هموم ثقافية

شعبوي/ جماهيري   

في الفنّ بأصنافه يوجد شعبوية كما في السياسة، بل إن ذراعًا، من أذرعتها الكثيرة، حرفية مختصة باللعب بعواطف الناس، ومن ثم بفكرهم لتوقعهم بتضليل السياسي.

ديماغوجية الفارق بين الجماهيري والشعبوي: هي لعبتنا نحن العرب، ضاع الفارق، بينهما (الشعبوية والجماهيري).. الجماهيري هو الذي يخلق جمهورًا واضحًا واعيًا..

شارلي شابلن جماهيري ومحمود درويش كذلك، الشعبوية فعل ديماغوجي (تضليلي) يوهم الناس، ويحشدهم حول فكرة سائدة بينهم ثم يؤكدها، وتكون سبقته إليها الخرافة والكذبة المكررة، والإيهام التاريخي والأسطوري، والأمثلة الشعبية الواهية، وعواطف الأمنيات عند الجماعات المهزومة، تلك هي الشعبوية التي اتكلت عليها التيارات الدينية عبر التاريخ، واستعارها الدكتاتور، كمكمل غذائي لخطابه البائس، ولم ينج اليساري المهزوم من هذه المعضلة المكثفة.

انقسم الخطاب الشعبوي بين دور العبادة واحتفالات الهزيمة المتتالية للسلطات، وتوظّف الفنانُ والمثقف عند أصحاب هذا الخطاب، بل تبناه وطوره، وخلق له جماهير من نوع جديد، شعبوية الفهم والمزاج والتلقي، حتى أصبح الخطاب الفني والثقافي والإبداعي الرصين والجميل، في عزلة، بل أمسى مبعدًا عن الرأي العام، وملاحقًا، وممنوعًا في الأحوال كلها.

وعندما سادت المحطات الفضائية، أصبحت هي دار العبادة والموقع الشعبوي الأول، وتأجج وانتشر الخطاب الفني الشعبوي، وتم توظيف علم الإعلان الجديد، لترويج هذه البضاعة المخيفة والفاسدة، والقاتلة.

وتأهلت الفنون الكاذبة من مسرح وسينما وغيرها، لتحتل مساحات السمع والبصر، وسيطرت قوى اقتصادية تجارية بحت، في ترويج الفكر والمنتج الشعبوي، حيث أصبحت الجماهير هي من تقوم بإكمال الحلقات المتبقية، لكن بمحتوى مبتذل، وباستغلال العاطفة الجمعية، لها شكل جماهيري، ومحتوى شعبوي، كآلة سونامية تدميرية.

إن جماهيرية الإبداع لا تعتمد على المُنتج وحسب، بل تعتمد على المتلقي أيضًا، والمؤسسات الثقافية الجماهرية والدولة الناظمة لها ليست مهمتها الرقابة والمنع، إنما تنمية الفكر النقدي والبحث الفني، وتحالف الفكر مع الإبداع في شتي الميادين الفنية والثقافية والإبداعية.

الموسيقى التي تسمى الآن كلاسيكية، لم تكن كذلك لولا المعاهد الفنية ومدارس الفتيان التي تشكّل من خلالها الذوق العام. كانت موسيقى جماهيرية، ووطنية، ولم تكن موسيقى شعبوية منفلتة، دامت وتطورت، وبنت أهرامات من الجمال على مدى قرون.

في بدايات السينما، كان شارلي شابلن يشكل الفكر الجماهيري، وفي المقابل كوميديا لوريل وهاردي، كوميديا لوريل وهاردي كوميديا شعبوية، تألقت، سنوات، وما لبثت أن ماتت، لأن الشعبوية هي مزاج غوغائي سريع الذوبان، بينما الكوميديا الجماهيرية، هي فن الناس، بالمستوى العمودي، والشعبوية بالمستوى الأفقي السطحي، تعتمد على دغدغة الجمهور ضمن مزاج مؤقت، يشتعل وينطفئ، يصاب بالهيجان، كهيجان الجلد، عندما يدخل إليه جسم غريب. لكن جسم الجمهور، قابل للترويض، ويمكن أن يفقد مناعته، ويتآلف مع هذا الغريب الذي يخترقه مثل فيروس.

لقد تم التعرف إلى الشعبوية، من خلال الحراكات السياسية، في خضم تطور الديمقراطية الاجتماعية، وسيادة صندوق الانتخابات، لكنه لم يتم البحث في الفكر الشعبوي وآلياته القديمة في ترويج الخرافة، وفكر السلاطين، وخلق رأي عام مؤيد للدكتاتور، من خلال الفنون والإبداعات الأدبية، ومن خلال الغناء والموسيقى والمسرح، وسينما المقاولات الهابطة، فنيًا وفكريًا.

شعبوية المثقف جعلته مصابًا -كل يوم- بفجيعة شعبه ومستواه الثقافي والسلوكي والمعرفي.. فمَن منهما المسؤول؟ ومن منهما المعزول عن الآخر؟

لقد سوقت دول الاستبداد نفسها على أنها صورة للمثقف! وحقيقة الأمر أنها كانت تسوق الجهل والتخلف، وتضخ في المدارس كل خرافات الكون! فمن خلال الإعلام الكاذب ومشتقاته، يصاب المثقف، عضويًا كان أم غير عضوي. إن الناس ووعيهم بخير، لكن السلطات الاستبدادية كانت تنتج أجيالًا تحمل البغضاء والأنانية والخوف من الآخر، والآخر يصل إلى مستوى الجار قبل العدو.. والمثقف كان، بوعي أو من دون وعي، يتآمر مع السلطات بهذا التضليل. ولذلك، في أول تظاهرة أو كلمة حرة أو اجتماع، وجدنا الثقافة في واد والناس في وادٍ آخر.

ينوح المثقف أولًا على نفسه، وهو في قطيعة مع المستجدات العلمية والتكنولوجيا، ولذلك فهو في بعدٍ سحيق، عن معاناة شعبه وحركاته الجماهيرية، وعليه أن يبكي أكثر لفجيعته التآمرية مع سلطات الاستبداد.

خلاصة القول أن الشعبوية هي حالة تهبّ كالموضات في لباس المراهقين، لكنها تتلاشى مع أول موضة جديدة. والجماهيرية: هي متطلبات شعبية عميقة في وجدان الناس.

إن إنتاج الوعي الثقافي الجماهيري وليس الشعبوي، ضرورة لبناء أي مجتمعٍ ترسخ فيه الثقافة والإبداع، كما يرسخ الفلكلور الشعبي والعرف الاجتماعي في الوجدان، لمئات السنين وأكثر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق