سلايدرقضايا المجتمع

رواية النظام الأخيرة.. سورية ليست فاسدة!

في عطلة نهاية الأسبوع، تُربك سيارة (رانج روفر) ذات نوافذ مظللة، حركةَ المرور، عندما تتوقف في شارع مرصوف بالحصى، قرب (باب شرقي) داخل المدينة القديمة، وتترجل منها -وفق رواية صحفية- شابات بأحذية ذات كعب عال، وشعر مصفف، يحملن حقائب يد صغيرة، لكنها مليئة بالنقود، ويتوجهن إلى نادٍ/ ملهًى تضج من داخله أصوات موسيقا صاخبة يرقص على أنغامها جيل جديد، في جو من البهجة والترف اللافت.

تأسس النادي/ الملهى منذ فترة قريبة، لكنه سرعان ما أصبح ملتقى نخبة ثرية، تمثل طبقة حديثة أغنتها الحرب، وضاعفت ملاءتها المالية. لقد سمح الثراء الفاحش لإحداهن، على سبيل المثال، بأن تنفق على لهوها، خلال ليلة واحدة، ما يقرب من 200 ألف ليرة سورية (بعملية حسابية بسيطة، يعادل المبلغ المنفَق خمسة أضعاف المدخول الشهري لموظف حكومي من الدرجة الرفيعة، يدفع ضريبة تصل إلى 22 في المئة من دخله، فيما تدفع الشركات الرأسمالية المسجلة رسميًا نحو 14 في المئة من دخلها المعلن).

وفي ظروف مأسوية، كالتي تعيشها البلاد، يستفيد الفساد المنظَّم من هوامش واسعة، وفَّرها نظام الأسد، لتستثمرها نخب اقتصادية تخدم في النهاية مصالحه. هذا المشهد يتطابق إلى حد بعيد مع ما ذهب إليه خوزيه أوجاز، رئيس منظمة الشفافية الدولية، من أن “هنالك علاقة بين الفساد وعدم المساواة، تغذي بعضها بعضًا”.

وتحرم السياسات التي تقوم على مبدأ التوزيع غير المتكافئ للسلطة، والتوزيع غير العادل للثروة، وامتصاص عائدات الاقتصاد، المجتمعَ من تلبية احتياجاته تحت تأثير تناقضات كبيرة. وفيما ينام الناس جوعى في كل ليلة، تنتعش النخب الفاسدة، وتزدهر حياتها، وتعيش البذخ والترف، من غير مساءلة ولا عقاب.

ليست الرسالة الوحيدة التي ينبغي علينا أن نتمعن فيها هي أن المال الجديد الذي نما، مع ظهور طبقة صاعدة تضم مسؤولين، وتجارًا، ورجال أعمال، ووسطاء، وسماسرة، استفادت من فوضى الحرب، هو حلقة جديدة من مسلسل الفساد الذي ضرب البلاد، وأصبح جزءًا من نظام يعتمد في نشاطه الاقتصادي على أعمال غير مشروعة تنتهك حقوق الإنسان، وتغذي الإقصاء الاجتماعي، بل هنالك ثلاثة مؤشرات عالمية أيضًا: (الحكم الصالح، مدركات الفساد، الدول الفاشلة) تساعدنا في مقاربة الواقع أكثر، حيث تؤكد نتائجها في السنوات العشر الأخيرة أن البلد الذي يقوده الأسد يعاني من تنمية اقتصادية غیر متكافئة، ما بین المجموعات التي تنتمي إلى البلد الواحد (إنماء غیر متوازن)، ومن تدهور اقتصادي حاد (اختلالات بنیویّة، وركود في الدورة الاقتصادیة، وانھیار قیمة النقد الوطني)، وعدم تمتّع النظام بالشرعیة اللازمة للحكم، وانعدام تداول السلطة، وتفشّي الفساد، وغیاب الحريات الأساسية، وانعدام العدالة والمساواة، وانتهاك سيادة القانون، ووجود انقسام مجتمعي وصراع طائفي يهدد سلامة ومستقبل البلاد.

إن التأكيدات التي لا تنتهي، على شاكلة ما أعلنته حكومة الأسد أخيرًا، مطلع آب/ أغسطس الجاري، عن عزمها مكافحة ظاهرة الفساد والكسب غير المشروع والالتفات إلى مشاريع التنمية، سواء عبر تحديث القوانین والأنظمة والإجراءات الناظمة لعمل المؤسسات، أو عبر المحاسبة والمساءلة وإنزال أشد العقوبات بالفاسدين ومستغلي المال العام والمراكز الوظیفیة، إنما هي -كما العادة- مجرد ذر للرماد في العيون، لتحسين صورة نظام متصدع. ومن دواعي السخرية، أيضًا، أن يعترف رئيس الحكومة بوصول الخلل والفساد إلى مفاصل كبيرة في الدولة، ثم يستدرك القول، في تناقض حاد: “لسنا دولة فاسدة، ولو كنا كذلك؛ ما انتصرنا”.

لم تستطع الديكتاتورية، عبر تاريخها، أن تؤسس لحالة شفافية تواجه الفساد الذي ينهش جسدها منذ خمسة عقود. ففي 19 آب/ أغسطس 1977، فاجأ الأسد الأب أعضاءَ مجلس الشعب السوري، عندما تلا عليهم (في خطاب ألقاه بمناسبة افتتاح المجلس الجديد) نصّ مرسوم يقضي بتشكيل لجنة تحقيق في الكسب غير المشروع: (جرائم الرشوة، استغلال النفوذ، الاختلاس، استثمار الوظيفة). وحدد الغاية منه (دحر الأخطاء وخلق المناخ الذي يمنع بروزها وتناميها وتكاثرها). وحين اكتشفت اللجنة التي كان يترأسها عضو قيادة قطرية في البعث لم يسبق له أن تسلم منصبًا إداريًا، ومن بين أعضائها رؤساء المحكمة الدستورية العليا، ومحكمة النقض، والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، أسماءً ورموزًا لامعة في الحزب والدولة، بعضها من أقرباء الأسد، والحلقة القريبة من القصر الرئاسي، تمتلك ثروات ضخمة غير مشروعة مشكوك في مصدرها؛ توقف عملها بأمر رئاسي، وماتت قبل أن تولد.

وفي الشهر ما قبل الأخير من عام 2011، وهو العام الذي شهد احتجاجات وتظاهرات ضد نظام الأسد، توجهت حكومة عادل سفر إلى إحياء فكرة اللجنة من جديد، ضمن مشروع قانون خاص، ناقشته مع مشروع قانون آخر يقضي بإحداث هيئة مستقلة لمكافحة الفساد، لكن القانونَين كليهما بقيا في أدراج الحكومة، ولم يريا النور مطلقًا.

في شباط/ فبراير الماضي، عَبر الصحفي الإيراني حامد هاديان، الحدودَ اللبنانية السورية متوجهًا إلى دمشق بطريقة غير قانونية، وكان عليه أن يدفع رشوة (تعادل دولارين فقط) لعناصر البوابة الرسمية للحدود السورية، من أجل اجتيازها. كتب في ما بعد متهكمًا: “الأمر غريب.. لكنني سمعت عن ذلك في لبنان. يبدو لي أن الأمر ثقافة. هنالك فساد في سورية، وما حدث دليل على ذلك”.

في النتيجة، لا تبدو مسألة مكافحة الفساد، مع استمرار نظام كالذي يقود سورية منذ خمسة عقود، عملية مجدية، أو مثيرة للاهتمام، ففي ظل تنافس على مزيد من المال بوصفه ضرورة سلطوية، وحلول مضحكة تعمق فقر الفقراء وتزيد ثروة الأغنياء، يتجاوز الأمر ما هو أبعد من سياسات فاشلة، على نحو لا يتسم بالحماقة فحسب، بل أسوأ من ذلك أيضًا، إنه يستنفد كل سلطة أخلاقية كان من المفترض أن يتمتع بها الحاكم الشاب خلال رئاسته.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق