اقتصادسلايدر

مافيا الأسد الاقتصادية تُحضّر لتعميق النهب وتوسيع الفساد بـ”القانون”!

تعمل حكومة الأسد على إعداد مشروع قانون “استثمار” جديد، حيث طَرحت مسودة أولى لمشروع القانون، ثم سحبتها واستبدلتها بمسودة ثانية، لكن الاختلافات التفصيلية والجزئية بين المسودتين لا تمس جوهر مضمون مشروع القانون المنشود، ويسعى مُشرّعو الأسد لاستصدار قانون يُمكّن من النهب، ويُمرّر الفساد، تلبية لمصالح مافياته الاقتصادية. ولمَ لا؟ ألا يمنحهم وهمُ الانتصار، المتحقق بفضل روسيا وإيران و”إسرائيل”، وتخاذل المجتمع الدولي، الشعورَ بإمكانية الانتقال بعمليات تعميق نهبهم وتوسيع فسادهم، من مرحلة “قانون القوة” إلى مرحلة “قوة القانون”، وسيصبح القانون المُقترَح، بعد إصداره، القانون الثالث في سلسلة قوانين الاستثمار تحت سلطتي الأسدين الأب والابن.

شكّل القانون الأول، قانون الاستثمار رقم 10 لعام 1991، أول اعتراف رسمي لتوجه الأسد الأب نحو تغيير طبيعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية في سورية منذ انقلابه عام 1970، وإضفاء الشرعية القانونية على تحويل طبيعة الاقتصاد السوري، من اقتصاد مركزي مخطط إلى اقتصاد حر منفتح، من خلال تقليص سيطرة الدولة على الاقتصاد، وفتح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار والنمو. لكن تلك العملية سارت ببطء وتردد وتعثر وتعرج لأسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية، فالاقتصاد السوري بدأ يتحول من اقتصاد إنتاجي يعتمد على الزراعة والصناعة التحويلية بشكل أساسي إلى اقتصاد يتسم بالطابع الريعي مع بدء استثمار النفط وتدفق المنح والمساعدات العربية إثر حرب 1973.

أدى ذلك التحول إلى تذبذب النمو الاقتصادي بتأرجحات كبيرة وحادة، وصلت إلى معدلات سالبة في بعض السنوات، تبعًا لتغيرات كميات إنتاج النفط وأسعاره. نجم عن الطابع الريعي للاقتصاد، وبدء تعميم الفساد، وولادة برجوازية بيروقراطية نتيجة الإثراء غير المشروع. كما أدى توقف المنح والمساعدات العربية إلى أزمة اقتصادية خانقة، في منتصف ثمانينيات القرن العشرين.

ازداد خوف الأسد الأب من استياء القاعدة الاجتماعية العريضة المستفيدة من سياسات التشغيل الاجتماعي، وسياسات الدعم لسلع الاستهلاك الأساسية، ومجانية التعليم والرعاية الصحية الأولية. وأصابه هلع عقب التحولات الديمقراطية الجارية في مختلف أنحاء العالم من جنوب أوروبا، اليونان وإسبانيا والبرتغال، في السبعينيات إلى أوروبا الشرقية في التسعينيات بعد سقوط جدار برلين، مرورًا بدول أميركا اللاتينية في الثمانينيات، إضافة إلى ما حدث في دول جنوب شرق آسيا وبعض الدول الإفريقية.

حسم الأسد الابن تردد أبيه، وسار باتجاه الانفتاح واقتصاد السوق، لكنه استخدم الديماغوجيا ستارًا أيديولوجيًا لتغطية توجهه هذا. جاء التوجه الجديد وقناعه الإيديولوجي عبر مقررات المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث عام 2005 الذي رفع شعار “اقتصاد السوق الاجتماعي”. ثم وُضعت الخطة الخمسية العاشرة (2006 – 2010) لتنفيذ “اقتصاد سوق” غير “اجتماعي”. وفي هذا السياق صدر قانون الاستثمار الثاني بالمرسوم رقم 8 لعام 2007 الذي أنهى العمل بقانون الاستثمار الأول رقم 10 لعام 1991.

حكَم القانونان، الأول والثاني، غاية واحدة وفلسفة واحدة، بغض النظر عن اختلافاتهما وفروقهما الجزئية والتفصيلية، فقد كان الهدف خلق “مناخ استثماري جاذب”، يعتمد أساسًا على تقديم الحوافز للمستثمرين وجذبهم بإغراءات إعفاء مشاريعهم الاستثمارية من الضرائب والرسوم. غير أن تلك الإعفاءات لم تكن مشروطة بنوعية المشروعات وطبيعة مجال نشاطها الاقتصادي. لم تُحدَد المشاريع التي يحتاج إليها الاقتصاد السوري، والتي تساهم بتنمية حقيقية شاملة ومستدامة لتستحق تلك الإعفاءات. لم تُوضع معايير للحصول على الامتيازات التي يمنحها قانون الاستثمار مثل: حجم القوة العاملة التي يُشغّلها المشروع، أو المستوى التكنولوجي للمشروع، ونسبة القيمة المضافة التي يخلقها، وإنتاجيته، وجودة منتجاته، وقدرته التنافسية، وطاقته التصديرية… إلخ. إذ يعامل معمل العلكة مثل أي صناعة متطورة. فماذا كانت النتيجة؟

حسب مراجعة منتصف المدة للخطة الخمسية العاشرة (2006 – 2010) التي قامت بها هيئة تخطيط الدولة، فإن البيئة الاستثمارية غير جاذبة. مشاركة القطاع الخاص ضعيفة. الإنتاجية ضعيفة. التنافسية تتقدم ببطء بالنسبة إلى الداخل، وتتراجع بالنسبة إلى الدول المجاورة. المستوى التكنولوجي المتدني (انخفاض نسبة الصادرات ذات التكنولوجيا العالية والمتوسطة). انخفاض عجز موازنة على حساب انخفاض الإنفاق الاستثماري. زيادة التحصيل الضريبي على حساب العدالة في التكليف. ازدياد التهرب الضريبي. تفاقم مشكلة العدالة في توزيع الدخل بين الأفراد والمناطق. ازدياد مشكلة البطالة وبشكل خاص بين الشباب. في ظل سياسات الانفتاح بشكل عام، والسياسة الاستثمارية بشكل خاص يمكن القول: إن معدلات الفقر ازدادت، وازدادت البطالة، وتراجعت ديمقراطية التعليم كثيرًا، ساءت الخدمات الصحية مع تراجع العلاج والطبابة المجانيين. والأكثر وضوحًا كان تفاقم ظاهرة الفساد على نحو مضطرد، في ظل تلك السياسات الاستثمارية. لقد تراجع ترتيب سورية في مؤشر الشفافية. فبعد أن كان ترتيب سورية 66 عام 2003، ارتفع إلى 71 و70 خلال عامي 2004 و2005 على التوالي، ثم وصل إلى المرتبة 93 عام 2006، وقفز الترتيب إلى 138 عام 2007، و147 عام 2008. فلا عجب، إذًا، أن يسجل مؤشر الفساد العالمي لعام 2018 احتلال سورية المرتبة 178، من بين 180 دولة، قبل جنوب السودان والصومال.

أدت سياسات الأسدين، الأب والابن، الاقتصادية والاجتماعية، خلال أربعين عامًا (1970 – 2010)، إلى كارثة اقتصادية – اجتماعية مأسوية. وإن لم تُفجّر تلك الكارثة ثورة بشكل مباشر؛ فإنها شكّلت برميل البارود الذي فجّرته ثورة الحرية والكرامة في 18 آذار/ مارس 2011. وبعد سنوات التوحش الذي قلَّ نظيره، ومع أوهام الانتصار تشحذ مافيا الأسد الاقتصادية أنيابها ومخالبها لزيادة نهش خيرات سورية ونهب قوة عمل السوريين بوحشية توازي وتكافئ وحشية القتل والتعذيب والتهجير والتدمير. فهل يغص بامتصاص عرق السوريين من شرب دمهم. هذا ليس كلامًا إنشائيًا يولده الألم والغضب. هذا ما تشي به مسودات مشروع قانون الاستثمار الثالث المنتظر. من المبكر مناقشة تلك المسودات مناقشة تفصيلية، قبل أن يصبح “مشروع” قانون مُعدًّا للإقرار. الآن، يكفي التوقف عند الخطوط العريضة لمسودات مشاريعه التي تكشف كيف تخطط مافيا الأسد الاقتصادية لتعميق نهبها وزيادة فسادها.

هنا، لا نستخدم كلمة “الدولة”، بوصفها “مفهومًا” يحمل المعنى المتعارف عليه عالميًا في الدول والمجتمعات الطبيعة، بل سنستخدمه مصطلحًا مجازيًا ضمن الواقع السوري منذ سلطة الأسد الأب. فـ “دولة الأسد” ليست دولة كما هي دول العالم. وهذا ليس موضوعنا الآن، لكن تتم الإشارة إليه لاضطرارنا استخدام كلمة الدولة. في قانوني الاستثمار السابقين حافظت المافيا الاقتصادية، الناشئة والصاعدة حينذاك، حافظت شكليًا على الاحترام الاعتباري لما يسمى بالدولة وسيادتها، في الوقت الذي تُمرّغ فيه أنفها بالتراب خلال الممارسة العملية. لكن في مسودات مشروع قانون الاستثمار الجديد تتخلى المافيا الأسدية عن ذلك الاحترام الشكلي للدولة وسيادتها. علنًا وبغطاء قانوني، ستستخدم المافيا الدولة، عبر الحكومة، استخدامًا مزدوجًا لتمارس نهبها كيفما تحركت، كما المنشار يعمل نزولًا وصعودًا.

أولًا: تضع المافيا نفسها فوق الدولة، عندما يقتضي الأمر تحصين استثماراتها من القرارات الحكومية. في الفقرة السادسة من المادة (4) من مسودة مشروع القانون: “تضمن الدولة للمستثمرين عدم نفاذ القرارات أو التعاميم أو البلاغات الصادرة من الجهات العامة، والتي يمكن أن تعيق تنفيذ المشروع، أو استمرار عمله خلال عمر المشروع”. إنها حصانة قانونية لعمليات النهب والمخالفات كلها، ولأنواع الفساد وأشكاله جميعها. فأين سيادة الدولة التي يتغنون بها، حين تتدخل الأمم المتحدة بقلق خجول من أجل الحريات، وحقوق الإنسان، والمساعدات الإنسانية، والحصار والتجويع، والتهجير القسري، والاعتقال والتغييب القسري والتعذيب، واستخدام الأسلحة المحرمة دوليًا، والقتل وجرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية؟!

ثانيًا: في الوقت نفسه، تعطي المسودة الحكومة الحق بنزع ملكية المشروع تحت مسمى المنفعة العامة. بهذا الحق، ستتمكن المافيا، عن طريق الحكومة وعلى مرحلتين، من الاستيلاء على المشاريع الاستثمارية الناجحة المملوكة من قبل مستثمرين من خارج الدائرة المافياوية. في المرحلة الأولى تُنزَع الملكية للمنفعة العامة. وفي المرحلة الثانية تُلزَّم أو تباع المكية المنزوعة للمافيا بشكل ما من أشكال الاستثمار.

إضافة إلى ما تقدم، تضع مسودة القانون الحكومة في خدمة المستثمر تحت عنوان “الحوافز الخاصة”. المادة (7) تنص على (4) حوافز مباشرة. “تُحمّل هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات نسبة (50 بالمئة) من إجمالي اشتراكات التأمينات الاجتماعية المتوجبة على المستثمر، رب العمل، عن العمال المسجلين لمدة 5 سنوات”. ستتحمل الحكومة جزءًا مباشرًا من تكاليف الإنتاج، وهو نوع من أنواع الدعم المباشر للمنتجين، وهو دعم مرفوض في قوانين منظمة التجارة العالمية، هذا أولًا. ثانيًا: تقسيط أو تحميل هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات نسبة 25 بالمئة على الأكثر من فواتير تعرفة استهلاك أو بدلات الخدمات العامة. (قد تتضمن هذه الخدمات خدمات الاتصالات والكهرباء والماء والإنترنت). ثالثًا: شراء الدولة لنسبة لا تتجاوز 15 بالمئة من منتجات المشروع، والمساهمة في تسويقها من خلال المؤسسات العامة. (هنا ستعمل الدولة تاجرًا ومسوقًا لجزء من منتجات القطاع الخاص تحت غطاء المزايا، وبغض النظر عن حاجة الدولة إلى المنتج، أو عن جودة المنتج وتكلفته). رابعًا: تأمين أراض وعقارات مملوكة للدولة من دون مقابل أو بأسعار مخفضة للمشاريع الاستراتيجية التي يوافق عليها مجلس الوزراء. من أين ستأتي أموال التكاليف التي ستقدمها الحكومة للمستثمرين؟ من عرق السوريين الذين يدفعون الضرائب غير المباشرة التي تُشكّل 70 بالمئة من إجمالي الحصيلة الضريبية، بينما يدفع الأغنياء 30 بالمئة فقط، على شكل ضرائب مباشرة على أرباحهم وريوعهم.

أثبتت فلسفة قانوني الاستثمار الأول (1991) والثاني (2007) فشلها في خلق مناخ جاذب للاستثمار، باعتراف هيئة تخطيط الدولة. كان اعتراف الهيئة ناقصًا ومجتزءًا. لم تقل الهيئة إن ذاك المناخ كان نابذًا للاستثمار، ولم ترَ أن تلك الفلسفة القائمة على الإعفاءات والحوافز والمزايا الممنوحة للمستثمرين ساهمت مع السياسات الاقتصادية المعروفة بالليبرالية الجديدة، النيو ليبرالية، التي طُبقت بشكل انتقائي ومنقوص لخدمة مصالح المافيا الأنانية الضيقة، ساهمت في الوصول إلى الكارثة الاقتصادية ـ الاجتماعية مع خاتمة العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. الإعفاءات المعممة والحوافز والمزايا الممنوحة للمستثمرين لا تجذب المستثمر “الجاد”، بل تأتي بالمستثمرين المغامرين وبقناصي الفرص. والأهم من ذلك أن تلك الإعفاءات تشكل عبئًا حقيقيًا على موازنة الدولة. الإعفاءات من الضرائب والرسوم تُخفّض إيرادات الموازنة. وهذا سيؤدي إلى خفض الإنفاق العام بشقيه الجاري (أجور ورواتب، خدمات التعليم، الخدمات الصحية، التأمين والضمانات…)، والاستثماري (بنى تحتية، استثمارات في مجالات ضرورية يستنكف عنها القطاع الخاص بسبب كلفة رأسمالها الثابت العالية، وبطء دوران رأسمالها، وأرباحها المنخفضة…). الإعفاءات لا تُخفّض الحصيلة الضريبية وحسب، وإنما تؤثر على عدالة التكليف الضريبي. تُنقص حصيلة الضرائب المباشرة على الأرباح والريوع التي يدفعها الأغنياء من أصحاب رؤوس الأموال، وتزيد الضرائب غير المباشرة التي يدفعها المستهلكون وأغلبتهم من الفقراء. في سورية شكّلت الضرائب غير المباشرة، في السنوات الأخيرة، 70 بالمئة من إجمالي إيرادات الضرائب.

المناخ الاستثماري الجاذب للاستثمارات، وللمستثمرين الجادين على وجه الخصوص، يحتاج إلى “دولة” حقيقية، لا إلى مافيا، دولة تتحقق فيها “سيادة القانون” النافذ على الجميع بالتساوي من دون أي استثناء. يحتاج إلى سلطة قضائية مستقلة لا يكون رئيس مجلس القضاء الأعلى رأس السلطة التنفيذية ونائبه وزير العدل. يحتاج إلى محكمة دستورية عليا لا يعينها رئيس السلطة التنفيذية، بل تنتخب من قبل البرلمان. يحتاج إلى قضاء عادل ونزيه، قضاء سريع البت بالقضايا. يحتاج إلى انتفاء الفساد الكبير قبل الصغير. يحتاج إلى خارطة استثمارية تحدد المشاريع التي يحتاج إليها الاقتصاد والمجتمع، وتخدم خطة التنمية المستدامة المستندة على مبادئ العدالة الاجتماعية. وختامًا، تفاصيل سهولة المعاملات الإدارية والمالية وسرعتها وشفافيتها.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق