قضايا المجتمع

تعذيب الجياد في بلاد الأسد.. الفعل والمغزى

في مشهد مريب، تم تسريبه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كان المدعو طلال الدقاق، من محافظة حماة، يستمتع بمراقبة أسدين ينهشان جسد جواد أصيل، بعد أن جمعهم جميعًا في قفص واحد. ومعروف عن طلال الدقاق أنه واحد من كبار شبيحة الأسد، وما أقدم عليه هذا الشبيح لا يشكل حالة استثنائية، بل يكاد يكون ظاهرة عامة تتفشى في الجماعات والعصابات المؤيدة للأسد، فقد سبق أن رأينا، مع بداية الثورة، ضباطًا من الجيش الأسدي وهم يُصوّبون رصاصهم على مجموعة من الحيوانات (الحمير). وكذلك انتشر فيديو للشبيح محمود عفيفة، وهو يُطعم حيواناته المفترسة أشلاءً بشرية، إضافة إلى مئات المشاهد المسرّبة عن تعذيب الأطفال والنساء والرجال. ومعظم المعطيات على أرض الواقع، وخصوصًا مع بدايات الثورة السورية، تشير إلى أن تصوير وتسريب عمليات القتل والتعذيب، سواء في الساحات والطرقات أو المعتقلات، لم تكن ظاهرة عفوية، إنما هي بمثابة إعلان يُروّج لقوة الطرف المُمارس للقتل والتعذيب بشكل عام، وذلك بقصد إنزال الرعب في قلوب المتظاهرين السلميين، وتحذيرهم من أن مطالبتهم بالحرية ستكلفهم الكثير، وكذلك بغرض إزاحتهم عن المشهد، واستبدالهم بفئات أخرى تمتهن القتل والتعذيب، وذلك لتتم الموازنة والمقارنة بينها وبين عصابات الأسد، فتغدو بذلك جرائم الأخير مبررة دوليًا.

لقد اعتدنا، مع كل تسريب لمشهد كهذا، أن يُسارع المثقفون المؤيديون للتنظيم الأسدي، إلى الاستشهاد بظواهر لا تقل وحشية عن سابقتها، أقدمت عليها التنظيمات الإرهابية، مثل (داعش) وسواها، ليواروا خلفها جرائم شبيحة الأسد، أو لتلميعها، وفي أحسن الأحوال، تبرير سلوك المرتكبين لمثل هذه الجرائم، أمثال طلال الدقاق، بوصفهم مرضى نفسيين، وذلك لئلا ينالهم نصيب من هذا التوحش. في حين نكاد لا نسمع أصواتهم، إزاء هذه التسريبات، إنما جل انتقاداتهم كانت، وما زالت، منصبة على المعارضين لتنظيم الأسد، وإلصاق جميع الجرائم بهم.

صحيح أننا لا نعرف تمامًا كيف يتفاعل أمثال هؤلاء المثقفين، وهم يحدقون في غرفهم المغلقة إلى تلك المشاهد، لكن يكفي أن نتذكر ولاءهم للأسد، حتى نستدرك أن حالتهم النفسية لا تختلف كثيرًا عن حال المدعو طلال الدقاق، وقد يستمتعون مثله برؤية هذا النوع من المشاهد، ولعلهم يفرغون من خلالها شحنات أحقادهم على كل من تجرأ وعارض سيدهم الأسد، وهذا تحديدًا ما يجعلهم أشد خطرًا على الحياة من دقاق وغيره من الشبيحة، إذ يتعمدون تعمية الأبصار عن الجرائم، والتغطية عليها، بعناوين وقصائد ولوحات فنية ومهرجانات تقام هنا وهناك، حتى يخال من يتابعهم، أو يصغي إليهم، استحالة أن تكون تلك الجرائم لصيقة الصلة بهم.

حينما يغدو القتل والتعذيب عملًا منهجيًا وممتهنًا، تنتاب صاحب هذه المهنة رغبة في تشريح أدائه وتقييمه، وتطويره، إذ تكاد تكون مهنة القتل والتعذيب، كغيرها من المهن، بحاجة إلى أداء جسدي ونفسي، يقوم به فرد، أو مجموعة أفراد، ومن الطبيعي أن يتوق القتلة إلى من يدلل ويشير إلى حسن أدائهم لمهنتهم، وتقييمها، ولهم خير مثال في ذلك فئة المثقفين أتباع الأسد، الذين يمدونهم بطاقة مماثلة للطاقة التي يبعثها المشاهدون في نفوس الممثلين، من خلال تأييدهم لهذا النوع من المسرحيات الدامية، والتصفيق للمؤدين لها.

كذلك، فإن عملية تسريب مقاطع الفيديو التي يصورها القتلة توفر لهم إمكانية الحكم على أدائهم، وتقدير جودته في ما بينهم من جانب، ومراقبة ردات أفعال الضحايا عليه من جانب آخر. وأيضًا تقييمه والحكم عليه من قبل مشاهديهم أصحاب المقامات الرفيعة، ومن ضمنهم المثقفون. وإذا ما غدا القتل والتعذيب مهنة يومية؛ فإن القتلة يحتاجون إلى قتلة أضعف منهم، وأقل موهبة وخبرة، وذلك كي يلبوا في ذواتهم نشوة التفوق. ومن هنا، على سبيل المثال، تنتشر في معتقلات التنظيم الأسدي حالة التنافس بين الجلادين، وأيهما أكثر تفننًا في تعذيب الضحية وإهلاكها. ويصل الأمر في بعض الأحيان إلى أن يتربع الجلاد على كرسيه، ويمسح العرق على جبينه، بعد أن ينال من ضحيته، وكأنه أنجز عملًا مشرفًا، وكأن هذا العرق الذي سال منه يستحق التقدير، فتراه يحدق في عيون مرؤوسيه، ليرى فيها تقديرًا لجهوده، وإعجابًا بعنفه وسطوته. كذلك، فإن من امتهن القتل والتعذيب لا يكتفي بأن تتم مقارنة موهبته بموهبة زملائه في المهنة نفسها، بل يحتاج إلى جلادين أقل موهبة وخبرة، ليستدرك ما لديه من خبرات وميزات في هذا المجال. ولذلك قد يرغم ضحية على أن يُنزل التعذيب بضحية مماثلة لها، وهو يعرف مسبقًا أن الفشل سيكون حليفًا لها، إذا ما قورن أداؤها بأدائه، فيبدأ بإعطاء الأوامر والملاحظات وهو يصرخ ويشتم… ومهما حاولت الضحية التي أجبرت على لعب هذا الدور؛ فلن تستطيع التفوق على أداء الجلاد الممتهن للقتل والتعذيب، وستكون النتيجة لصالح الأخير بالتأكيد، وهذا ما يضاعف من شعوره بالتميز والفرادة.

إن مهنة القتل والتعذيب التي راجت في سورية على يد شبيحة الأسد غدت ظاهرة تستدعي لدى المشتغلين بها رغبة مشابهة لرغبة الممثل الذي يتوق لرؤية أدائه، وهكذا راق للمدعو طلال الدقاق أن يختار الحصان لينزل به عذابًا مميتًا، والحصان في الأعراف الإنسانية والاجتماعية يرمز إلى القوة والشجاعة والإباء، ليس فقط عربيًا، إنما عالميًا، وتعذيبه وقتله بهذه الطريقة الوحشية يحمل رسائل متعددة، وإن كانت معانيها خفية عن مرسلها، تلبي عنده حاجة دفينة، تتلخص في سعيه لإهانة الرجولة والأنوثة بشكل عام، وكأنه من خلال تلك المشهدية حوّل الحصان إلى نسخة عن المعتقلين والمعتقلات في السجون الأسدية، وتوظيف الأسود في هذه المهمة القذرة، يبدو أنه ليست إلا كناية عن رغبة المدعو طلال، ورغبات القتلة، الذين يودون احتكار القوة لأنفسهم، وكأنهم هم الأسُود. فحينما لم تعد وحشية الدقاق وأمثاله كافية لتشبع نهمه وغروره في احتكاره لمهنة القتل والتعذيب، أسقطها على أشد الحيوانات فتكًا، وحال الحصان المنهك في تجربة كهذه، يحقق لأمثاله متعة فريدة، فالأحصنة أيضًا ترمز إلى العنفوان والشموخ، وتركها تدمى وتتهالك، على هذا النحو، هو تمامًا قتلٌ فعلي لمثل هذه القيم والمفاهيم.

يعدّ هذا الشخص نموذجًا مصغرًا عن التكتلات والعصابات التي يتأسس عليها التنظيم الأسدي، والغريب أن هذا التنظيم له من يمثله في المحافل الدولية، حيث يعطى لبشار الجعفري، الممثل الدولي لهذه العصابات، الفرص ليتحدث باسمها، والأشد عجبًا ومهزلة أن يدافع الشعراء والأدباء والفنانون عن عصابة كهذه.

وفي العموم، فإن الفيديو المسرب عن تعذيب الحصان حتى الموت يكاد يوجز ما حدث، ويحدث في سورية، إنه قتل للأصلاء على يد الأقذر، في حين لم نسمع صوتًا لجمعيات الرفق بالحيوان المنتشرة في الدول المتحضرة إزاء هذه الجريمة، والحال ينطبق على المؤسسات والجمعيات المعنية بالقضايا الإنسانية، فصور عشرات آلاف المعذبين والمقتولين المسربة من سجون الأسد لم تستطع تحريك ساكن في وجدان العالم، إنما انحصرت وظيفتها لتغدو مجرد مادة تنقل من معرض إلى آخر، بينما القتلة ومعذبو الجياد طلقاء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق