنهم بالقطع لا يحتاجون إلى الحماية من أي دولة، صغيرة كانت أم كبيرة، وأنهم قادرون على أن يدافعوا عن وجودهم في هذه المنطقة بأنفسهم، التي لهم فيها جذور عميقة، عمق أشجار سنديانهم وبلوطهم وزيتونهم، قادرون على أن يدافعوا عن وطنهم السوري، والتاريخ يُعلمنا أنه لا يمكن لقوة في العالم أن تقتلعهم منه. لقد سبق أن زحفت إلى جبلهم الجيوش العثمانية، وجيوش إبراهيم باشا المصري، وجيوش فرنسا، إلا أن تلك الجيوش تكسّرت على أبوابهم، وقد أبادوها وهزموها، وظلوا صامدين، لا ألوان صخورهم تبّدلت، ولا رائحة زهر زيتونهم تغيّرت.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق