هموم ثقافية

في رثاء الثقافة

المثَّقف يُفترض أن يُثقِّف، يتثقَّف، يُثاقف، يَتثاقف، ولكن من عقيدةٍ/ معتقدٍ، فيه دفاعٌ عن (الوطن) بعيدًا من الوعظ. لأنه ليس واعظًا، الشيخ وليس المثقَّف هو الواعظ، وقد وظَّف الحكاية، حكاية وعظية من على المنبر وغير المنبر، لهدفٍ هو تجييش الرأي وليس تثقيف الناس. ثمة فرقٌ بين الوعظ والتثقيف؛ الوعظ يُغلق، يُهدِّد، يُرهِب، يقمع، يؤمِّن، يرغِّب لتدخل حقل الرمي وتصير دريئة، بينما الثقافة تحرِّض، تثير، تدفع، تندفع، ترى بها ما لا يَرى ويُرى، تنقد، تنتقد، تثور، تعصي.. وهذه التي تعصي هي ما تذهب إليه الثقافة. تعصي من يعصي الله فيك، فيشغِّلك ولا يعطيك، أو يسرق نصف أجرك، تحارب عنه، فتزيد ثروته، تزيد أو يزيد بك عدد الفقراء، فيما يخفِّف، أو يسعى لتقليل الأغنياء ليحكم ويحكم. ثمَّ إنَّ الواعظ يتخاشع، ينفعل، يصرخ، يستغيث كما لو أنَّه ممثِّل، وقد يمزِّق ثيابه ويضرب بيديه على كل ما يقع عليه، فيما المثقَّف يتأمَّل، يفكِّر، لا يكفِّر كما الواعظ، هو يحاور، يجادل عن الضمير الجمعي للأمة/ الوطن، هو يدافع عن القيم. ففي المسرح يمكن أن نعتبر “أوديب” مثقَّفًا، فلقد فقأ عينيه، ونفى نفسه خارج المدينة تكفيرًا عن جريمة زواجه من أمِّه، حين علمَ أنَّها أمُّه، وهذا الحكم الذي نفذَّه بنفسه قد يُرضينا، لكن لو علمنا أنَّه قتلَ أباه، ثمَّ تزوَّج أمَّه، لما رضينا بأن يفقأ عينيه؛ بل بقتله، وقتله، وقتله. وهذا ما تدعو إليه فلسفة المثقف، الفلسفة التي هي أن يكون المثقَّف ضد علاقة العبودية بالسلطة/ بنصِّ السلطة، فهو ضد أن يتحول الحُّر إلى عبد. هو ضد القدسي المقدَّس، حين يُغلق على العقل فلا يفكِّر، هو ينزع عن السلطة قدسيتها، حين تسوِّر نفسها بالمقدَّس السماوي لتستبد وتستبد. لذا فالحسن البصري مثقَّف، وابن رشد مثقَّف، وابن خلدون مثقَّف، وابن الهيثم مثقَّف، وأبو حيان التوحيدي مثقَّف، وعلي عبد الرازق مثقَّف، وطه حسين مثقَّف، ذلك لأنَّ الحياة بلا تعب، بلا تفكير؛ هي مثل عاجز لا سبيل إلى شفائه، وأنَّ كل ما هو بطولي هو في التفكير، هو في التعب، وأنَّهم –المثقفين- منذورون لإبداع الأفكار وليس استئجارها.

فرقٌ بين أن تُبدع وأن تستأجر/ تستكري العلوم والفنون والثورات. فرقٌ بين أن تكون أوديب أو تكون شايلوك. ولو أنَّ أوديب تحوَّل من مثقَّف إلى ملك، لكنَّه الملك الذي ما فتئ يبحث عن سبب الجرم الذي ارتكبه ليقتل أباه ويتزوَّج أمه، وهو لا يعلم، ولمَّا علم صرخ وقال: (لقد كان محظورًا عليَّ أن أولدَ لمن ولدتُ له، وأن أحبَّ مع من أحيا معه. وقد قتلتُ من لم يكن عليَّ أن اقتله). ليس من ملك يعترفُ بجرائمه، فكيف إذا اندفعت الثقافة من أعماقه ليحقِّق/ يتحقَّق، إذا ما كانت قوَّة العدالة في نفسه ما تزال حية، لم تمت. حتى لو كان القدر أو إنَّ ما فعله كان ترتيبًا قدريًا، فما من أحدٍ يجمعُ السلطة مع الثقافة. السلطة، أيًا كان شكلها ولونها، تذهب إلى الاستبداد أكثر مما تذهب إلى الديمقراطية، وحدها الثقافة تنتقد السلطة، تنتقد وأحيانًا تتجرَّأ على موظفي الثقافة، صُنَّاعُ وتجَّارُ الثقافة الذين لا يريدوننا أن نردَّ الشرَّ بالشر، الذين يريدوننا أن نثاغي ونقاقي، يذبحوننا يسلخوننا، وليس مسموحًا لأحد أن يتجرَّأ ويحاسبهم أو يعاقبهم، وكأنَّهم مخلوقاتٌ غير عادية لا من معدن الربّ، ولا من معدن البشر. وكل شيءٍ رهنُ مشيئتهم، رهنُ تطرُّفهم الثقافوي الذي يحرِّم ويحلِّل النيات والأعمال على كيفه، وكأنَّ الله خلقنا وتخلى عنَّا، أو كأنَّنا كائنات خرافية. ‏

ألم يحن الوقت لنعرف أنَّ الثقافة، أيًا كان جنسها، هي ليست ملكًا لعشيرة أو لقبيلة أو لدولةٍ، لأنَّها فعلُ بحثٍ وشكٍّ دائم، لأنَّها فعل إيثار، فعل خير ينتجه الناس ويتشاركون في صنعه، وأنَّها ليست ترفًا فكريًا، ولا زينةً، وأنَّها ليست معلوماتٍ ولا موضوعاتٍ معرفية؛ هي فعلُ خير، فعلُ جمال، وليست إعلانًا لما ينتجه أهل العلم أو أهل الأدب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق