مقالات الرأي

حاجتنا للثورة على النخب

أتيح لي مؤخرًا اللقاء بعدد من الوجوه البارزة في المعارضة السورية، ممن تصدروا خلال السنوات الماضية الصفوف الأولى، وشكلوا كيانات مختلفة تهدف جميعها إلى خلق كيان بديل عن كيان نظام دمشق، وإقناع الدول الكبرى بأنهم قادرون على لعب الدور الذي كان، وما زال، منوطًا بنظام دمشق. وقد لفت نظري أن الخطاب “المعارض” ما زال حتى يومنا هذا محتفظًا بتلك اللغة التي كنا نسمعها قبل أكثر من سبع سنوات، اللغة التي صارت بالية إلى درجة أنها لم تعد صالحة حتى للاستخدام الشعبي، اللغة التي تأسست أصلًا على مفردات استجداء ومشاعر، وحديث مسهب عن عالم متواطئ لا يريد نصرة الشعب الذي يتعرض لإبادة منظمة على يد سفاح العصر. هكذا حرفيًا، وهي لغة بعيدة كل البعد عن مفردات العمل السياسي، ولا تنتمي إلى لعبة المصالح التي تبنى عليها السياسة أصلًا، فهل حقًا لم تستطع المعارضة السورية تعلّم الدرس، بعد هذه السنوات الدامية؟ وما الذي تحتاج إليه أكثر كي تكتسب الخبرة؟

كان المبرر الوحيد للتخبط الذي شهدناه، خلال الأشهر الأولى من عمر الثورة السورية، هو أن السوريين كانوا، لأكثر من أربعة عقود من الاستبداد، محرومين كليًا من العمل السياسي، وهذا صحيح ولا يختلف فيه اثنان، وقد اعترفت المعارضة بذلك في مرات عديدة، ولهذا لجأت إلى “معلّمين” يرسمون لها طرقها؛ فتشكلت كياناتها بناء على وصايا وتوجيهات من أولئك “المعلمين”، بل إن خطاباتها كُتبت بناء على تلك التوجيهات. فكان الخطاب المعارض يختلف بتغير أولئك “المعلمين”؛ فيجنح يمينًا أو يسارًا، كما يطلب في الاجتماعات التي تجري وراء الكواليس، وهذا كله خلق فجوة واسعة بين الشعب الثائر، وبين قوى المعارضة على اختلاف مسمياتها، لكن لا ضير، استمرت تلك الوجوه البارزة في لعب الأدوار المطلوبة منها على أكمل وجه، وظلّت تتصدر المشهد، على الرغم من أن الشعب الثائر قد أسقطها من حساباته، وطالب في تظاهراته بإسقاط ائتلاف قوى الثورة والمعارضة، على سبيل المثال، لكن تلك المطالبات ظلت حبرًا على ورق ولم تصبح واقعًا، فيما تواصلت اللعبة السابقة: كيانات تفرز كيانات، ولجان تنتج لجانًا بالأسماء نفسها، والتصريحات نفسها، عن رغبة في إسقاط النظام، وحلم ببناء دولة ديمقراطية، وإلى ما هنالك من أحلام، ارتقت في بعض حالاتها الانفعالية لتصبح يوتوبيا، وفيما كان لتلك اللغة وقع خاص في وقت من الأوقات، فإنها صارت مثيرة للسخرية لاحقًا، إذ يقول أحد المعارضين، على سبيل المثال: “سوف نواصل العمل لتحقيق أهداف ثورتنا”. وهو لا يرسم أي خطة لذلك “العمل” الذي يريد أن يواصله ولا آليات لتنفيذه. وما هي الملفات التي استطاعت المعارضة أن تمتلكها، وقد أتيحت لها عشرات الفرص في الكثير من الأحيان لامتلاكها، بل إنها كانت في وقت من الأوقات تمتلك جغرافيا مترامية الأطراف، تستطيع من خلالها أن تلعب لعبة السياسة على أصولها، لكنها ضيعت تلك الفرص، ولن نتوقع أن تستطيع فعل شيء وهي مقصوصة الجناح، وقد تخلى عنها الكثير من “معلميها” و”داعميها”.

فما الحل؟

هذا سؤال يُطرح بشكل يومي هذه الأيام، خاصة أن نظام دمشق يبدو، وقد أعيد بعث الحياة فيه، أنه استعاد السيطرة على الجغرافيا، ويسعى لاستعادة ما تبقى منها، لا يهم هنا الحديث أهو الذي استعادها أم أن حلفاءه هم الذين فعلوها، هذا كلام يبدو باهتًا ولا معنى له، بل إن القول: لو تخلى عنه حلفاؤه فسوف يسقط مباشرة، هو ضرب من السذاجة السياسية، لأن حلفاءه لن يتخلوا عنه بتلك السهولة، وقد وصلوا هم أيضًا إلى ترتيب أوراقهم وفق ما أنجزوه على الأرض، وامتلكوا ملفات مؤثرة، يستطيعون من خلالها أن يكسبوا أي معركة سياسية لاحقة.

وفي محاولة للإجابة على هذا السؤال، لا بد بداية من التخلي عن العنتريات الجوفاء التي لا تجدي نفعًا، والالتفات فعلًا إلى التفكير في ورشة عمل مفتوحة تضع الاحتمالات جميعها على طاولة البحث، ولا يمكن إهمال أي تفصيل مهما كان صغيرًا، فالحالة السورية بحاجة ماسة إلى مشروع فكري سياسي متكامل، يضع نصب عينيه أن الاكتفاء بالحديث لوسائل الإعلام، وكتابة المقالات السريعة لم يكن في يوم من الأيام حلًا، وأن محاولة استلهام نموذج المعارضة العراقية السابقة، مثلًا، لا يجدي نفعًا في الحالة السورية، وهذا ما سعت المعارضة السورية لفعله في بعض مراحلها، كما لم يكن نافعًا استلهام التجربة الجهادية في أفغانستان، بل إن استلهام هذين النموذجين تحديدًا قد جلبا وبالًا على الثورة السورية، التي كان ينبغي أن يكون نموذجها خاصًا بها، لأن طبيعتها مختلفة كليًا عن طبيعة التجربتين المذكورتين، كما أن طبيعة نظام دمشق وتركيبته خاصة جدًا، ولا تشبه أيًا من الأنظمة الديكتاتورية في منطقتنا.

نقول في كل مرة إن فصل النهاية لم يُكتب بعد، وهذا ليس كلامًا متفائلًا، لكنه ينطلق من حقيقة أن الثورة السورية ما زالت موجودة بقوة، لدى شريحة واسعة من الشعب السوري، وهي بحاجة فقط إلى إعادة رسم طريقها، والبدء من حيث توقفت، والأهم هو تجنب الوقوع في “الأخطاء الكارثية” التي أوقعها فيها سوء قراءة نخبها السياسية، وسوء إدارتها. هل يعني ذلك الثورة على تلك النخب؟… نعم، ولمَ لا؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. ما خلصت إليه هو جوهر أي مبادرة مستقبلية لإعادة ترتيب و تنظيم الثورة لتبلغ هدفها .نعم يجب الثورة على النخب و بعض المفاهيم .إن أي نقاش حالي لتفاصيل تشكيل النظام ما بعد الأسد يعد ترفا و إسرافا عقليا لا يصلح إلا في أدراج الجامعات و الصالونات الثقافية ,يمكن أن يكتفى الآن بوضع الإطار و المبادئ العامة حتى نجاح الثورة و إسقاط النظام الأسدي و حينها يبحث في التفاصيل كما فعلت الثورة الجزائرية سنة 1954 .إن أية مشاريع أو مبادرات تقدم حاليا دون تغيير نظام دمشق ستصبح من الذكريات السيئة و الممقوتة إذا أخمدت الثورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق