سلايدرقضايا المجتمع

المستبد لا يبني وطنًا

على الرغم من الخراب والمآسي التي تشهدها بلادنا العربية، ولا سيما سورية ومصر، فإننا نجد أبواق المستبد تروج لقدراته الخارقة في بناء الوطن، وتصوّره على أنه المخلص الذي يسير بالوطن نحو الرفعة والمجد، بل يبررون الصلاحيات المطلقة الممنُوحة له، باعتبارها الأداة التي تمكن الحاكم “المستبد” من تحقيق قفزات للحاق بركب الحضارة، إذ تكبل القوانين -وفق وجهة نظرهم- المستبد، وتعرقل عجلة التنمية المنشودة على يديه، فتصاغ القوانين والتشريعات التي تكرس المستبد حاكمًا مُطلقًا بذريعة الحرص على بناء الوطن، بينما تكرسه حقيقةً سيفًا مسلطًا على رقاب الشعب. والأنكى من ذلك أن المستبد يتجاوز القوانين والتشريعات التي خطها بيده في دلالة واضحة على أن هدف القوانين ليس بناء الأوطان، فهذا آخر ما يهتم به المستبد. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن محاولات امتلاك مفاتيح القوة في دولة الاستبداد لا تندرج في مضمار بناء الوطن، إنما الهدف منها حماية عرش المستبد، فهو يعيش حالةً مستمرة من القلق على الرغم من مظاهر القوة والعظمة. يقول الكواكبي في كتابه (طبائع الاستبداد): “إن خوف المستبد من نقمة رعيته أكثر من خوفهم من بأسه، لأن خوفه ينشأ من علمه بما يستحقه منهم”، فما الذي يستحقه مستبد قتل أكثر من نصف مليون، وهجر نصف الشعب، ومستبد انقلب على شرعية الشعب، وخان الأمانة الوطنية، وشرفه العسكري؟ فهل يستطيع أمثال هؤلاء بناء الأوطان؟!

ثمة عوامل موضوعية تحول دون نجاح الاستبداد أيًّا كان في بناء الوطن، مهما امتلك المستبد من صفات، لأن الوطن تبنيه الجماعة لا الفرد. ولا يتناقض ذلك مع وجود تجارب في التاريخ يلمع فيها أفراد بعينهم، يلعبون دورًا مفصليًا في مسيرة الأمة، لكن المتفحص لهذه الاستثناءات يجد أن عظمة الفرد ودوره لا تنبعان من استبداده، إنما من استثماره لطاقات الجماعة، وتسخيرها لخدمة الأمة. ولاستثمار هذه الطاقات في بناء الوطن، لا بد من توفرِ أربعة عوامل، نجد نقيضها في دولة الاستبداد، وهذه العوامل أو النقاط الأربعة تعطينا الجواب عن السؤال المحوري: لماذا لا يبني المستبد وطنًا؟

نزعم أن العدلَ أول حجر في بناء الوطن، بل هو أساس البناء، فهو الذي يجعل من ذلك الحيز الجغرافي وطنًا للإنسان يتألم لفراقه، ويفرح لسموه ورفعته، وليس بخافٍ على أحد أن العدل يعني تطبيق القوانين على الجميع، وخضوعَ الجميع لمبدأ المحاسبة الذي يفرز الغث من السمين، ويميز الصواب من الخطأ، ليأخذ بيد الصالحين المصلحِين، ويضرب على يد الطالحين المفسدين. وهذا ما يتناقض مع الاستبداد الذي يرتكز في حكمه على الظلم في كل مفاصل الحياة، ولا نقصد بالظلم قتل الأحرار وملء السجون بأصحاب الرأي والوطنيين الغيارى، كالحال في سورية ومصر، فذلك ظلم واضح، إنما إضافة إلى ما سبق الظلم في كل تفاصيله الصغيرة والكبيرة، كالمحسوبية والرشوة والانتقائية في تطبيق القوانين والمحاسبة، وهدر موارد الأمة وغياب تكافؤ الفرص و… ولا يستطيع المستبد -مهما كان قويًا- أن يكونَ عادلًا، لأن العدل يعرّضه قبل غيره للمحاسبة.
ويتمثل العامل الثاني بولاء الجماعة لهذا الوطن، باعتباره الحصن والملجأ، فرفعته رفعة لهم، وانحطاطه انحطاط لهم، خلافًا لحكم الاستبداد الذي يقوم على الولاء للمستبد، فمعيار الوطنية والخيانة في بلاد الاستبداد الولاء للمستبد، إذا فكرت مجرد تفكير بالصالح العام، وتوقفت عن تمجيده، ولو من غير قصد، أُهمِلت وأُقصِيت، وهذا واضح جلي في بلادنا، حيث تُغيب أصوات الأحرار، ويُهاجمون باعتبارهم خونة، وتُنصب المنابر لأصوات النفاق. وعندما يسود العدل ويشعر الفرد أن الوطن له يترسخ الولاءُ في وجدانه، فينتقل إلى مرحلة البذل والعطاء، لأنه يدرك يقينًا أن خيرات البذل والعطاء ستعود عليه في نهاية المطاف، فتدور بذلك عجلة الحياة الإيجابية، ويبدأ البناء الحقيقي للوطن، حيث يتحول الوطن إلى خلية لا تتوقف فيها عجلة الإنتاج، خلافًا لمنظومة الاستبداد القائمة على الأخذ والسلب، بدءًا من سلب ثروات البلاد وسرقتها، وليس انتهاء ببيع الوطن برمته. ولا يقتصر الأمر على المستبد كفرد، إنما تقوم منظومة حكمه برمتها على مبدأ المنفعة الشخصية، فتراه يسمح لحاشيته من وزراء وضباط ومديري مؤسسات و… بالسرقة كيفما شاؤوا، بل يستثمر فسادهم في ترسيخ استبداده، إذ يقوم باستخدام فسادهم سلاحًا على رقابهم من جهة، باعتباره ولي نعمتهم، ولا بأس في محاسبتهم أحيانًا، ليظهر بمظهر المصلح الحريص على الوطن. وسردٌ سريعٌ لأسماء رؤوس المال والثراء الفاحش من محدثي النعمة، في بلداننا العربية ذوي الصلة بالاستبداد، يكشف مقدار النهب الذي تتعرض له بلداننا. وما يُبكي القلب أن ذلك يحدث تحت مظلة “بناء الوطن”!

تُوفرُ العوامل الثلاثة الأرضية للعامل الرابع القائم على استثمار العقول وتسخير المواهب لمواكبة الحضارة ومجاراتها، فالوطن يُبنى بعقول وسواعد أبنائه، من خلال توفير الأرضية الخصبة لنتاج هذه العقول والسواعد، خلافًا للاستبداد الذي يشكل بيئة طاردة، ولا سيما لأصحاب العقول، وتكشف الأرقام هذه الحقيقة المفجعة، فعلماء مصر والعراق وبلاد الشام في المهجر قادرون على بناء أرقى وأعظم دولة، فإحصائية اتحاد المصريين في الخارج تخبرنا أن مصر تأتي في المركز الأول في عدد العلماء في الخارج على مستوى العالم، بعدد وصل إلى 86 ألف عالم، ثلاثة آلاف منهم في الولايات المتحدة. ومما يبعث على السخرية المرة تفاخرُ منظومة الاستبداد بهؤلاء دون أدنى خجل من تفسير الأسباب التي أدت إلى هجرتهم، أو إبداعهم في الخارج دون بلدانهم، أو الأسباب التي تحول دون عودتهم إلى الوطن.

وتُظِل العوامل كلها خيمةُ الحرية، عدو المستبد اللدود الذي يقض مضجعه ويقلقه. لذلك كانت الحرية مطلب الأحرار الأول، لإدراكهم أن العبودية التي يسعى المستبد لترسيخها تجعل المواطن أداة في يد المستبد، بعيدًا عن مصلحة الوطن. وكم كان جواب عنترة بليغًا لعمه حين قال: “العبد لا يحسن الكر، إنما يحسن الحلب والصر”. وهذا ما يريده المستبد، يريد من يعملون عنده، لا من يبنون ويدافعون عن أوطانهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق