تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

قضية القس الأميركي برونسون وعقلية رعاة البقر!

تشهد العلاقات التركية الأميركية مزيدًا من التجاذبات منذ عهد أوباما، وتتصاعد قدمًا في عهد ترامب، إذ تُوّجت الأسبوع الماضي بعقوبات صادرة عن وزارة الخزانة الأميركية، في حق كل من وزير العدل عبد الحميد غُل، وزميله وزير الداخلية سليمان صويلو، مبررة عقوباتها هذه “بأن الرجلين كانا يقودان منظمات حكومية تركية مسؤولة عن انتهاكات لحقوق الإنسان”.

ويُعّد هذا الإجراء تصعيدًا خطيرًا من قبل الإدارة الأميركية تجاه تركيا، بعد تلويح ترامب، عبر تغريدة له على (تويتر) سبقت الإجراء، مهددًا بأن الولايات المتحدة ستبدأ فرض عقوبات واسعة ضد تركيا. جاء ذلك إثر توقيف السلطات التركية القسَّ الأميركي أندرو برونسون، في تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2016، حيث كان يقيم هذا القس الأميركي في تركيا منذ 23 عامًا، ويرعى كنيسة إنجيلية صغيرة لا يتجاوز أتباعها 25 شخصًا، وهو يُحاكم الآن أمام القضاء التركي بتهم التجسّس، وارتكاب جرائم لمصلحة منظمتي (غولن) و(بي كا كا) الإرهابيتين، وتم نقله من محبسه إلى بيته تحت الإقامة الجبرية، والاستمرار في مقاضاته، بموجب التهم الموجهة إليه من قبل القضاء التركي.

ما قامت به الإدارة الأميركية يُعدّ تطوّرًا خطيرًا، يُعَرّض العلاقات التاريخية بين تركيا والولايات المتحدة الأميركية، العضوين البارزين في حلف شمال الأطلسي، لمزيد من التصدع والتباعد، منذ أن تبنّت أميركا تنظيمات كردية متطرفة وموضوعة على قوائم الإرهاب الأميركية نفسها، في كل من سورية وتركيا والعراق. وهذا كان مدعاة للغرابة والدهشة من قبل القيادة التركية والمتابعين كافة لشأن العلاقات التاريخية بين البلدين التي تمتد لعقود طويلة خلت. فكيف يستقيم تفضيل التعاون مع فصيل إرهابي على حساب دولة بحجم تركيا، لعبت تاريخيًا دورًا كبيرًا كجدار صدّ لما كان يسمى بالخطر الشيوعي، إبان الحرب الباردة، وكذلك لموقعها الجيوسياسي المهم الذي ظل الناتو على الدوام يعطيه دورًا تفضيليًا متميّزًا، إضافة إلى ما قدمته تركيا من خدمات وتضحيات، من خلال مشاركتها الأميركان في الحرب الكورية التي اندلعت في منتصف القرن الفائت، حيث ضحت تركيا هناك بمئات الجنود الأتراك.. هؤلاء الذين ما انفك أردوغان يذكّر الإدارة الأميركية السابقة واللاحقة بهم.

بدأت التجاذبات بين الإدارتين الأميركية والتركية تظهر إلى العلن، بقوة، منذ انطلاقة الثورة السورية في آذار من عام 2011، والتقلبات الأميركية إزاءها؛ ما أثار ريبة الأتراك حول الأجندة الأميركية المرسومة بهذا الخصوص للشرق الأوسط عمومًا، فتركيا التي ناصرت ثورة أرادت أن تنهي حقبة مديدة لتسلط واستبداد نظام ظالم في بلد جار يمثل، بالنسبة إليها، بوابة عبور نحو العالم العربي وسوقه الواسعة، وكذلك ما يربط تركيا به من علاقات التاريخ والجغرافيا، ومنظومة القيم المشرقية المشتركة، حيث لم تجد تركيا من دعاة الديمقراطية في الولايات المتحدة الأميركية سوى المواقف الملتبسة التي تبين لاحقًا أن المشكلة هي أكبر من الحدث السوري الذي بدأت تقترب تداعياته من الخطوط الحمراء التي تمس الأمن القومي التركي، والهادفة إلى نسف استقرار هذا البلد المترامي الأطراف، الذي كان مركزًا للإمبراطورية العثمانية الواسعة لأربعة قرون خلت. ثم جاء حادث إسقاط الطائرة الروسية في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 فوق جبل التركمان في محافظة اللاذقية السورية، لتكتشف تركيا نيّات التوريط الأميركي لها في صراع محتمل مع الروس، يستنزف تركيا ويضعها في دائرة الخطر الوجودي، بعد أن سحب بعض أعضاء الناتو مسبقًا بطاريات الباتريوت من الحدود التركية إثر التدخل العسكري الروسي في الشأن السوري، والمماطلة الأميركية بالسماح لتركيا بإقامة مناطق آمنة تدرأ عنها خطر التنظيمات الإرهابية التي بدأت تهدد الداخل التركي عبر عملياتها الانتحارية. إلا أن القيادة التركية آنذاك، ببراغماتية مدهشة، قامت بالاستدارة لرأب الصدع مع القيادة الروسية، خاصة أن العلاقات الاقتصادية القائمة بين البلدين كبيرة، وتشكّل منفعة متبادلة، وذات طابع استراتيجي.

بعد ذلك، جاءت المحاولة الانقلابية الفاشلة ضد حكومة حزب العدالة والتنمية، في 15 تموز/ يوليو من عام 2016، لتدق جرس إنذار حقيقي كان وقعه قاسيًا على الحكومة التركية، خاصة أن المتهم الرئيس فيها هو تنظيم الداعية فتح الله غولن، الذي يشكّل كيانًا موازيًا ومتغلغلًا في مفاصل الدولة التركية، وعلى الصعد كافة، ويمتلك حضورًا وانتشارًا عالميين عبر إمبراطورية شديدة الغموض تعمل بنفس هادئ، وتتسرب عبر المؤسسات الإعلامية والتعلمية والأمنية والجمعيات الخيرية، وغيرها، حيث طالب بعدها الأتراك الولايات المتحدة الأميركية بتسليم المتهم المقيم لديها إلى القضاء التركي، بعد أن تقدموا بوثائق إدانة له، وكذلك محاضر تحقيقات أجريت مع المتهمين التي بلغت آلاف الصفحات، إلا أن إدارة أوباما لجأت إلى التسويف والمماطلة والوعود الخلّبية مع الجانب التركي.

بعد اعتقال القس الأميركي المذكور؛ أرادت تركيا مبادلته بغولن، إلا أن الجانب الأميركي رفض المقايضة، وما زال يرفض، مطالبًا -بطريقة فظّة وآمرة- برفع الإقامة الجبرية عن القس برونسون، وإطلاق سراحه، وذلك بطريقة لا تليق باللغة الدبلوماسية المعتادة بين الدول، بل بلهجة غير لائقة واتهامية صدرت هذه المرة عن نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، وهو مسيحي إنجيلي على غرار برونسون، حيث قال: “القس ضحية اضطهاد ديني! في تركيا ذات الغالبية المسلمة”، ناسيًا أن الشعوب تدرك أساليب الإدارات الأميركية المتعاقبة، وأجهزتها الأمنية الأخطبوطية التي تنشط تجسّسيًا، عبر مؤسسات وأشخاص يأخذون صفة رجال الدين تارة، وتارة صفة الصحفيين والخبراء والناشطين في لجان “حقوق” الإنسان.. وغيرهم. وهذا ما حدا بالرئيس التركي إلى أن يصرح قائلًا: “تركيا ليس لديها أي مشكلة مع الأقليات الدينية، ومن غير الممكن بالنسبة إلينا أن نقبل هذه الذهنية التبشيرية والصهيونية، وهذه اللهجة التهديدية من قبل الولايات المتحدة”.

من هنا، يتبدّى لنا أن العالم يشهد خطابًا أميركيًا مختلفًا للإدارة التي تقود الولايات المتحدة الأميركية في هذه الحقبة، خطابًا إملائيًا يفتقر إلى اللباقة، واحترام الآخر، وسيادة الدول، وهذا ما سيدفع تركيا إلى تغيير شكل تحالفاتها نسبيًا، دون القطيعة مع الأميركان، حيث لمسنا رغبة الرئيس التركي أردوغان في تعميق علاقاته مع الروس، بل إنه طالب بالانضمام إلى مجموعة (بريكس)، حين حضر اجتماعها في جوهانسبرغ، خلال الفترة من (25 – 27) من شهر تموز/ يوليو الماضي.

يبدو أن إدارة ترامب لم تعِ بعدُ العناد التركي، وحساسية التّرك، عمومًا، من مخاطبتهم بروح استعلائية اعتادت عليها الإدارات الأميركية السابقة، حين كانت تركيا تقوم بدور وظيفي، بشكل طيّع، كما هي علاقاتها مع دول تابعة، وذليلة، في منطقتنا العربية، لا تمتلك الإرادة الكافية لإعلان (لا) كبيرة، في وجه إدارة ترامب، هذه الإدارة الجانحة أكثر فأكثر نحو التقلب والتطرف، وسياسة (الكاوبوي) التي تتبعها مع الآخرين في مواقفها السياسية المثيرة للجدل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق